في مقالنا المنشور بهذه الصحيفة  قبل ثلاثة أسابيع (الثلاثاء 9\11\2010 ) قلنا ان بداية التسجيل لمواطني جنوب السودان للاشتراك في التصويت على تقرير مصيرهم ، سيوضح ما اذا كانت الحركة الشعبية عند مقتضى الالتزام بما جاء في دستورها التأسيسي ( المانفستو )  في طبعتيه الأولى والثانية ، وبما جاء في اتفاقية السلام الشامل التي وقعتها مع حكومة السودان ، لجهة التزامها بالدعوة للسودان الموحد ، أم أنها ستعلن موقفا منحازا لفصل أو (استقلال ) جنوب السودان ، كما أصبحت تشير بذلك أفعالها على الأرض  . وذهبنا للقول في نهاية ذلك المقال بأن الأفعال التي قامت وتقوم بها الحركة الشعبية ، تحمل على الاعتقاد أنها  تريد جنوبا (بدون ) جنوبيين ، كونها لا تكثرث لاحتمال أن يصبح ملايين الجنوبيين ( بدون ) هوية وطنية ، بعد أن يصبح الانفصال أمرا واقعا .
     وبعد أن شرعت عجلة التسجيل لحق تقرير المصير في الدوران ، أطلت علينا الحركة الشعبية عبر أقوال موثقة لقادتها وبعض منسوبيها ممن يكتبون في الصحف ، بمنطق جديد لم يسبقها عليه أحد في العالمين ، ولا أظن أن أحدا سيخلفها فيه ؛ يقول المنطق الجديد الموجه لأكثر من مليون مواطن جنوبي تنطبق عليه شروط الأهلية لممارسة حقه في تقرير مصيره : ( لا تفعل هذا ، نحن نفعله بالنيابة عنك ) ، هكذا ، وببساطة وجرأة شديدتين ، وعلى مرأى ومسمع من منظمات حقوق الانسان الوطنية والاقليمية والدولية  ، ومن عجب أن هذه المنظمات لم تدن ولم تشجب ولا حتى تحتج ، وهي ترى التهميش الجماعي يمارس في حق الملايين ممن دارت الحرب للأكثر من عشرين عاما ، وأزهقت ملايين الأرواح  بدعوى رفع التهميش عنهم !!
   الحركة الشعبية تتبنى منطقا معكوسا ؛ فهى تدعي أن المؤتمر الوطني يخطط لتزييف ارادة الجنوبيين في الشمال وفي الخارج لصالح  الوحدة ؛ وهي بدلا من أن تبني خطتها المناهضة لهذا الفعل ( الذميم )  بتكثيف الرقابة المحلية والاقليمية والدولية ، وتسليط الأضواء الاعلامية الكاشفة على أفعال المؤتمر الوطني المفترضة ، تلجأ الى هذا الخيار والمنطق العجيبين : ( اذا كنتم لا تستطيعون ترك مواقع اقامتكم في ولايات الشمال الخمسة عشر ، وفي مهاجركم في قارات العالم السبع وتأتوا للتسجيل في الجنوب ، ثم تعودوا الى حيث كنتم ، ثم تعودوا مرة أخرى للتصويت  وهكذا ... من باب حرصكم على ممارسة حقكم في تقرير مصيركم ، فلا تقلقوا ، نحن نعرف ماذا تريدون ، وسنقوم بالواجب بالنيابة عنكم ) !!
    لم أجد وصفا أقرب للدقة  للحالة التي نحن بصددها خلاف كلمة ( فضيحة ) لأن الأوصاف الأخرى المحتملة ، مثل ( فشل ) أو ( مؤامرة  )  لا تعبر عما نحن بصدده بما يكفي ، مع ان هذا  في حد ذاته ، لا يعطي المدلول المشبع للفعل الشائن الذي تم ارتكابه في حق الملايين من أبناء جنوب السودان ، وسط  أجواء من الصمت السياسي والحقوقي هي أقرب الى الذهول منه الى المؤامرة . فالدعاوى التي قامت عليها فكرة ( السودان الجديد ) التي كانت تتبناها الحركة الشعبية  ، والتي استقطبت بمقتضاها الدعم والسند من ما يسمى بالمجتمع الدولي ومنظمات حقوق الانسان ، تستند في  أحد أعمدتها على نبذ التهميش والمطالبة باعطاء المهمشين أفرادا كانوا أوجماعات كامل حقوقهم ؛ فكيف بمن يدعي حماية حقوق المهمشين ثم يقوم بتهميش الملايين بحرمانهم من ممارسة أحد أهم حقوقهم  الانسانية  وهو حق تقرير المصير ، وكيف   تصمت منظمات حماية حقوق الانسان هذا الصمت المريب ؟؟
     ولو  أن الحركة الشعبية اكتفت بمطالبة الجنوبيين خارج الجنوب بالبقاء في أماكنهم  ، وحرضت الجنوبيين المقيمين بالداخل  على ممارسة حقهم بالذهاب لمراكز التسجيل  ، لقلنا أن الأمر يمكن تفهمه ، لكن الحركة مارست كل أنواع ( الارهاب ) المباشر والمعنوي وكافة أشكال الضغوط لاثناء الجنوبيين بالخارج  والداخل عن التسجيل ،  بما في ذلك  التهديد بالقتل لمن يحرضون الناس على ممارسة حقهم في أن يكونوا جزءا من تقرير مصيرهم ، كما حدث في يوغندا  ، وكما يحدث عندنا في ولايات الشمال ، حتى أصبح الحصول على تصريح صحفي من قيادي جنوبي يدعو للتسجيل في الشمال أمر يصعب الظفر به ، لأنه في أحسن الأحوال سيتهم بالخيانة !!
 بمنطق اتفاقية السلام الشامل في 2005  فان عدد سكان الجنوب يساوي  نحو 28% من العدد الكلي لسكان السودان ، وعلى هذا الافتراض النظري قام منطق قسمة السلطة على المستوى الاتحادي ،  في البرلمان وفي الجهاز التنفيذي وفي الخدمة المدنية ؛  وبمنطق التعداد السكاني الذي جرى في العام 2008 فان عدد سكان الجنوب يساوي ( 22 % ) من سكان السودان ، وتحديدا ( 8260490 ) ، وهو التعداد الذي أثارت نتائجه أزمة بين شريكي الحكم  استعصت على الحل زمنا طويلا ، وانتهت الى تسوية سياسية أعطت بموجبها رئاسة الجمهورية دوائر جغرافية اضافية للجنوب ، وتعهدت ألا  يتأثر نصيب الحركة من السلطة بنتائج ذلك التعداد حتى نهاية الفترة الانتقالية .
    وحين أتينا على الانتخابات في مطلع 2010 ، قدمت الحركة الشعبية نموذجا أشبه بالرد غير المباشر على ( مغالطات ) عدد سكان الجنوب ، وقالت ان الذين  سجلوا  للمشاركة في تلك الانتخابات وبالتالي  يحق لهم التصويت بلغ أكثر من أربعة ملايين (4680640 ) ، وهو بذلك  فاق الأعداد السابقة حيث كانت نتائج الاحصاء تقدر أن عدد من يحق لهم التسجيل للانتخابات في الجنوب سيبلغ أربعة ملايين ومائتين وثلاثة عشر ألفا ، ومن المعروف أن نسبة التسجيل في أعلى معدلاتها لا تتجاوز الخمسة وثمانين في المائة ، لكن الحركة الشعبية  ( نجحت ) في اثبات أن نسبة التسجيل للانتخابات فاقت المائة بالمائة ، وبموجب ذلك السجل اكتسحت الحركة الشعبية نتائج الانتخابات في الجنوب !!
     ولأن معيار المشاركة في الانتخابات هو ذاته معيار المشاركة في الاستفتاء ، فقد أصبح  المطلوب من الحركة الشعبية ، أن تسجل للاستفتاء ، في الجنوب وحده هذه الملايين الأربعة ، ويمكنها بالطبع أن تحذف عدد الشماليين الذين شاركوا في الانتخابات ، وأن تضيف عدد من بلغت أعمارهم السن القانونية للمشاركة ، وعدد الجنوبيين الذين تمكنوا من السفر للجنوب من خارج السودان ومن داخله ، بحيث لن يقل العدد في كل الأحوال – بمنطق وتقديرات الحركة – عن الخمسة ملايين .
   ان اجراء الحساب بهذه الكيفية وهذا  المنطق ، هو ما سيفضح نوايا ومخططات الحركة الشعبية ، ذلك أنه وحتى يوم أمس الأول فان عدد الجنوبيين الذين سجلوا لممارسة حقهم في تقرير المصير في الجنوب والشمال وخارج السودان ، لم يتجاوز المليون ونصف المليون ، ويكاد يجمع المتابعون لسير عمليات الاستفتاء على أن العدد الكلي لمن سيسجلون ، حتى بعد تمديد فترة التسجيل اسبوعا اضافيا ، لن يتجاوز المليون وستمائة ألف  في أحسن الأحوال ؛ وليس معروفا بعد ما اذا كان هؤلاء يصوتون بالفعل ، لكن دعونا نفترض أن جميعهم صوت وجميعهم منح صوته لخيار الانفصال ، حينها ستتمكن الحركة الشعبية أن تقرر مصير أكثر من ثمانية ملايين جنوبي بنحو ( 19 % ) من عدد السكان ، وأن تصادر حق نحو ثلاثة ملايين جنوبي يحق لهم المشاركة في الاستفتاء ، لأن هنالك من قام أو سيقوم بالواجب انابة عنهم ؛ انه منطق تطبيق فرض الكفاية على مذهب الحركة الشعبية !!

العبيد أحمد مروح
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

)  نقلا عن صحيفة السوداني )