بسم الله الرحمن الرحيم


     حينما ضاق الشاعر العربي أبو الطيب أحمد بن الحسين ، الشهير بالمتنبئ  ذرعا  بمنتقديه والمزايدين عليه في حب الأمير سيف الدولة الحمداني ، أطلق واحدة من أروع قصائد شعره وفي مطلعها :
وا حر قلباه ممن قلبه شبم ،،
ومن بجسمي وحالي عنده سقم .
مالي أكتم حبا قد برى جسدي ،،
وتدعي حب سيف الدولة  الأمم .
وفي واحد من أبيات هذه القصيدة يقول المتنبئ مخاطبا خصومه من الشعراء وواثقا مما تحمل حناياه من مشاعر الحب ، ومتحدثا عن سيف الدولة :

لو كان يجمعنا حب لغرته ،،،
فليت أنا بقدر الحب نقتسم .
    تذكرت قصيدة المتنبئ هذه ، وهذا البيت الأخير تحديدا وأنا أتابع حالة ( الصراع ) التي وسمت الحياة السياسية عندنا في السودان  بين مختلف القوى والتيارات ، وكل يدعي هياما  وحبا  بالسودان أرضا ونيلا وشعبا ، من دون أن نعرف نحن وسيلة لقياس حبهم هذا ، ومن دون أن يتراضوا هم على منهج ووسيلة لاثبات حبهم للوطن أو حب ( ساكني ) الوطن لهم  !!
    فأحزابنا السياسية ، قديمها وحديثها ، ترفع شعارات الديمقراطية والحكم الراشد والتداول السلمي للسلطة ، والشفافية ومحاربة الفساد والمحسوبية ؛ وفي موسم الانتخابات الأخير قدمت نفسها على هذا الأساس لخطب ود الناس وحصد أصواتهم ؛ وهذا أمر محمود ومطلوب من حيث المبدأ ؛ لكن الغالبية العظمى من هذه الأحزاب تفشل حتى في الاختبارات التجريبية لاجتياز عتبة الدخول للنادي الديمقراطي ، دعك عن أندية الحكم الراشد والشفافية والتداول السلمي للسلطة ، فالثابت أن  داء التوريث  وغياب المؤسسية والاستئثار بالنفوذ هو السمة الأبرز داخلها ؛ وفي المثل السائر ، فاقد الشيئ لا يعطيه .
    قضية الحرب في الجنوب ظلت هي احدى قضايا الساحة الوطنية منذ ما قبل الاستقلال ، فقبل أن يعلن الاستقلال من داخل البرلمان ببضعة أشهر ، اندلعت شرارة الحرب في توريت بجنوب السودان ، واستمرت المخاوف وأجواء عدم الثقة والتي كانت وقودا لتلك الحرب ، تسيطر على مداخل ومخارج العلاقة بين أهل شمال السودان وجنوبه وتتسبب في حرب وراء حرب تفصل بينهما هدنة ، أو ما اصطلح على تسميته باتفاقية سلام ؛ وكان يمكن لهذا السيناريو أن يستمر الى أجل غير مسمى لولا الحكمة والشجاعة التي واتت نظاما سياسيا  أتى في الشمال في نهايات القرن الماضي اسمه ( الانقاذ الوطني )  اختار أن يحقن الدماء  وأن يبحث بجد في الاجابة على السؤال الجوهري : ( ماذا يريد أهل جنوب السودان ؟ ) وأن يتفق مع شريك جنوبي كان يقود الحرب ، على الوسيلة المتفق عليها عالميا للاجابة على مثل هذا السؤال ، فكان  للجنوبيين الحق في الاختيار بين البقاء مع أهل الشمال في وطن واحد أو الاستقلال بوطن خاص بهم عن طريق الاستفتاء .
     على أن سؤال ، ماذا يريد الجنوبيون ، لم يكن هو السؤال الوحيد الذي ظل بلا اجابة منذ الاستقلال ، فهناك أسئلة هامة أخرى تتعلق بمصير السودان ظلت بلا اجابة هي الأخرى حتى جاء حكم الانقاذ فأوجد الاجابة عليها ، ذلك أن السودان لم يكن قد أجاب على سؤال نظام حكمه ؛ مركزيا أم فيدراليا أم كونفدراليا ، ولم يكن قد أجاب على سؤال نظامه الرئاسي ؛ جمهورية برلمانية أم جمهورية رئاسية ، ولم يكن قد اختار نوع النظام الاقتصادي الذي سيسري بين الناس ويحكم العلاقة بينهم وبين دولتهم ؛ هل هو اقتصاد حر ومفتوح أم اقتصاد مركزي تحكمي ؟
    الاجابة على هذه الأسئلة وغيرها ، لم تكن تتطلب مجرد ورقة وقلم ، ولم يكن نظرها وأثرها  محصورا بين الطالب والأستاذ ، بل كانت تتطلب عصفا ذهنيا وجهدا سياسيا ووعيا بمصالح الجماهير واستجابة لتطلعاتها ، وذلك ما فعله حكم الانقاذ الوطني متحملا آثاره الجانبية وما فيها من خصومات على حساب مقبوليته الجماهيرية ، وعلى ضوء كتاب الانقاذ هذا وجدت الجماهير السودانية أساسا تحدد على  ضوئه اختياراتها في الانتخابات التي جرت قبل نحو عام .
     والانتخابات نفسها ، وعلى الرغم من كونها لم تكن الأولى التي تجرى في السودان ، الا أنها كانت الأولى من نوعها ، فبموجب النظام الانتخابي الجديد أصبح بوسع السودانيين أن يختاروا رئيسا لهم بالانتخاب المباشر ، وحكاما لولاياتهم بالانتخاب المباشر ونوابا عنهم في البرلمان الاتحادي وبرلمانات الولايات وفق نظام هجين يجمع بين الانتخاب المباشر والتمثيل النسبي ، وذلك وفق ما اقتضاه الدستور والقانون اللذين شارك في صياغتهما واجازتهما عبر البرلمان المؤقت الحاكمون والمعارضون على حد سواء .
     كانت الاجابة على سؤال : ماذا يريد الجنوبيون ، هي الاجابة الأخيرة زمانا على السؤال الأول المطروح منذ ما قبل الاستقلال ، فبطبيعة ما تقتضيه تلك الاجابة ، من بقاء السودان موحدا أو انفصال الجنوب عنه ، كان لا بد من الاجابة على الأسئلة الأخرى أولا ؛ أما وقد تمت الاجابة على تلك الأسئلة واختار الجنوبيون وبهذه الأغلبية الساحقة أن يستقلوا بدولتهم ، فحسموا الاجابة على السؤال الأخير زمانا ، فلم يعد أمام القوى السياسية في الشمال من خيار سوى احترام ارادة أهل الجنوب  ، والاقبال على اعادة ترتيب أوضاع بلادهم ( الجديدة ) وفقا لمقتضى أدوات العصر الحديث في التعبير عن حب الأوطان واحترام ارادة مواطنيها .
   وهكذا كان من المفترض أن تكون القوى السياسية السودانية قد وجدت وسيلة أكثرحداثة في التعبير عن حبها للوطن وقياس حجم هذا الحب وقدره ، من تلك التي عبر عنها أبو الطيب المتنبئ  : ( لو كان يجمعنا حب لغرته ،،، فليت أنا بقدر الحب نقتسم ) اذ لو كانت هنالك وسيلة لقياس قدر الحب وحقيقته لقلنا للقوى السياسية ( اقتسموا )  السودان وليكن نصيب كل منكم بقدر حبه للوطن ؛ وحينها كان يمكن أن يطلع الناس على نتائج مذهلة ، قضت حكمة المولى أن تظل مخبوءة !!
  ان الادعاء بانحياز الجماهير لهذا البرنامج السياسي أو ذاك ، أصبح له وسائل قياس وفق أنظمة القياس الديمقراطي الحديثة ، وأبرز هذه الوسائل هي صناديق الاقتراع ، فمن خلالها ينزوى حديث القوى السياسية عن نفسها جانبا ، ويرتفع صوت المواطن معبرا هو عن مدى قبوله أو رفضه لبرامجها ، فيفوز من يفوز ويعتلي كرسي السلطة ، ويعيد من يخسر النظر في اطروحاته من جديد استعدادا لجولة قادمة ؛ وهكذا تدور عجلة التداول السلمي للسلطة .
   أما أن تدعي قوى المعارضة السودانية ، أنها هي من يهيم الوطن بحبها ، وأنها من فرط حبها للوطن لا ترى بديلا لها في كرسي السلطة ، من دون أي اعتبار لوسيلة معتمدة لقياس هذا الادعاء أو ذاك ، فهذا ما يجعلنا نتمثل قول المتنبئ : لو كان يجمعكم حب لغرته !!

العبيد أحمد مروح
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.