بسم الله الرحمن الرحيم

       ينسب الي أحد القادة الجنوبيين -  نفضل عدم ذكر اسمه – وهو ممن وقعوا اتفاقية الخرطوم للسلام في العام 1997م ، وقد كان  يتحدث حينها في افادات غير رسمية القول : ( أن كل جنوبي متمرد وليس كل جنوبي حركة شعبية ) ؛ كان ذلك في سياق محاولات يقوم بها الطرفان الموقعان على الاتفاقية لفهم ومعرفة بعضهما البعض  بصورة أفضل ؛ ويبدو من سياق الأحداث التاريخية أن كل السودانيين بحاجة لمعرفة بعضهم أكثر، وخاصة الشماليين والجنوبيين ، فقد  ثبت أن هنالك مفارقة بين الصورة الذهنية وبين ما هو حادث بالفعل .
       وقد تجلى عدم التطابق هذا في نتائج تصويت مواطني جنوب السودان على حق تقرير المصير الذي اتضحت نتائجه في الشمال  وجاءت مرجحة لخيار الانفصال ؛ وقد جاء هذا كنتيجة طبيعية للحالة الذهنيية والمشاعرية لمواطني جنوب السودان جراء التعبئة الطويلة ضد الشمال وأهله ، والتي كانت تنزع نحو قيام دولة خاصة بهم في ذلك الجزء من الوطن ( القديم ) وهو أحد الخيارين اللذين وضعتهما اتفاقية السلام الشامل .
     الرسالة العملية التي بعث بها  الجنوبيون ممن عاشوا في الشمال ، وبغض النظر عن الدوافع وراءها ، كانت بالغة الدلالة ؛ وهي رسالة تقول أنهم جربوا الوحدة ولم يجدوا فيها ما يغريهم على ترجيح خيارها ، وها هم يجربون خيار الانفصال ، فلعلهم يجدوا فيه ما يحقق لهم شعورهم باستكمال استقلالهم ، وباستمتاعهم بكامل حقوقهم السياسية والانسانية والمادية ؛ والرسالة التي ينبغي أن يبعث بها أهل الشمال حاكمين ومحكومين موالين ومعارضين ، هي الترحيب المطلق بهذا الاختيار ، والاستعداد الكامل لدعمه ، والكف عن أي شكل من أشكال ( الأستاذية ) التي يمكن أن تسم أقوال أو أفعال أهل الشمال ، أفرادا ومجموعات ، حاكمين ومعارضين ، تجاه أهل الجنوب .
      ومن المؤكد أن الانفصال حين يقع بشكل رسمي ، سيفرح له سودانيون في الشمال مثلما سيفرح له الجنوبيون ، لكن من المؤكد أيضا أن التعبير عن مشاعر الفرح أو الحزن سيكون حالة مؤقتة تنتهي برفع العلم هنا أو تنكيسه هناك ؛ وبعدها سيلتفت الناس في الشمال والجنوب الي أمور حياتهم ، ومن المفترض أن تلتفت النخب لبناء الدولة الجديدة ، خاصة  في الجنوب الذي اختار مواطنوه أن تكون لهم دولتهم ، وبالتالي مواجهة التحديات التي تفرضها معطيات الواقع الاقليمي والدولي ، ومعطيات الدولتين الجديدتين .
    الأسئلة التي ستوضع على طاولة حكام الجنوب ، منذ الآن ، بل لعلها وضعت وتم بحثها ، هي أسئلة كثيرة ؛ تبدأ من اختيار علم الدولة الجديدة ونشيدها الوطني ، وتمر بنوع الاقتصاد والنظامين التعليمي والصحي ، وتتصاعد حتى نظام الحكم وما اذا كان سيصبح رئاسيا أو برلمانيا ، وما اذا كان الجنوب سيحتفظ بنظامه الفيدرالي الحالي بولاياته العشر ، أم سيتم تقليص تلك الولايات .
      ولكي تتمكن الدولة في الجنوب من الشروع الفوري في بناء هياكلها الجديدة ومؤسساتها الدستورية ، بما فيها الدستور نفسه ، وبأكبر قدر من الرضى بين مواطنيها ، فانها ستكون بحاجة الى الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني ، وهو أمر ليس بوسع الدولة الوليدة أن تحقق فيه معدلات نجاح عالية لنفسها بمعزل عن مساعدة الدولة القائمة في الشمال ، في المدى المنظور على الأقل ؛ كما أن الاستقرار في الشمال يمكن أن تساهم فيه دولة الجنوب بسهم معتبر ؛ وبهذه المعادلة البسيطة يتعين أن تنظر كل من دولة الجنوب الوليدة ودولة الشمال لدورها  الهام والحيوي تجاه تحقيق الاستقرار في الدولة  الأخرى !!
   كان الجنوبيون يقولون لأهل الشمال – ومعهم في ذلك حق – أنه لا ينبغي أن نعلق اخفاقاتنا على شماعة ( الاستعمار ) ، فقد ذهب الاستعمار عنا منذ عقود ، ونأمل ألا يأتي اليوم الذي يقولون فيه لبعضعهم أنه لا ينبغي أن نعلق اخفاقاتنا على شماعة ( الشمال ) فقد ذهبنا عن الشمال منذ عقود ؛ ولكي لا يحدث هذا ونكون كمن لا يتعلم من أخطائه ، ندعو هنا الى التعاون الوثيق بين الدولتين بغض النظر عن الحالة العاطفية التي تجتاح القطاع الأوسع من أهل الجنوب ، على خلفية نتيجة الاستفتاء  !!
       تقول الحكمة الشعبية أنك لن تعرف قيمة الشيء كما ينبغي اذا لم تفقده ، فأنت مثلا لن تعرف قيمة الماء الحقيقية اذا لم تفقده وتحس بالعطش ، ولا الطعام اذا لم تحس بالجوع ولا الصحة اذا لم تعاني من المرض ، وهكذا ؛ واذا كان هذا حادث في الأشياء المادية المحسوسة ، فانه جائز أيضا في الأشياء المعنوية غير المحسوسة كالفرح والحزن ؛ ولعل مواطنينا الجنوبيين الذين عاشوا تجربة الوحدة ولم يعجبهم طعمها ، يتغير عندهم هذا الطعم عندما يفتقدونه ويصبح بوسعهم مقارنته بطعم الانفصال الذي لم يكونوا يتذوقونه من قبل .
     وكيفما كان طعم الانفصال الذي سيتذوقه الأخوة الجنوبيون بعد حين ، حلوا أو مرا ، فان ذلك لا ينبغي أن يغير من جوهر العلاقة بين دولتي الشمال والجنوب ، لجهة ترابط وتشابك المصالح بينهما ؛ فقد اخترنا أن ندفع مهرا غاليا للسلام ، وينبغي أن لا ننظر الي  نتيجة ذلك الاختيار بمعيار الرابح والخاسر ؛ فمن ربح السلام وأوقف معاول الهدم ووسائل استثارة الكراهية والانتقام هو الرابح ؛ ولا خيار راشد أمامنا سوى الاجتهاد  في تعزيز واستدامة السلام والاستقرار ، على شطري الوطن القديم .
    ولنا أن نحيل المهتمين ، الى  ديباجة ميثاق الأمم المتحدة التي ستكون دولة الجنوب آخر المنتمين لها في يوليو القادم ، والذي تم توقيعه  في يوليو من العام 1945م  ، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية  ففي ذلك شواهد ومعان يمكن أن تعيننا ، على استدامة السلام ؛ فقد قرر واضعوا الميثاق أنهم آلوا على أنفسهم انقاذ الأجيال القادمة من ويلات الحرب التي جلبت للأنسانية معاناة يعجز عنها الوصف ، وأن يعيشوا معا بالتسامح في سلام وحسن جوار ؛ وهو لعمرى ما نحتاج أن نتواثق عليه نحن أهل السودان ، لأجل أجيالنا المقبلة والتي لم تذق طعم الاستقرار الكامل لأكثر من خمسة وخمسين عاما هي عمر استقلالنا وعمر أنظمتنا المتعاقبة ، بعد أن جلبت لها الحرب معاناة يعجز عنها الوصف  !!
    شخصيا أميل الي الاعتقاد بانطباق مقولة ( رب ضارة نافعة ) على حالة دولتينا الجديدتين ،  فربما كنا نحن في الشمال والجنوب معا ، بحاجة لأن يحدث ما حدث لكي نعيد تقييم وقراءة العلاقة بيننا من زوايا مختلفة ، ونقيم علاقاتنا المستقبلية على أسس جديدة ؛ ومن هذه الأسس الجديدة أهمية أن يكون للقوى السياسية وقوى المجتمع المدني كافة دور واسهام في بناء الوطن ونهضته ؛ ويعني هذا – ضمن ما يعني – أن يتذكر الحاكمون في الجنوب والشمال ، ضرورة أن تكون  لجميع الراغبين مساحة في قطار البناء الوطني المنطلق من جديد ، حتى لا يكون لأحد حجة بأنه تعرض للاقصاء أو التهميش ؛ ويعني أيضا أن يتذكر المعارضون في الشمال أنه لم يعد هنالك وقت طويل للمماحكات ، والتحرش السياسي  والتهديد باسقاط النظام بسوى الوسائل التي أقرها الدستور الانتقالي ، الذي أرسى أسس السلام والتحول الديمقراطي في الشمال ، وأعطى الجنوبيين الحق في قيام دولة خاصة بهم .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.