ربما لشدة اهتمامها بالشأن السوداني ، اختارت ما لا يقل عن أربعة عشر دولة أومنظمة دولية واقليمية أن لا تكتفي بوجودها الدبلوماسي العادي في السودان ، وأن تجعل لها  مع ذلك مبعوثا خاصا ، غالبا ما يكون رئاسيا ، لمتابعة تطورات الملفات السودانية المتشعبة والمتداخلة ، والتي أصبحت تتصل باهتمامات الكثير   من هذه الأطراف ؛ ففضلا عن الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن ( الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا  ) اختارت دول أخرى تكليف مبعوثين من قبلها لمتابعة تطورات الأوضاع في السودان عن كثب ؛ فقد فعلت ذلك جنوب افريقيا والسنغال والسويد والنرويج والنمسا ؛ كما فعلته منظمات دولية واقليمية كالأمم المتحدة والاتحادين الأفريقي والأوروبي .
              وبطبيعة الحال ، فان أدوار هؤلاء المبعوثين تختلف من حيث قدرتها على التأثير المباشر وغير المباشر على  سير الأحداث في السودان ، وتحديدا لجهة ملفي الجنوب ودار فور ، تبعا للثقل الدولي أو الاقليمي للطرف الذي قرر ارسال ذلك المبعوث ، اذ بالقدر الذي يشير فيه وجود مبعوث خاص الي قدر أكبر من الاهتمام يوليه هذا الطرف أو تلك الدولة بالأوضاع في السودان فان ضعف أدوات التأثير والحل ووسائله لدى كثير من تلك الدول ، لا يترك لها الا هامشا محدودا من التحرك .
     في هذه المقالة ، سنحاول استعراض أدوار ثلاثة أطراف نعتقد أنها الأكثر تأثيرا على مجريات الأحداث في السودان ، ولسيرة مبعوثيها أو ممثليها ، وما اذا كانت الأدوار التي ظل يلعبها هؤلاء المبعوثون تتناغم مع بعضها أم تتنافر وتتقاطع في بعض الأحيان ؛ كما سننظر في مدى تأثير ذلك التناغم أو التنافر على تطاول أمد ( الأزمة ) أو سرعة الوصول الي حلول لها ؛ وفي هذا السياق ، لعلنا لا نختلف كثيرا  على  أن الولايات المتحدة الأمريكية ، والأمم المتحدة ، والاتحاد الأفريقي ، هي الأطراف الأكثر تأثيرا في تطورات الأحداث الخاصة بالوضع في جنوب السودان ، سواء لجهة التعاطي مع ملف  اتفاق السلام الشامل الموقع في يناير 2005 م ، أو مع تطورات الوضع في دارفور ، منذ اندلاع الأزمة في الاقليم وتوجه أنظار العالم نحوها ، في 2003 م وحتى يومنا هذا .
     وما من شك كذلك ، في أن الدور الأمريكي ، عبر المبعوثين المتعاقبين أو عبر آليات أخرى ظل صاحب أثر متعد ، كونه يؤثر في أدوار الآخرين ، وهو دور أخذ يتعاطى مع الشأن السوداني من بعد مقاطعة  على خلفية حالة العداء الممتدة ، والتي كانت قائمة بين ادارة الرئيس بيل كلنتون وحكومة السودان ، حيث وصلت تلك القطيعة حد توجيه ضربة عسكرية أمريكية استهدفت مصنعا للأدوية البشرية والبيطرية  في  العاصمة الصناعية السودانية هو مصنع الشفاء ، في العشرين من أغسطس 1998 م .
      لكن الولايات المتحدة أعادت تقييم استراتيجيتها تجاه السودان ، ونصح الخبراء الأمريكيون من معهد الدراسات الاستراتيجية ، في أواخر عهد الرئيس كلنتون ، باتباع سياسة ( التفاعل الايجابي ) مع الحكومة السودانية ، وهو ما أخذت به الادارة الجمهورية في عهد الرئيس السابق جورج بوش منذ دورتها الأولى ، واختار الرئيس بوش القس جون دانفورث مبعوثا خاصا له للسودان في العام 2002 م  .
          وبحسب مصادر صحفية متطابقة ، قدم جون دانفورث  في 26 أبريل 2002 م ، تقريره الشهير عن الأزمة في السودان إلى الرئيس جورج بوش ، وخلص التقرير – بحسب تلك المصادر  - إلى القول "إنه يتعذر على أي طرف أن يكسب الحرب" في جنوب السودان ، وإنه لا مناص من مسعى دولي لتحقيق تسوية لهذا الصراع . وأكد دانفورث في تقريره أن للولايات المتحدة مصالح إستراتيجية واقتصادية حيوية في السودان بما يتطلب وقف الحرب ، زاعما أن ما يتم فيها هو إبادة للمسيحيين في الجنوب. ولكنه أكد أيضا أن تقسيم السودان بفصل الجنوب حل غير واقعي لمشكلة الحرب الأهلية ، وأنه لن يقود إلى سلام ، ومن الأفضل توافر آليات لضمان الحقوق السياسية والدينية والمدنية في إطار دولة موحدة ؛ وأبدى دانفورث كذلك وجهة نظره فيما أسماه القضايا الجوهرية ، وهي البترول وتقرير المصير وقضية الدين والحكومة ونظام الحكم !!
       وقد اعتبر المبعوث الأميركي أن اكتشاف البترول في السودان وتوظيف عائداته أثرا على الحرب في الجنوب ، ولذلك فإن أي حل لموضوع الحرب ينبغي أن يتناول قضية البترول والتوزيع العادل لهذه الثروة . وفي موضوع تقرير المصير اعتبر دانفورث أن سكان الجنوب ظلوا يعانون من سوء المعاملة من الحكومات المتعاقبة في الشمال ، بما في ذلك  "التمييز العنصري وعدم التسامح الديني والحرمان من الموارد القومية "، ورغم ذلك رأى أن الأجدى للجنوبيين هو أن يظل السودان موحدا "مع التأكيد على إزالة هذه المظالم بضمانات دولية". وحول موضوع الدين يقول دانفورث إن ضمانات الحرية الدينية يجب أن تكون داخلية وخارجية ، فالداخلية  تتحقق - حسب قوله - بوجود عدالة في ممارسة الحرية الدينية "والتي ربما لا تكون واقعية في المدى القصير"، أما الخارجية فتعني الرقابة الدولية لحرية الأديان "على نظام العصا والجزرة" لفرض الحقوق الدينية ؛ ووفقا لهذه الرؤية انخرط دانفورث – برضا الادارة الأمريكية – في الضغط على طرفي النزاع في السودان ، للجلوس على مائدة التفاوض للوصول الى حل ؛ فكانت مشاكوس في يوليو 2002 م وكانت نيفاشا في يناير 2005 م !!
    وبسبب الشد والجذب بين مؤسسات صنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية ( الكونغرس ، البيت الأبيض ، الخارجية ، المخابرات المركزية ) ذهب دانفورث بعد ذلك مستقيلا ، دون أن يكمل مهمته ، وتولى مهامه – دون أن يسمى مبعوثا رئاسيا – روبرت زوليك ، وساهم بقدر فاعل في جولات التفاوض التي أنتجت اتفاقية سلام أبوجا مع حركات دارفور ( كانت وقتها حركتان ) لكن زوليك هو الآخر لم يعمر طويلا في مهمته  بفعل ضغوط من الكونغرس الذي كانت مجموعات الضغط داخله ترفض أي ضغط على رافضي اتفاق أبوجا ، وترفض تطبيع العلاقة مع حكومة السودان ؛ وجاء أندرو ناتسيوس ( 2006 – 2007 ) ولم تشفع له هو الآخر خبرته الطويلة في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وصلاته السابقة بالسودان ، ولقيت جهوده نفس المصير الذي لقيته أيضا جهود خلفه ريتشارد وليمسون القادم من صفوف جماعات الضغط نفسها ، حيث كان أحد القانونيين في تحالف ( أنقذوا دارفور ) فقد قطعت مهمته وهو يهم بالتوقيع على اتفاق تطبيع العلاقات الدبلوماسية والسياسية بين الخرطوم وواشنطن بعد جولات تفاوض شهدت العاصمة الايطالية روما واحدة من أهمها !!
     نقول ذلك ، للتذكير بأن مهمة الجنرال غريشن ، كانت محفوفة بالفشل حتى قبل أن يبدأها ، على الرغم من أن صيته في مراقبة فرض الحظر الجوي على شمال العراق ، كضابط طيار ، قد سبقه على خلفية بعض المطالبات بفرض حظر للطيران في دارفور ، وعلى الرغم من كونه من أوائل العسكريين الذين عارضوا الحرب على العراق وساندوا حملة الرئيس أوباما حتى حين كانت حظوظه في الفوزضئيلة داخل الحزب الديمقراطي ؛ وذلك على خلفية تداخل وتعدد أطراف الأزمة السودانية ، واختلاط ملفاتها ، وعلى خلفية الموقف المتصلب للكونغرس ودخول أطراف أخرى ذات وزن وأثر دولي واقليمي على خط القضية .
     جاء غريشن ، وقد أمسكت دولة قطر بملف دارفور على خلفية رئاستها للجنة الجامعة العربية المكلفة بملف السودان ، وفي أعقاب دمج الوساطة الأممية بشأن دارفور مع الوساطة الافريقية والعربية ، وخلفية تحول مهمة قوات حفظ السلام الأفريقية في دارفور الى مهمة مشتركة مع الأمم المتحدة .
      دور آخر ، بدأ محدودا من حيث أجندته ، ولكنه أخذ يتوسع شيئا فشيئا ، حتى كاد أن يطغى على أدوار سبقته ،هو دور ( الفريق الأفريقي رفيع المستوى ) والذي يرأسه ثابو امبيكي رئيس جنوب افريقيا السابق ، ويضم معه الرئيس النيجيري السابق عبد السلام أبو بكر والرئيس البوروندي السابق بيير بويويا ، وشخصيات أفريقية مرموقة أخرى ؛ وقد كان هذا الفريق مكلفا بالبحث في قضية ( العدالة  في دارفور ) وكيف يمكن تحقيقها دون أن يكون ذلك على حساب السلام  في الاقليم ، لكن دوره  تمدد حتى يكاد الآن أن يكون مرجعا في قضية السودان كلها ، من لدن أبيي ومفاوضات مكلي الأثيوبية وحتى ترتيبات ما بعد الاستفتاء !!
     مهمة تحقيق السلام في دارفور اذن ، أصبحت تتعاطى معها ، وتديرها أطراف  وشخصيات متعددة ؛ فهناك ممثل الأمين العام للأمم المتحدة هايلي منغريوس ، وهناك ابراهيم قمباري رئيس البعثة المشتركة بين الأمم المتحدة  والاتحاد الافريقي بدارفور ( يوناميد ) ، وهناك جبريل باسولي الوسيط الأفريقي الأممي المشترك للمفاوضات ، وهناك أحمد بن عبد الله آل محمود رئيس فريق التفاوض العربي الافريقي الأممي وممثل دولة قطر ، وهناك الفريق الأفريقي رفيع المستوى برئاسة ثابو امبيكي  ؛ وحل الأزمة في دارفور بكل وجهائها الدوليين هؤلاء ، مرتبط في نظر الكونغرس بمطلوبات أخرى يتعين على مبعوث البيت الأبيض الجنرال غريشن ، أن يأخذها في الاعتبار وهو يدير ملف اتفاقية السلام الشامل بشأن جنوب السودان ، بكل تعقيداته التي تتزاحم مع خط النهاية الموضوع للفترة الانتقالية ، وكأن تحقيق السلام في دارفور أضحى مثل الفيتو على مسار تنفيذ اتفاقية السلام الشامل !!
    وما من شك في أن كل واحد  من هؤلاء الرجال النبلاء ، الذين نذروا أنفسهم لخدمة السودانيين واخراجهم من أجواء الاحتراب والاقتتال ، الي بيئة السلام والتصالح ، يستبطن – وهو يؤدي مهمته – ملمحا من ملامح جائزة نوبل للسلام ؛ كيف لا  وهو قد أسهم – باعتبار ما سيكون - بقدر أوفر في ( جلب السلام الي ذلك البلد الذي طالما مزقته الحرب والاقتتال الأهلي ) ، ولعله من هذا الباب ، باب التنافس الشريف ، يمكن أن يسهم طرف ما في عرقلة أو تأخير أو تعقيد مهمة أطراف أخرى !!
   وما دمنا قد أتينا على سيرة التنافس الشريف ، وما قد يسببه من ضرر أو تأخير أو تعقيد غير مقصود  في مهمة الطرف الآخر ، فلا بأس من الاشارة الى التنافس الاقليمي بشأن السودان بين جارتينا العزيزتين الجماهيرية العربية الليبية وجمهورية مصر العربية من جهة ، وبين دولة قطر التي تقود ملف التفاوض بشأن دارفور ، ، وما يمكن أن يكون قد جره هذا التنافس على مسار الأزمة ؛ على الرغم من كون التكليف لقطر جاء من خلال جامعة الدول العربية على مستوى مجلسي القمة والوزاري .
    وهكذا تبدو مهام تحقيق السلام في السودان ، لجهة الجهود التي يبذلها الوسطاء ، سهلة ممتنعة ؛ تحتاج  في جوانب معتبرة منها الى تسمية بعض العقبات والعراقيل بأسمائها ؛ وهذه في حد ذاتها مهمة تحتاج الى وسيط أممي محايد ونزيه وشفاف !
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نقلا عن صحيفة ( السوداني )