بسم الله الرحمن الرحيم

     اذا ساقتك خطاك ، أو خطى السيارة التي تقلك ، الى مطار الخرطوم ، فسيتبادر الى ذهنك  أن جميع أهل  السودان ومن يقيمون فيه ، قد حزموا أمتعتهم وقرروا مغادرة البلد جوا ؛ فصالات المغادرة تمتليء بشكل يومي ، وفي جميع المواسم بالمسافرين ، وساحات المطار تمتليء بالمودعين ، ومدارج المطار تمتليء ليلا ونهارا بمختلف الطائرات التي تمثل خطوط الطيران العالمية  التي تأخذ مسافرين  من الخرطوم ، وتعيد آخرين اليها ، حتى بلغ عدد الرحلات الدولية من مطار الخرطوم أكثر من مائة وخمسين رحلة دولية في الاسبوع الواحد .
    وهكذا فقد أضحى الواقع العملي يؤكد أن السفر بالطائرات لم يعد ترفا أو أمرا لا يستطيعه الا الميسورين ؛ بل لعله أصبح ضرورة حياة ، تتصل بالتعليم وبالعلاج وبالتجارة وبالسياحة وبغيرها من مشاغل الحياة التي يكابد الناس للوفاء بالتزاماتها ، والتي لا تطوي مواقيتها وبعدها الا وسائل النقل الجوي .
   والحال هكذا ، فقد أضحى  من أولويات الصرف على التنمية في مختلف الدول أن تقيم وتجهز بنياتها الأساسية من مطارات ومعابر برية وبحرية ، بحيث تيسر على مواطنيها ، وعلى أصحاب الحاجات فيها من رعايا الدول الأخرى ، سهولة الحركة والتنقل ويسر الاقامة وقضاء الحاجات ؛ فضلا عن كون حركة المسافرين في حد ذاتها أصبحت أحد أوجه الاقتصاد الجديدة ، ومصادر جلب العملات الحرة ؛ فالدول تجتهد في أن تجذب اليها المستثمرين و سياح الخدمات من طالبي  الفرص الأفضل في العلاج والتعليم ، ومن سياح الثقافة الآثار والطبيعة والتسوق ، وتسعى أن تجعل جميع السبل أمامهم ممهدة ؛ وفي ذات الوقت تجتهد في أن تجعل حركة مواطنيها الي خارجها مقصورة في حد أدني من الضروريات كون ذلك ، بلا خلاف ، يؤثر على مواردها واحتياطياتها من العملات الحرة .
      ولو كان لكثرة سفر السودانيين الي الخارج من فائدة غير مباشرة ، فهي كونه أتاح أمامهم فرصا أوسع لعقد المقارنات بين ما تفعله دولتهم بالمسافرين ، وما تفعله دول  أخرى في الشرق وفي الغرب من حيث تيسيرها أو تعسيرها للسفر ، ولعله من المفيد أن نعقد هنا بعض المقارنات بأشياء تبدو صغيرة ، لكنها في حقيقتها بالغة التأثير على المسافر ومزاجه العام .
       اذا كنت سودانيا ، وتريد أن تغادر السودان ولو مؤقتا لتشارك في حضور مؤتمر بالخارج  مثلا ، أو تبحث عن أي غرض من الأغراض التي سبقت اليها الاشارة ، كالتجارة والسياحة والعلاج والتعليم وغيرها فانه يتعين عليك أن تحصل مسبقا على  ( تأشيرة خروج ) ، ومن المؤكد أن ذلك سيكلفك مالا ووقتا لا يستهان بهما ، مع ان هذه  ( الخدمة ) أضحت من العادات التي عفا عليها الزمن في كثير من بلاد الله حولنا ، ففي تلك البلاد يمكنك أن تنجز كل اجراءات سفرك ، بما في ذلك التذكرة ، من المطار ويكفي أن تعرض جواز سفرك  على موظفي الهجرة في المنفذ البري أو البحري أو الجوي الذي اخترته ، فيقوم الموظف – الذي غالبا ما يكون من الشرطة –  بادخال معلومات الجواز على جهاز الكمبيوتر أمامه أو يقوم بتصويره على ماسحة ضوئية ثم يمنحك التأشيرة ، أو يحيلك الى قسم آخر في ذات المكان اذا ما كنت من المطلوبين للشرطة أو من المشتبهين لديها .
    والحصول على تأشيرة الخروج ، ثم فحص جوازك مرة أخرى في المطار ، ليس هو الأمر الوحيد الذي يقابلك وأنت تغادر السودان ، سواء أكنت من مواطنيه أو من ضيوفه ، بل يتعين عليك أيضا وقبل أن تشرع في اجراءات وزن العفش أو مقابلة موظفي شركة الطيران التي تقلك للحصول على تذكرة الصعود للطائرة ، أن تذهب لمقابلة أحد موظفي هيئة الطيران المدني السودانية لتدفع ( رسوم المغادرة ) ، والكيفية التي تدفع بها رسوم المغادرة عندنا لا يكاد يوجد لها مثيل في من حولنا من البلدان ، ففي  البلدان التي يدفع فيها المسافرون رسوما للمغادرة ، تضاف تلك الرسوم الي قيمة التذكرة وتتحصل عليها هيئات الطيران المدني لاحقا ، من وكالات السفر أو من شركات الطيران بطريقة معروفة ومتفق عليها .
      قيمة رسوم تأشيرة الخروج ، زائدا قيمة رسوم المغادرة تساوي في متوسطها نحوا من خمسين دولارا ، فاذا  جمعنا حاصل ضرب هذه الخمسين دولارا  في عدد الرحلات الأسبوعية ( أكثر من مائة وخمسين رحلة )  وضربنا الجملة  في متوسط عدد الركاب في كل رحلة فسنكتشف أن هنالك مبالغ لا يستهان بها تدخل على خزينة الدولة ومؤسساتها من تلقاء رسوم تأشيرة الخروج ورسوم المغادرة  وبمعدل اسبوعي ، وقد يفسر لنا ذلك لماذا ظل هذا الفعل مستمرا على الرغم مما يسببه من معاناة للعامة .
   ولأننا ، بحمد الله ، لسنا من أهل الحسد أو ( البغر ) كما يقولون ، فاننا هنا لا نطالب بالغاء هذه الرسوم ، ولسنا حتى بصدد اثارة ما اذا كانت متسقة مع الحقوق الدستورية أم لا ، فذلك شأن يلي ممثلي الشعب ونوابه في البرلمان ؛  لكننا نطالب بتحصيلها بأيسر وسيلة ممكنة ، كما تفعل أغلب بلاد الله ، ومن المؤكد أن الدولة ان فعلت ذلك فستوفر على الناس جهدا هم في حاجة لتوظيفه بشكل أنفع ، وستوفر هي أيضا أموالا تصرفها  على موظفين كلفوا خصيصا بهذا الغرض وكلفوا خزينتها أموالا معتبرة ، وستجد فرصة للاستفادة منهم في مواقع أخرى أكثر جدوى لزيادة الانتاج أو تقديم الخدمات .
     ولعل شريحة أخرى من مواطنينا ذات أهمية خاصة ، يقشعر جلد أصحابها عند الحديث عن تأشيرة الخروج ألا وهي شريحة المقيمين بالخارج من حملة الجوازات السودانية ؛ فتأشيرة الخروج بالنسبة لهؤلاء مرتبطة بسداد الضريبة أو المساهمة  الوطنية ، والأهم من ذلك أن هذه ( الخدمة ) ممركزة ، فسواء أكنت في دنقلا أو جوبا أو نيالا أو حتى بورتسودان ، يتعين عليك أن تبرز جوازك وايصالاتك  بمباني جهاز تنظيم شئون السودانيين العاملين بالخارج الكائن بالخرطوم لكي تحصل على تأشيرة الخروج ، ولعل ذلك هو أحد الأسباب التي تجعل الكثير من السودانيين يفضلون زيارة بلدهم بجوازات سفرهم الأجنبية حين يأتون لقضاء اجازاتهم بين الأهل ، وأحيانا تجعل آخرين ممن يتمسكون بجوازهم السوداني أو ممن لم يجدوا له بديلا ، تجدهم يمتنعون كليا عن الزيارة لأنهم عجزوا عن تسديد الضريبة !!
     وغني عن القول أنه لا أحد يعترض على دفع الضريبة أو المساهمة الوطنية ، أو حتى الرسوم التي تفرضها الدولة ومؤسساتها ، لكن الدولة السودانية بحاجة الى الأخذ في الاعتبار بشيئين وهي تقدم على هذا الفعل  ، الأول أن يكون هذا الفعل مسنودا بقانون وأن يحس دافع الضريبة أو الرسم ويقتنع أن ما دفعه  يعود عليه بمنفعة ما ، مباشرة أو غير مباشرة ، وثانيهما  أن يكون اسلوب التحصيل متسقا مع الأساليب العصرية في أداء المؤسسات التي تتبع أسلوب الجودة الشاملة بحيث يتم ذلك بأقل تكلفة من الزمن والجهد ، ولا أقول أن تكون الخدمة كلها متاحة على الانترنت حتى نتجنب طوابير وصفوف طالبي الخدمة كيفما كانت .
     ان تسهيل خدمة الحركة والسفر والاقامة ، لم تعد مجرد استحقاقات دستورية يطالب بها مواطنو ورعايا البلدان المختلفة ، وانما أصبحت أيضا ( صناعة ) وحرفة تتنافس الدول في تقديمها ، لتقنع بها مواطنيها ولتجذب اليها رؤوس الأموال المستثمرة التي تبحث عن فرص أفضل للربح وعن ملاذات آمنة  وخدمات ميسرة ، ولعله في سبيل ذلك  تذهب بعض الدول لسن تشريعات جديدة والغاء أخرى قديمة من أجل خلق البيئة الملائمة لجذب رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية .
       ولأن المطارات هي واجهات البلدان التي تستقبل من خلالها الناس ، والعنوان الذي يكفي الزائر النظر من خلاله ليتشكل عنده الانطباع الأول والأخير عن بلد ما ، فانه لا مناص من أن تكون مطاراتنا هي محل مراقبة ومتابعة دائمين من المعنيين في الدولة ، حتى نعطي مواطنينا الاحترام الذي يستحقونه ، وحتى نضع أنفسنا أمام تحدي المنافسة المحتدمة ، ونوظف ميزاتنا النوعية أفضل توظيف ، وحتى نصبح مستحقين بحق للعنوان الذي نضعه على واجهة مينائنا الجوي الرئيسي ( مطار الخرطوم الدولي ) .
    في المطارات الدولية مثلا ، تتمكن شركات الطيران من استغلال صالات ومواقع خاصة بها لتقدم من خلالها الخدمة لركاب الدرجتين الأولى ورجال الأعمال ، وهذا ما نفتقده في مطار الخرطوم ، وفي المطارات الدولية يسلك  الركاب العابرون ( الترانزيت ) مسارات منفصلة قبل الوصول الى صالات مراقبة الجوازات ؛ لكننا في مطار الخرطوم لا نولي أهمية تذكر لخدمة هذه الشريحة من الركاب ، ونفقد بذلك أحد أهم الميزات التي حبانا بها الله ، وهي موقع السودان الجغرافي .
    لست متخصصا في صناعة الطيران ، ولا أدعي أن هذه هي كل عيوبنا ، كما لا أود التشنيع بحال مؤسساتنا الوطنية  ، لكنني ممن يعتقد أن الحال في بعض المرافق لن ينصلح ما لم يصبح قضية رأي عام  نلفت النظر اليها ونحث المعنيين على التعامل معها بالقدر الذي تستحقه من اهتمام .

    العبيد أحمد مروح
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.