بسم الله الرحمن الرحيم

    في فيلم ( الحدود ) الذي مثل بطولته الفنان السوري دريد لحام ، وظهر لأول مرة في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي ، اختار المؤلف والمخرج أن يسخر من أحاديث وشعارات الوحدة العربية على طريقته ، فاختار أن يكون البطل ( دريد ) سائقا يسافر بين بلدين يدعى أحدهما شرقستان والآخر غربستان ، ويشاء القدر ان يضيع جواز هذا المسافر أثناء مروره في المنطقة الفاصلة بين البلدين ، فلا يستطيع العودة من حيث أتي ولا الذهاب الى حيث نوى ، فيضطر أن يخيم في منطقة تتوسط المسافة وهناك تقع العديد من المفارقات ، التي قصد المؤلف من خلالها أن يقول أن ادعاء أننا أمة عربية واحدة ادعاء لا يسنده أي دليل ؛ ويبدو أن قصة فيلم الحدود ، في طريقها  أن تتكرر عندنا في السودان مع تعديل طفيف على اسمي الدولتين الافتراضيتين ، ليصبح شمالستان وجنوبستان .
          فمنذ أن تم توقيع اتفاق السلام الشامل في التاسع من يناير2005 م ، وكنت حينها ما أزال أعمل ملحقا اعلاميا في دولة الامارات ، ظل الكثيرين من الاخوة والزملاء الصحفيين ، يسألونني – بحكم ذلك التكليف – ما اذا كنت أري أن السودان سينفصل ، أم أنه سيبقى  بلدا واحدا بنهاية الفترة الانتقالية ، وكنت أتحاشى الاجابة المباشرة  باعتبار أن ذلك ما يزال في رحم الغيب ، لكني أعمد للتذكير والقول  بأن فرص الوحدة وخياراتها أكثر رجحانا من فرص الانفصال ، وكنت في ذلك أسس الحيثيات على ما أقره الشريكان من التزام في الاتفاقية باعطاء الأولوية لخيار الوحدة ، فضلا عن كون خيار الانفصال لا يبدو أنه الخيار المفضل لدى المجتمعين  الاقليمي والدولي .
      كنت ، وكان كثيرون غيري ، يعتقدون  أنه حتى لو تنامت روح الانفصال بين الجنوبيين ، بفعل التعبئة المضادة لما هو شمالي ، والتي استمرت عقودا من الزمن ، وحتى لو عملت مجموعات الضغط والمصالح في الولايات المتحدة الأمريكية لترجيح خيار الانفصال ، فان الحركة الشعبية ستجد نفسها في موقف غاية في الحرج ان هي تبنت خيار الانفصال أو عملت له ؛ فالحركة ، وفقا لهذا المنطق ، لن تستطيع مواجهة الضغوط من الداخل والخارج التي يمكن أن يمارسها عليها أعضاؤها وحلفاؤها وأصدقاؤها ، ولن تجد ازاءها مفرا الا  أن تعمل للوحدة  في الباطن كما تقول انها تعمل  لها في الظاهر .
     وكان هذا التقدير يقوم على خلفية  أن الحركة الشعبية يمكن أن تضع اعتبارا لعضويتها  ولحلفائها  من الشماليين ، الذين اجتمعوا معها تحت راية التجمع الوطني الديمقراطي ، وحاربوا معها نظام الانقاذ لخمسة عشر عاما لم يكونوا خلالها يهدفون لمساعدتها في فصل الجنوب ؛ وأنها يمكن أن تضع اعتبارا كذلك لدول من جوار السودان الاقليمي آوتها وناصرتها عددا من السنين أو عقودا من الزمن ، ربما لاطاحة النظام أو تفكيك قبضته على السلطة كما كانوا يقولون ولكن ليس لفصل الجنوب .
    وكنت أقول وأعتقد أن قيام دولة  جديدة في جنوب السودان ، يمكن أن يشكل مصدر ازعاج شديد لدى جارتين من جيران السودان ( القديم ) هما مصر وأثيوبيا – كل بأسبابه الخاصة -  وأن هاتين الدولتين ، بما لهما من علاقات مميزة مع الولايات المتحدة الأمريكية ، ستمارسان ضغوطا تكافئ ضغوط  مجموعات الضغط والمصالح التي تسعى لدعم الانفصال ، على الولايات المتحدة وعلى الحركة ، وأنه بذلك ستكون فرص الانفصال أقل بكثير من فرص الوحدة ؛ وكنت وكنت وكنت !!
     الآن ، وقد ثبت أن نتائج ما كنت أعتقده وأزعم أن  كثيرين غيري يعتقدونه ، ليست كما توقعناه ، فانه لا بد من اعادة قراءة تلك الحيثيات ، أو البحث عن حيثيات كانت أقوى أثرا ولم نضع نحن لها الاعتبار الذي تستحقه ، وقد يكون خطأ تلك القراءة هو  ما أطاح بتلك التوقعات وأفشل تلك السيناريوهات ؛ على أنه من المهم الاشارة الى أن هذه المراجعة والبحث ليست بغرض جر عقارب الساعة الى الوراء كما يقولون ، ولكن محاولة لفهم أعمق لدوافع الانفصال التي بدت لكثير من المراقبين أنها اجتاحت الجنوب فجأة !!
        ان الحيثيات التي تأسس عليها ذلك التقدير لم تكن خاطئة ، فليس هنالك من شك في أن الحركة الشعبية خذلت أنصارها وحلفاءها من أهل الشمال بتبنيها لخيار الانفصال ، ولم تضع لدورهم الأثر الذي كنا نعتقده ، وليس هنالك من شك في أن قيام دولة جديدة على منابع النيل يمكن أن تكون لها شبهة علاقة خاصة مع اسرائيل ، أمر يزعج مصر ويهدد أمنها القومي لا يقلل من ذلك وجود سفارة لاسرائيل في القاهرة ، وليس هنالك من شك في أن قيام دولة يمكن أن تكون فاشلة ومضطربة أمنيا على حدود يبلغ طولها أكثر من ستمائة كيلومتر مع اثيوبيا أمر يقلق هذه الدولة الجارة ؛ ومن المرجح أن كلا من مصر وأثيوبيا حاولتا بشكل مباشر أو غير مباشر اثناء قيادة الجنوب من تبني خيار الانفصال .
    لكن من الواضح أن هنالك دافعا أشد قوة وأكثر تأثيرا قلل من تأثير ما ذكرناه وما لم نذكره ، ورجح تبني خيار الانفصال ؛ وما دام الانفصال أصبح أمرا واقعا ، ما لم تحدث معجزة ، وأن قيام دولة جديدة في جنوب السودان أضحى مسألة وقت ليس الا ؛  فمن الضروري اعادة القراءة التي تحدثنا عنها ، لا بغرض البحث عن الوحدة بعد الانفصال ، ولكن بغرض التأسيس لجوار آمن يحقق الاستقرار للشعب في الدولتين .
      لست ممن يؤمنون بنظرية المؤامرة بشكل مطلق ، ويعلقون ما حدث ويحدث على مشجب الكيد والتآمر الآجنبي ، فالدور الأجنبي حاضر في ما حدث منذ أن قرر الاستعمار البريطاني في أربعينيات القرن الماضي فصل الجنوب عمليا والعمل بسياسة المناطق المقفولة ، ودور مجموعات الضغط والمصالح الأمريكية في جنوب السودان لم يكن مخفيا وروجر ونتر يعمل مستشارا رسميا لحكومة الجنوب ؛ والأثر الاسرائيلي في شد أطراف العالم العربي واضعاف دوله ثابت بما لا يختلف عليه عاقلان ؛ لكن هذا كله – بتقديري – لم يشكل العامل الحاسم في ترجيح خيارالانفصال الذي بات الآن وكأنه الحلم الذي تنتظر الغالبية من أهل الجنوب تحققه .
     ان تحقق حلم الاستقلال وحده ليس كافيا لقيام دولة ناجحة ، تضمن الأمن والاستقرار والرفاه لمواطنيها ، فها نحن في السودان ( القديم ) نعيش الذكرى الخامسة والخمسين لاعلان الاستقلال ، ولم يكد شعبنا ينعم بعد بالاستقرار والأمن ؛ ولا ينبغي أن تكرر الدولتان الجديدتان القائمتان على أنقاض السودان ( القديم ) الأخطاء وتجارب الفشل تلك . بل يتعين البحث في سبل ضمان استقرار  الدولة المحتملة في الجنوب وتعزيز فرص التواصل مع نظامها ومع شعبها ؛ ذلك أنه ما من شك في أن شعب دولة الجنوب القادمة ( جنوبستان ) بعد أن يفيق من نشوة الفرح ، سيجد أن أقرب جيرانه اليه هو  شعب ( شمالستان ) وبمنطق المصالح المشتركة ستجد الدولتان أنه لا غنى لاحداهما عن الأخرى ، فليس ثمة مصلحة لأي من الطرفين في زعزعة استقرار الآخر أو خلق بؤر للتوتر معه  . هذا اذا تجاوزنا الحديث عن وحدة الوجدان ووشائج القربى الأخرى التي يطول الحديث عنها .

العبيد أحمد مروح
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.