بدأت أول من أمس الأحد ، وبشكل رسمي الاجراءات العملية الخاصة باستفتاء جنوب السودان ، حيث أعلنت المفوضية المعنية السماح للقوى السياسية المختلفة بالشروع في أنشطة الدعاية والدعوة السلمية لأحد خياري الاستفتاء ؛ ومع هذه البداية سيتبين – حتى ولو بشكل عملي – ما اذا كانت الحركة الشعبية ما تزال متمسكة ببقية اسمها ( تحرير السودان ) أم أنها قررت الاكتفاء والانكفاء على ( جنوب السودان ) والدعوة ( لاستقلاله ) ، باعتبار أن ذلك هو ما بقي لها من ( الانجازات ) التي ستقدمها لشعب جنوب السودان خلال الفترة الانتقالية !!
     كل الدلائل حتى الآن ، تشير الى أن الحركة الشعبية ستمضى باتجاه دعم ما تعتبره انجازا تاريخيا لشعب الجنوب ، وستحرض المواطنين ، ان لم نقل ترهبهم معنويا ،  للتصويت لصالح خيار ( الاستقلال ) ؛ فعدم اعلان الموقف الرسمي هو نفسه موقف ؛ وتعطيل اجتماعات مجلس التحرير يصب في هذا الموقف الرسمي غير المعلن ؛ وعلى أية حال فان موضوع ترهيب المواطنين الجنوبيين معنويا باطلاق وصف ( الخونة ) على دعاة الوحدة ، وترهيبهم ماديا بتقييد تحركاتهم ، ليس هو محل بحثنا اليوم ، ذلك أن أي سلوك لا ينسجم وضمان حق المواطنين الجنوبيين في الاختيار بحرية ، سيكون مكان الاعتراض عليه هو مفوضية استفتاء جنوب السودان ، فهي المعنية بضمان تطبيق القانون نصا وروحا ، وعلى الذين يعتقدون أن طرفا ما خرق القانون أن يتقدموا بشكاواهم للمفوضية ، وللرأي العام ان شاءوا !!
        ونعود للتذكير بأنه من المعلوم من السياسة بالضرورة ، أن أي اتفاق سلام بين طرفين متحاربين ليس من طبيعته الاستجابة الكاملة لأجندة وأطروحات أي طرف من أطراف النزاع ، خاصة اذا لم يكن الاتفاق نفسه جاء نتيجة هزيمة عسكرية مذلة لأحد الطرفين وأصبح بوسع الطرف المنتصر فرض شروطه كاملة ؛ والحال هكذا فمن الطبيعي أن تأتي اتفاقية السلام الشامل  مستجيبة لأطروحات الطرفين ومستقرة عند منطقة وسطى ، والمنطقة الوسطى هذه هي ماتم بموجبها تعريف نوع الوحدة التي اتفق عليها الطرفان .
         أطروحة الحركة الشعبية بشأن الوحدة كانت تتحدث عن نظام حكم  علماني للسودان  من أقصاه الى أدناه ، والمؤتمر الوطني كانت أطروحته نظام حكم اسلامي للسودان كله ، والمنطقة الوسطى التي وصلها الطرفان بعد أن ابتعد كلا منهما عن منطقة مشروعه القديم ، هي نظام حكم اسلامي في شمال السودان وآخر علماني في الجنوب ؛ ومفوضية تضمن حقوق غير المسلمين في العاصمة القومية وقيام دستور جديد يؤسس الحقوق كلها على المواطنة وليس على أي أساس آخر ؛ وهذا مل وقع عليه الطرفان ، والتزما بوجبه أن يلزما جانب الوحدة ، فكيف تسمح الحركة الشعبية لنفسها ، بعد مضي خمس سنوات ، بتقديم تفسير جديد للوحدة الجاذبة يخالف ما تم الاتفاق عليه ، وتضع القبول  بذلك التفسير شرطا لتبنيها خيار الوحدة ؟؟
      ولست أدري ما اذا كان ( فشل ) تطبيقات الوحدة الجاذبة وحده كفيل بالغاء فكرتها من الأساس ، والا فكيف ستفسر لنا الحركة قرارها بالتخلي عن  مشروعها السياسي الذي تضمنه دستورها في نسختية الأصلية والمعدلة ، والذي جندت له مئات الآلاف من مختلف أنحاء السودان حيث  ناصر هؤلاء  الدعوة  لاقامة دولة ( السودان الجديد ) بينما هم اليوم ؛ ما لم تحدث معجزة ، يواجهون احتمال قيام دولة قد لا تكون كلمة ( السودان ) أو كلمة ( الجديد ) كليهما ، أحد مكونات اسمها !!
      ان  الحديث المتواتر لقيادات الحركة الشعبية عن فشل مشروع الوحدة الجاذبة خلال الفترة الانتقالية ، وعن تزايد نسبة المواطنين الجنوبيين الذين سيصوتون لخيار الانفصال ، وكأن قيادة الحركة تريد ( التبشير ) باكتساح خيار الانفصال أو رجحانه ، والغبار الكثيف الذي تثيره الحركة حول أجل الاستفتاء وقضايا ما بعده ، مع معرفة هؤلاء القادة  أكثر من غيرهم أن هذه القضايا  بطبيعتها قضايا لا تحتمل المزايدات السياسية ، كونها  تتصل بمصائر الناس ومستقبلهم الخاص ، كالمواطنة وما يتفرع منها كالجنسية  والاقامة والتملك التنقل ، وكموضوعات الخلاف بشأن تطبيق بروتوكول منطقة أبيي وغيرها ؛ ذاك الحديث والغبار يثيرات جملة من علامات الاستفهام والتعجب التي تحتاج الي تفسير ؛ والتفسير الأرجح عندي لمحاولات اثارة الغبار الكثيف حول أجل الاستفتاء وموضوعات ما بعده ، هو أن قيادة الحركة الشعبية تريد أن تغطي على خيبتها الوطنية وتنصلها عن مسئوليتها السياسية والأخلاقية تجاه عضويتها والمتعاطفين معها !!
      لقد ثبت الآن أن المقولات  السياسية للحركة الشعبية أصبحت محل نظر ومراجعة ، وأن  مشروع ( السودان الجديد ) هو نفسه أصبح قديما ، وما من شك في أن هذا نفسه يرتب على قيادة الحركة مسئوليات جديدة ، سياسية وأخلاقية ، على الأقل تجاه عدد كبير من أبناء السودان ( القديم جدا ) في الشمال والجنوب ؛ فالحركة يلزمها الآن الاعتذار للشماليين الذين ( غررت ) بهم  ، أو تلاعبت على مشاعرهم وطموحاتهم ، ويلزمها بنفس القدر -  بل ربما بأكثر – الاعتذار لأسر ومناصري الجنوبيين الانفصاليين من لدن صمويل قاي توت ووليم عبد الله شول ، الذين قاتلتهم لأول عهدها وقتلت منهم الآلاف  متذرعة بأنها حركة ثورية وحدوية !!
  قد يقول قائل ان الحركة تطرح حلا لمشكلة هؤلاء بتبنيها خيار الجنسية المزدوجة ، لكن الذي لا يدركه هؤلاء أن الحركة في حقيقة الأمر تريد جنوبا بلا جنوبيين ؛ والدليل على ذلك أنها كانت  - أيام مناقشة قانون الاستفتاء - ترفض مشاركة الجنوبيين غير المقيمين في الجنوب في التصويت لأحد خياري تقرير المصير ؛ والحركة تعرف أكثر من غيرها أن نحو نصف سكان الجنوب لا يقيمون فيه ؛ وبالتالي فان محاولاتها ( لضمان ) أن يحصل جنوبيو الشمال والمهجر على جنسية الدولة التي ( قرروا ) الانفصال عنها ، لا تعني سوى أنها تريد الجنوبيين أن يصبحو ( بدون ) جنسية ، وبالتالي بدون حقوق كاملة !!
     أما الشماليين ممن سبق وانتسبوا للحركة ، والذين صدقوا مقولة ( السودان الجديد )  فمن الواضح أن النتائج التي سيحصدونها  عقب الاستفتاء ستكون مخيبة للآمال ؛ اذ ستختار الحركة الشعبية بملء ارادتها أن ( تستقل ) بدولة خاصة بها في الجنوب ، وستترك لهؤلاء خيارين أحلاهما مر : اما أن تدعهم وشأنهم في الشمال يقيموا حزبا للمهمشين ويبدأوا مسيرة النضال من الصفر ، ( محتسبين ) ما مضى من وقت وعمر وجهد ؛ أو أن يختاروا طريق الحلول الفردية بالهجرة الي البلاد التي سبق وأن منحتهم جوازات سفرها في الغرب أو الشرق ؛ أما خيار أن  يكونوا مواطنين في دولة الجنوب وبالتالي أجانب في دولة الشمال فهو خيار يبدو من الصعب على الحركة الوفاء به حتى وان كان لبعض هؤلاء أبناء من أمهات جنوبيات .


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نقلا عن صحيفة ( السوداني )