لصديقنا ( ع أ م ) قصة طريفة وحيدة ظل يمطرنا بها كل ما حاولنا الخروج على ضغوط العمل ، وفتحنا باب ( النكات ) والحكايات الطريفة ؛ ومن عجب أنه لم يشأ أن يضيف عليها أي تحسينات رغم سنوات علاقتنا التي تجاوزت ربع القرن من الزمان  ؛  وتحكي تلك القصة أن بائعا جائلا للمبيد الحشري المعروف ب ( الجمكسين ) ، أتى أهل قرية يروج لبضاعته وينادي فيهم أن هلموا للشراء لكي تتخلصوا من البعوض والحشرات التي تتكاثر في موسم الخريف  ؛ وأثناء سيره بحماره في طرقات القرية  خرج من أحد البيوت رجل أذاقه البعوض الأمرين وحرمه من النوم ، فناداه أن تعال وصف لي كيف أقضى على هذه الحشرة اللعينة  اذا ما اشتريت بضاعتك هذه ؛ فوقف الرجل وبعد أن استلم مبلغه ، أعطاه البضاعة وشرح له  كيفية عمل ( الوصفة ) ومواضع رش المبيد ، وطمأنه أنه اذا فعل ذلك فيمكنه أن يستلتقي ليلا على العنقريب  في الحوش ويمد لسانه هازئا بالبعوض والحشرات الطائرة .
      اشترى الرجل ( الجمكسين ) وأنجز الخلطة كما وصفت له ، وامعانا في  السخرية من البعوض ، قرر أن ينام تلك الليلة فعلا ، على عنقريب في الحوش ومن دون ناموسية ، ولم يكد يأوي الى فراشه حتى  تفاجأ بطنين البعوض يصك أذنيه وبلسعاته لا تترك له من جسده مكانا ؛ فبلغ به الغضب أيما مبلغ  وظل يترقب طلوع الشمس كي يبدأ مشوار البحث عن ذلك البائع المتجول ، ليسلمه الى قسم الشرطة ويروي لهم كيف  احتال عليه وباعه بضاعة مغشوشة ؛ وبالفعل أدركه صباحا وهو يروج لبضاعته ، فكال له من الشتائم ما كال وتوعده بفضح أمره .
     وقف الرجل منتظرا بجوار حماره ينتظر وصول صاحب الاحتجاج ، حتى وصله وهو يتميز من الغيظ ، مستنكرا ومتوعدا ؛ لكن الرجل بدا غير مكترث بما يقال وسأل المحتج عن دواعي احتجاجه ؛ فرد عليه  بغضب أنك بعتني مبيدا فاسدا ، وبعدما رأى علامات التعجب في وجهه أراد أن يشرح  له  فساد البضاعة فقال له : ( هذا الجمكسين لا يقتل البعوضة اللهم الا أن أقوم أنا بالامساك بها وكب السائل في فمها حتى تموت  ) فنظر اليه صاحبنا بتعجب وقال له : ( برضو طريقة ) وصارت مثلا !!
      تذكرت قصة صاحبنا هذه ، وأنا – مثل المئات غيري – أرسم في ذهني سيناريوهات الوحدة والانفصال ، وأرقب مواقف القوى السياسية المختلفة ، والبلاد تقترب رويدا رويدا من تقرير المصير لمواطني جنوب السودان ؛ ويكاد المتابعون للوقائع اليومية يجمعون على أن خيار الانفصال أصبح الآن راجحا ، خاصة بعد تنصل الحركة الشعبية عن مشروعها السياسي المسمى  ( السودان الجديد ) وتبنيها للانفصال عمليا .
      السيناريو الأكثر رجحانا الآن ، وكما أسلفنا ، هو أن من سجلوا للاستفتاء من شعب جنوب السودان سيشاركون بأكثر من نسبة ال 60% في التصويت القادم ، وسيحصل خيار الانفصال على الغالبية البسيطة  التي تفوق نسبة ال  50% بصوت واحد ، وهي النسب التي يشترطها قانون الاستفتاء في المادة (41) منه ، وبالتالي لن تكون مباراة الاستفتاء بحاجة الي اعادة ، في غضون شهرين ، كما في القانون أيضا ، وسيكون الانفصال وقتها قد استوفى مطلوباته شكلا ؛ ولأن الاستيفاء الشكلي – على أهميته القصوى – يحتاج لقبول ومباركة أطراف أخرى منها الشريك الآخر في الشمال ، المؤتمر الوطني ، ومنها المجتمع الدولي ، فان الحركة الشعبية بما بقي عند قيادتها من حكمة ، تدرك أهمية تحقيق الحد الأدنى من رضى هذه الأطراف ؛ وبناء على هذا السيناريو فستكون على استعداد لتقديم بعض التنازلات التي من شأنها أن تجعل الاستفتاء سلسا وسلميا .
     وقد تبلغ هذه التنازلات التي يمكن أن تقدمها الحركة  حد القبول بتأجيل الاقتراع نفسه ريثما يتم التراضي على حل وسط  بشأن منطقة أبيي ؛ فالحركة تدرك أنه يصعب عليها ترك أبيي وراءها ، وتدرك أيضا أن أطروحاتها الحالية بشأن أبيي لن يقبل بها أحد ، وأنها لو أصرت عليها فانها بذلك ستطلق سيناريو عودة الحرب من جديد  !!
    بمنطق السيناريوهات الأكثر رجحانا ، فان الانفصال واقع لامحالة ، سواء تأجل الاقتراع بشأنه أم لم يتأجل ، وسواء تم برضى الشمال أم أعلن من طرف واحد  ، وبالتالي فان فرص الوحدة – جاذبة كانت أم غير ذلك – تبدو متراجعة وضئيلة ، اللهم الا أن تحدث معجزة ، أو يحدث سيناريو يقلب حسابات المراقبين .
      هكذا تبدو لنا الصورة ونحن نتابع وقائع الأحداث يوما  بيوم ، فالقوى السياسية المختلفة استنفدت ما عندها من جهد ، وأصبحت تنتظر انتهاء أجل الفترة الانتقالية ؛ فالمؤتمر الوطني مشغول بأمر الوحدة حتى وان بدت فرصها ضئيلة أو معدومة ؛ والحركة الشعبية تتبنى الانفصال عمليا ، وتتحدث عنه باستحياء ؛ والقوى السياسية الأخرى في الشمال وفي الجنوب ، تكتفي بلعب دور المتفرج العاجز عن الفعل ، وبخاصة القوى السياسية الشمالية التي كانت تنضوي تحت لواء التجمع الوطني الديمقراطي ، بعد تعاملت معها الحركة الشعبية كما يتعامل المدخنون مع بقايا السجائر ، على حد تعليق أحد السياسيين (!!) والسؤال الذي يتبادر الي الذهن هو : هل عجز القوى السياسية عن احراز تقدم جوهرى باتجاه ترجيح خيار الوحدة أصبح قدرا ينبغي التسليم به ، أم أن هنالك فرصة ما لعمل ما (؟) وما هي الجهة التي يمكن أن تقوم بذلك العمل في حال كانت الاجابة بنعم (؟)
     من الاجابة بنعم ، تأتي هذه الفكرة ، والتي تستند في أساسها على موروث الشعب السوداني في حل أعقد القضايا عن طريق الجودية وتدخل ( الكبار ) ، وكبارنا الذين نرجو لجهدهم الافتراضي أن يتوحد ، ولجوديتهم أن تثمر ، هم قادة مجتمعنا من رجال ادارة أهلية ومشايخ طرق صوفية ، ورجال دين اسلامي ومسيحي ، ورجال سياسة وحكم سابقين ، بغض النظر عن رؤيتنا وتحفظاتنا – نحن السودانيين –   بمختلف مشاربنا السياسية والثقافية والفكرية ،  على  بعضنا وعلى  من حكمونا منذ الاستقلال ، وحتى يومنا هذا .
    تخيلوا معي أن  مائة رمز من رموز السودان ، ممن ليسوا طرفا مباشرا في صراع السياسة اليومي الذي يدور الآن ، مختارين بعناية ، يمثلون مختلف ألوان الطيف الاجتماعي والثقافي والديني ، ويختارون من  ولايات الشمال الخمسة عشر ، اجتمعوا ذات صباح  وأخذوا ما تيسر من متاعهم ، واستغلوا طائرة خاصة أخذتهم جميعا وتوجهت بهم  الى جوبا ، للاجتماع بقيادة الحركة الشعبية وبرموز المجتمع الجنوبي ، ثم عادت بهم الى الخرطوم للاجتماع بقيادة الدولة وبالمؤتمر ؛ على أن تكون مهمة هؤلاء الاجابة على سؤال واحد ، ما الذي يجعل الجنوبيين راغبين في الانفصال )؟( وكيفما تكون الاجابة ، فمن الممكن أن تكون ازالة الأسباب أمرا غير مستحيل ، وهو ما يمكن أن يتبلور في مقترحات يسعى بها هؤلاء بين طرفي الخلاف ، بدلا من أن يسعى بها الوسطاء الدوليون .
    قد يقول قائل أن هذا تبسيط مخل وتسطيح للاشكال القائم ، ونقول من يدري ، فربما كان في هذا يكمن الحل ، وتكون للحل طريقة أخرى .... ( برضو طريقة ) !!

العبيد أحمد مروح
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  )  نقلا عن صحيفة السوداني )