بسم الله الرحمن الرحيم

    رمى الرئيس البشير ، وهو يخاطب الأمة السودانية بمناسبة الذكرى الخامسة والخمسين لاستقلال السودان ، بحجر في بركة السياسة السودانية  ؛ وهي بركة يجمع المراقبون على تشبيهها بالراكدة لشدة تكرار دوران القوى السياسية حول نفسها ، وعدم قدرتها على تقديم الجديد من الطرح ، في وقت تقترب فيه البلاد من أحد أهم المحطات المفصلية في تاريخها الحديث .
   فقد تجمدت  مواقف القوى السياسية المعارضة في محطات ما قبل توقيع اتفاق السلام الشامل ، حيث المطالبة باطاحة النظام ، واقامة حكومة انتقالية ، وانعقاد المؤتمر القومي الدستوري لصياغة  مستقبل الدولة ( المدنية ) ؛ بينما لم يتعد قطار الحكومة المتجه نحو اشراك القوى السياسية المعارضة  في مؤسسات الحكم ، محطة نيفاشا الا بعدة أميال ، رغم مرور ست سنوات منذ أن بدأ ذلك القطار تحركه .
   ولسنا هنا بصدد البحث في مقولات الطرفين وتبريراتهما لما حدث ، فعند الكل ما يمكن أن يقوله ، لكننا بصدد قراءة المشهد الوطني العام ، في مناسبة وطنية عزيزة وقطار نيفاشا يلوح بشارة الوصول  الى محطته الأخيرة ، وهي محطة تقرير المصير لمواطني جنوب السودان . ففي هذه المحطة يبدو جليا أن الحركة الشعبية ( لتحرير السودان ) قررت أن تدع الشمال بما حوى  وراء ظهرها ، وتصوب جهدها لاقامة دولة مستقلة في جنوب السودان ؛ ويبدو كذلك أن أعضاء الحركة  من أبناء شمال السودان ، يعيشون هذه الفترة حالة نفسية أقرب الي تلك التي عاشتها عناصر ما كان يعرف بجيش لبنان الجنوبي بقيادة أنطوان لحد عقب الانسحاب الاسرائيلي من ذلك البلد في مايو العام 2000 م !!
    ذهبت الحركة ، ومعها القوى السياسية الجنوبية ليقيموا دولتهم في الجنوب ، وهو حق رضي به الجميع ولا ينبغي أن نزايد عليهم فيه ، ولا أن نزايد به على بعضنا في الشمال أو نعده تقصيرا يتحمل مسئوليته هذا الطرف أو ذاك ، كما لا ينبغي أن يكون نجاح الدولة القادمة في الجنوب أو فشلها محل مزايدة من القوى السياسية الشمالية ؛ وليتذكر السياسيون الشماليون أننا بالقدر الذي نتحسس فيه من ( وصاية ) نحس أن القوى الدولية التي حكمت السودان في الماضي تمارسها علينا أحيانا ، يمكن أن يتحسس أهل الجنوب من الوصاية الصريحة أو المستبطنة من أهل الشمال ، ويمكن أن يكون ذلك عامل توتر ونزاع بين دولتي ( السودان الجديد ) القادمتين .
    وفي المشهد كذلك تبدو مواقف القوى الشمالية المعارضة ، التي ضمها ذات مرة مع الحركة الشعبية ما كان يعرف بتحالف جوبا ، وضم أغلبها قبله طيب الذكر ، التجمع الوطني الديمقراطي ، مواقف شبه جامدة ؛ وما تزال تراوح في محطة الدعوة الى الانتفاضة الشعبية  والعصيان المدني لاجبار النظام على الاستجابة لمطالبها ؛ ومن عجب أن مطالبها هذه لم يعد ( التحول الديمقراطي ) ، والتداول السلمي للسلطة ، يشكل أسبقية فيها ،  اذ حينما أقر دستور نيفاشا ذلك ، أيدوه بتحفظ ، وحينما أتى أوان التنفيذ بعد خمس سنوات من الاقراروشرعت الدولة في اجراءات العملية الانتخابية في مارس وأبريل من العام الماضي ، دعت هذه القوى  لمقاطعة العملية الانتخابية ، في مرحلتي التسجيل والتصويت ، وثبت عمليا أن الاستجابة لتلك الدعوة كانت دون المستوى الذي يمكن أن يؤسس عليه حزب معارض رهانا على صندوق الانتخابات ؛ وقد أصبح جوهر المطالب الآن يتمحور حول نصيب المعارضة من ( كعكة ) السلطة في قسمة جديدة على أساس سياسي ، وربما استنادا الي شرعية تاريخية أو شرعية التمرد وحمل السلاح في وجه الدولة .
  في هذه الأجواء وهذا التاريخ جاءت كلمة الرئيس البشيرفي مناسبة ذكرى الاستقلال ؛ وكان أبرز ما فيها قوله أنه ليس في نية الدولة التراجع عن مساحة الحرية التي كفلها دستور نيفاشا الانتقالي ، حتى وان ذهبت نيفاشا باتجاه قيام دولة مستقلة في جنوب السودان ، ومن الواضح أن  الاشارة في هذا كانت مقصودة لبث الاطمئنان في نفوس من أعطوا أصواتهم للرئيس وحزبه في الانتخابات الأخيرة ، وحولوا الشرعية السياسية المنقوصة بشرعية معترف بها دوليا ؛ وللرد على الأصوات التي شرعت في الترويج الى أن النظام سيعيد سيرة ( تشدده ) الأولي بعد أن يتحلل من عبء الجنوب .
    ومع تثبيت عدم نية الدولة في التراجع عن التحول الديمقراطي ومنهج التداول السلمي للسلطة ، تضمن الخطاب رغبة النظام في اشراك كافة القوى السياسية ، دون استثناء ، في صياغة معالم المرحلة المقبلة ، مراجعة لدستورها بواسطة الكل ، ومشاركة في مستويات الحكم فيها لمن رغب .
     في مناسبة مثل مناسبة الاستقلال ، وفي ظرف كالذي يعيشه السودان حاليا ؛ كان من الطبيعي أن يقول الرئيس البشير ما قال ، فالاحساس  بالواجب الوطني والمسئولية التاريخية يملي عليه ذلك ؛ ومن الطبيعي أن تبادر الدولة وحكامها بما تعتقد أن فيه مصلحة البلاد والعباد ، لكن الذي يبدو لافتا للنظر هو رد فعل القوى السياسية المعارضة من تلك الدعوة ، فقد جاء رد الفعل متشككا  وغير مبال بتطورات الأحداث وغير مكترث بمآلاتها ؛ والتفسير الأرجح لهذا هو أن تلك القوى ما تزال تعتقد أنه بمجرد اعلان أن الجنوبيين اختاروا الانفصال فان نظام الانقاذ سيسقط تلقائيا ، وسيكون بوسعهم حينها أن يفصلوا جبة الوطن على قدر المقاس الذي الذي يريدونه !!
     ان أحد أبرز أزمات العقل المعارض عندنا في السودان – على مدى السنوات العشرين الماضية – هو عدم قدرته على تقديم القراءة الصحيحة لمكامن قوته ومواطن ضعف الخصم السياسي له ، فالانقاذ لم تترسخ أقدامها في السلطة من فرط  قدرتها على المناورة  فحسب ، وانما أيضا من فرط  ضعف خصومها السياسيين ، وعدم قدرتهم على التحليل والاستبصار ؛ ومرة أخرى فاني أرجح أن المغالاة في الكيد السياسي تفقد صاحبها القدرة على التمييز بين ما يتمناه ، وما يدركه .
   صحيح أن حكم الانقاذ ليس نظاما مخلدا في أرض السودان ؛ وأن تغييره وارد وممكن حين تكتمل أشراطه ؛ لكن الصحيح أيضا أن هذا النظام تفوق على خصومه السياسيين بحسن تقدير الظرف الذي تمر به البلاد في مختلف المنعطفات والعمل وفقا لمقتضيات ذلك ، وبهذا فقد كانت لديه المرونة الكافية والتي جعلته يمر بتحولات جوهرية خلال السنوات العشرين الماضية ، حتى أنه يكاد الآن يسحب بساط المناداة بالتحول الديمقراطي وأداته المتمثلة في التداول السلمي للسلطة عبر صندوق الانتخابات ، من تحت أقدام المعارضين بعد أن كانوا هم فرسان تلك الدعوة .
    اذا كانت المعارضة الشمالية ترغب في جر البلاد نحو مرحلة جديدة من الاحتقان والتوتر ، عقب نتيجة الاستفاء التي باتت شبه معروفة فبوسعها أن تفعل ذلك وهي قادرة عليه ؛ لكن الذي ليس بوسعها فعله هو تحقيق أي مكسب سياسي من وراء هكذا فعل ، حتى لو كان ذلك ( الكسب ) هو تراجع في شعبية الحزب الحاكم ؛ أما اذا كانت المعارضة تود أن ترتفع بالممارسة السياسية لمستوى التحديات التي تفرضها المرحلة ، فقد رمى لها الرئيس البشير بالحجر الذي يحرك المياه الراكدة ، ولها أن تلتقط  القفاز ، وأن تطرح للرأي العام ما ترى أنه هو الأصلح لاستدامة السلام الاجتماعي والاستقرار السياسي في السودان ، شماله وجنوبه وبغض النظر عن النتيجة التي سيسفر عنها استفتاء التاسع من هذا الشهر .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.