قبل نحو عامين ، عندما كان الحديث عن توكيد قيام الانتخابات العامة التي جرت في أبريل الماضي ، ضربا من التنجيم ، كتبت مقالا ، ضمن المقالات الراتبة التي كانت تنشرها لي صحيفة ( الصحافة ) كانت مناسبته احتفالات الحركة الشعبية بالذكرى السادسة والعشرين لتأسيسها . وكان جانبا من عنوان ذلك المقال : ( الحركة الشعبية ... اذا صحت التجارة )  وقد جاء العنوان مأخوذا من مدخل المقال الذي هو حكاية أثارت روايتها بعض التعليقات المتعارضة ممن قرأوا ذلك المقال ، وهي حكاية أثرية تروي  قصة رجل وزوجته كانا مسافرين على ظهر أنثى حمار لهما ، وفي صحراء نائية وجدا شخصا ملقى على قارعة الطريق منهكا من الجوع والعطش ، فاستدر مظهره عطفهما فوقفا عنده وبعد ان سقياه وأطعماه قررا أن يحملاه على راحلتهما  الى أقرب مكان مأهول  بالسكان .
      القصة التي نستميح القارئ في عدم اعادتها كاملة , تنتهي بوقوف الرجلين متخاصمين أمام شيخ القرية التي وصلاها ، حيث ادعى الرجل المفضول أن صاحب الفضل أراد أن يأخذ منه زوجته وحمارته ، في حين روى صاحب الحق ما حدث بالضبط  ؛ وللوصول الى حكم عادل قرر شيخ القرية أن يحبس كلا من الرجلين منفردا ، وأن يبعث من يسترق السمع ليلا ليسمع مناجاة كل منهما ، وكان أن سمع الرجل الذي تمت نجدته يقول : ( اذا  صحت التجارة ... المرا والحمارة ، وكان ما صحت التجارة ...  كفاية الحمارة ) فقضى الشيخ بعودة الأمور الى نصابها واعادة زوجة الرجل وراحلته له .
       القصة ليست مقصودة في حد ذاتها ، بل لعلها كانت ( رمية ) على طريقة أستاذنا الدكتور عبد اللطيف البوني ،  لكن التساؤل الجوهري الذي حاولت تلك المقالة الاجابة عليه ، هو  ما اذا كانت الحركة الشعبية ( لتحرير السودان ) حركة وحدوية أم انفصالية !؟ سؤال كانت الاجابة عليه ب (لا) او (نعم) هي الأخرى ضربا من التنجيم والاختصار المخل ؛ لكنه من المهم اعادة التذكير ببعض الحيثيات التي تم ايرادها في سياق الاجابة بلا ونعم معا على ذلك السؤال ، في حينه !!
     ما يمكن التذكير به الآن ، هو أنني ذهبت للقول وقتها أن الحركة الشعبية وحدوية اذا تسنى لها الانفراد والاستحواز على حكم الجنوب والشمال معا ( المرا والحمارة ) ؛ أما اذا تعذر عليها ذلك فستكتفي بالانفراد بحكم الجنوب دون أن تفكر في تعديل دستورها أوالمانفستو الذي تأسست عليه ، وأسمت بموجبه نفسها ( الحركة الشعبية لتحرير السودان ) .
    ومما يمكن التذكير به أيضا من حيثيات تم ايراها وقتها ، هو أن القوى الدولية التي ضغطت على الحركة الشعبية وأتت بها الي طاولة المفاوضات ، في أوائل هذه الألفية ، كانت تراهن على اكتساح مرشح الحركة الشعبية المفترض لمنصب الرئاسة – الراحل جون قرنق – للانتخابات التي تم الاتفاق على اجرائها قبل عام من اجراء الاستفتاء على تقرير المصير لشعب جنوب السودان ، وأنه بتلك النتيجة المفترضة فان الحركة الشعبية مهما كان تيار الانفصال داخلها قويا ، لن تكون بحاجة للانكفاء على نفسها والدفع باتجاه الانفصال ، فخيار الوحدة وقتها سيصبح جاذبا جدا !!
     وكما هو معلوم ، فان تصاريف الأقدار سارت باتجاه آخر ، ورحل قرنق في حادث الطائرة الرئاسية اليوغندية الغامض ، ولما يمض على تنصيبه نائبا أول للرئيس ورئيسا لحكومة الجنوب سوى ثلاثة أسابيع ، ولم يعد خليفته في الحركة – سلفاكير ميارديت – يمثل منافسا حقيقيا للرئيس البشير ، وكان ذلك أحد أهم الدوافع التي حدت بالغرب – حسب ذلك التحليل – لاختلاق وتصعيد موضوع المحكمة الجنائية الدولية واستهداف الرئيس البشير ، حتى تقل حظوظه في مواجهة مرشح الحركة أو مرشح المعارضة ، في الانتخابات ؛ ومرة أخرى سارت تصاريف الأقدار بعكس ما أراد المخططون من خلف الستار، وأتى موضوع المحكمة الجنائية بنتائج عكسية ، وازدادت شعبية الرئيس البشير، وتحول من مجرد رئيس أو مرشح رئاسي الي زعيم وبطل قومي .
      كان قادة الحركة ، بمن فيهم الراحل قرنق ، وفي سياق التدليل على وحدوية حركتهم ، يقولون ان أول من قاتلته الحركة هم الانفصاليين الجنوبيين وليس الجيش السوداني ، وهذه وقائع ثابتة ومتفق عليها من حيث الشكل ، لكن تفسير هذه الوقائع ربما كانت له زاوية أخرى ، فالحركة بقتالها الانفصاليين الجنوبيين – وقتها – من جماعة  ( الأنيانيا الثانية ) بقيادة  وليم عبد الله شول و صمويل قاي توت ، انما أرادت أن تنفرد بساحة التمرد في الجنوب وتبرهن لداعميها  - وقتها – وعلى رأسهم نظام الرئيس الأثيوبي السابق ، منقستو هايلي ماريام ، أنها صاحبة النفوذ المطلق في الجنوب .
     لكن الأهم من ذلك أن ادعاء الحركة بالتزامها المطلق بوحدة السودان ، وأنها لا تناضل من أجل حقوق الجنوبيين وحدهم ، بل انما ترمي لتحرير السودان من ( قديمه ) الذي تاه فيه ، وتبني سودانا جديدا ، ملؤه الحرية والديمقراطية والمساواة في الحقوق المادية والمدنية ؛ هذا الادعاء الطويل العريض ، انطلى على كثيرين من أبناء شمال السودان ، فآزروه بمختلف أشكال المؤازرة ؛ بالانضمام الي صفوف الحركة أو بتأييد ودعم مواقفها سرا وعلنا ، بشكل مباشر وغير مباشر, واستغلت قيادة الحركة ذلك التعاطف بالصيد في مياه أنظمة الشمال العكرة ، فجذبت الى صفوفها ، وصفوف المؤازرين لنهجها السياسي ، الناقمين على تلك الأنظمة من لدن نظام الرئيس الراحل جعفر نميري ( منصور خالد ويوسف كوة مثلا )  مرورا بحكم السيد الصادق المهدي التعددي الثالث ( ياسر عرمان مثلا ) ، وحتى حكم الرئيس البشير ، والأمثلة على ذلك كثيرة .
      وامتدادا لذلك الاستغلال ، وظفت  قيادة الحركة الأحزاب والقوى السياسية والنقابية التي انضوت تحت لواء ما كان يعرف بالتجمع الوطني الديمقراطي ، لاطفاء المسحة الوحدوية على مظهرها ، بل وذهب هؤلاء مجتمعين ، ومنذ اندلاع حرب الخليج الثانية ، للترويج لوحدوية الحركة وسط  عدد من البلاد العربية ، مستغلين اختلاف مواقف الأنظمة العربية من تلك الحرب ، وبروز ما عرف بمحور الرفض العربي ومن بين دوله السودان ، وحصلت الحركة وحلفاؤها الشماليين على أنواع مختلفة من الدعم السياسي والاعلامي والعسكري والمالي من دول عربية ، وطمأنت الحركة وحلفاؤها الشماليين ، بلاد الجوار الجغرافي التي آوتهم ، والبلاد التي دعمتهم ، بأنهم لايريدون  سوى ازاحة نظام الانقاذ من سدة الحكم ، فصدقوهم !!
      أقول هذا من باب أخذ العبرة من تجارب التاريخ ، فقد ثبت الآن – بما يسمح بمجال ضيق للشك – أن الحركة لم تكن صادقة في مواقفها الوحدوية تلك ، وقد كشفت  الآن عن أجندتها الحقيقية ، الهادفة الي التمكين للخطة ( ب ) وهي خطة فصل الجنوب والانفراد بحكمه ؛ وهذا يعني – ضمن أشياء أخرى كثيرة – أنه بوسع حلفاء الحركة وأعضاءها الشماليين أن يجنوا ثمار غرسهم ، أو فلنقل ثمار سقياهم ، وأنه بوسعهم أيضا أن  يعيشوا ، معززين مكرمين ، مواطنين من الدرجة الثانية في دولة الجنوب التي رجحت الحركة خيارها ، ويعني كذلك  ، أن فكرة ( تحرير السودان ) قد دفنت مع صاحبها ، وأصبحت لا تحتاج الا الى نصب تذكاري يقام بجوار ضريح الراحل قرنق في مدينة جوبا  !!  
      على أنه من المهم الاشارة هنا ، بل والتوكيد ، أن احتمال أن يرجح  مواطنوا جنوب السودان في الاستفتاء المرتقب  خيار الاستقلال عن دولة السودان القديمة ، ليس أمرا مسلما به ، حتى وان كان ذلك هو خيار الحركة الشعبية الحالي ، فالحركة كأي حزب سياسي في أي مكان في العالم ، لا تمثل عضويتها غالبية الناس ، والناس في الجنوب – حتى وان لم تجذبهم انجازات الوحدة ، فانهم سيفكرون أكثر من مرة في السماح بتكرار تجربة انفراد الحركة بكل شئونهم كما حدث في السنوات الخمس الماضية !!
        ولو رضيت الحركة – طوعا أو من غير طوع -   أن تتجنب أخذ الناس بالقوة الي صناديق الاقتراع ، كما فعلت في الانتخابات العامة في أبريل الماضي ، وأن تهددهم بالويل والثبور وعظائم الأمور ان لم يصوتوا لصالح الاستقلال ، فانه بالامكان هزيمة خيارها الانفصالي عن طريف صناديق الاقتراع نفسها ، وهذا هو المحك الذي يتعين أن يضع جميع من يؤمن بوحدة السودان أرضا وشعبا ، من أبناء جنوب السودان وشماله ، أنفسهم أمامه  ويقرروا طائعين مختارين ما الذي يمكنهم فعله .... وما يمكن فعله كثير !!
      على الحكومة ، وحزبها الكبير ، المؤتمر الوطني ، يقع العبء الأكبر في هذا الفعل المطلوب ، فالمؤتمر الوطني مطلوب منه أن ( يهدئ اللعب ) أولا ، وأن يهيء الأجواء أكثر لتقارب أوثق بين القوى السياسية الشمالية المؤمنة بخيار الوحدة ، والقوى السياسية الجنوبية المعارضة لنهج الحركة الانفصالي ، لا في سياق استعداء الحركة وجمهورها ، ولكن في سياق الاستعداد للتعامل الراشد والواعي مع كل الاحتمالات ، ولعلنا لا نضيف جديدا عندما نقول انه ليس هناك من حائط صد أقوى من تمتين نسيج الوحدة بين أبناء الشمال من جهة ، وأبناء الشمال والجنوب الوحدويين من جهة أخرى للوقوف في وجه تيار الانفصال .
       ان هزيمة الخيار الانفصالي للحركة الشعبية ، ليس أمرا مستحيلا ، مهما حاولت الحركة والقوى الدولية التي تناصرها أن يروجوا ويرسخوا في الأذهان فكرة أن الوقت قد فات ، ومع أننا لا نود أن نضع أنفسنا مكان أصحاب القرار السياسي ، الا أننا نشير الي أنه بالامكان ممارسة ضغوط سياسية على قيادة الحركة من قبل من آزروها من قوى الشمال السياسية ، ومن قبل الجوار الجغرافي والاقليمي ، لا لأجل أن تتخلى عن خيارها ولكن لأجل أن تخلي بين الجنوبيين وخيارهم ، وأن تهيئ الساحة السياسية في الجنوب لقبول الخيارين ، حتى لا يشعل دعاة الانفصال حربا جديدة اذا ما هزم خيارهم في الملعب الديمقراطي !!
       ومثلما هو مطلوب من حكومة الحركة في الجنوب أن تهيئ الساحة السياسية هناك الي قبول الاختيار الحر للناس ، يتعين على الحكومة في الشمال أن لا تضع بيض الرأي العام كله في سلة الوحدة ، وأن تهيئ هي الأخرى الساحة السياسية في الشمال لقبول الاختيار الحر لمواطني جنوب السودان ، حتى ولو كانت النتيجة هي اختبار الاستقلال عن الشمال ؛ فاستقلال الجنوب عن الشمال فضلا عن كونه خيار متفق على وروده ضمن الاتفاقية والدستور ، لن يكون بالقطع هو نهاية الدنيا وخاتمة المطاف ، فشعب الجنوب حر في اختياراته ، وكذلك شعب الشمال ؛ بل ربما كان ضرر الانفصال نافعا ؛ اذ حينها سيلتفت الشمال الى تنمية كثير من موارده المادية والمعنوية ، وما أكثرها ، كانت الحرب وعدم الاستقرار السياسي سببا في تأخرها أو اهمالها أو تجميدها ، على مدى حكم الأنظمة الوطنية التي تعاقبت منذ الاستقلال !!

العبيد أحمد مروح
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نقلا عن صحيفة ( السوداني )