عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ديباجة:

{لن يكون الكاتب فاعلا ما لم يكن ملتزما بقضايا وطنه ومواطنه وأن يبذل لأجل ذلك فكره وجهده حتى يكون جديرا بلقبه وهو عين المجتمع والسلطان الرابع وعليه أن يكافح ويصادم من أجل ما يؤمن به من مبادئ وأفكار ولقد وضعنا أمام ناظرينا هذه القواعد ونحن نكتب هذه المقالة نسعى بتجرد لنصح المشرع وولاة الأمر في أمر قضية مهمة وخطيرة إعتبرها البعض أخطر من الحروب القائمة ومن أكبر مهددات الأمن والسلام الإجتماعي وهي قضية نظام الإكراه البدني أو ما تعارف عليه الناس بنظام يبقى إلى حين السداد}.

(الخلط بين القاعدتين المدنية والجنائية)

لأمد بعيد ظللنا وبعض الكتاب القانونيين وغير القانونيين الذين يناهضون ولا يؤمنون بجدوى نظام الإكراه البدني أو ما تعارف عليه الناس بنظام يبقى إلى حين السداد نكتب عن خطل هذا النظام الذي تجاوزه الدهر وتخلف عن ركب التشريعات المتمدينة وكنا بذلك نأمل أن نساهم في تبصير ولاة أمرنا المبجلين ومشرعينا الأجلاء إلى طريق نرى أنه الصواب وهو ما يلبي أشواق أصحاب البصائر ويمسح الدمعة عن وجوه الآلاف الذين يرزحون تحت وطأة هذا النظام المنبوذ الذي يعد عارا على نظامنا القانوني وظللنا على عهد هذه الكتابة نصرخ في وجه هذا النظام ونحاربه حربا لا هوادة فيها فلا يدنا كلت ولا عزمنا وهى ولا سيفنا نبا موضحين برصد دقيق مثالبه الفقهية قانونا وشرعا ودستورا واليوم نستعيد نشاطنا بعد ما ظهر لنا من حراك لمقاومة هذه البركة الآسنة التي ألقمها الأستاذ الإعلامي حسين خوجلي حجرا ضخما عندما إستعرضه وانتقده في برنامجه التلفزيوني الجهير (مع حسين).
غني عن القول أن الأمم والشعوب تخلصت من نظام الإكراه البدني بعيد أن بلغ العلم القانوني مدى أصبح فيه جديرا بالتفريق بين القاعدة القانونية المدنية والقاعدة القانونية الجنائية وأدرك أن الخلط بينهما مدعاة لمجافاة الوجدان السليم وخرقا لأسس العدالة الحديثة المبنية على العلم والنظريات الصائبة. قال الدكتور عبد الرازق السنهوري أحد فقهاء القانون المدني الكبار في كتابه (الوسيط في في شرح القانون المدني): إن فكرة الإكراه البدني حتى بإعتباره وسيلة للضغط على المدين للوفاء تخالف المبادئ المدنية الحديثة فالمدين يلتزم في ماله لا في شخصه وجزاء الإلتزام تعويض لا عقوبة فحبس المدين في الدين رجوع بفكرة الإلتزام إلى عهده الأول حيث كان المدين يلتزم في شخصه وحيث كان القانون الجنائي يختلط بالقانون المدني فيتلاقى معنى العقوبة مع معنى التعويض في التدبير الواحد.

(نظام يتنافى مع الكرامة الإنسانية)

وقعنا أيضا على قول آخر لأحد جهابذة القانون المدني وهو الدكتور فتحي والي فقد قال في كتابه (التنفيذ الجبري في المواد المدنية والتجارية):
أصبح نظام الإكراه البدني في التشريعات الحديثة كقاعدة عامة غير مشروعة فقد ألغي في فرنسا بقانون 2 يوليو 1867م ولم يتبق في مصر في المواد المدنية والتجارية إلا بالنسبة لحبس المدين لدين النفقة. يرجع تحريم الإكراه البدني في التشريع الحديث إلى إعتبارات مختلفة فحبس المدين وتعذيبه يتنافى مع ما يجب ضمانه من كرامة للذات الإنسانية ومن ناحية أخرى فمن المعروف أن علاقة الدائنية ليست سوى علاقة بين ذمتين ماليتين فمحل الضمان ليس شخص المدين إنما ماله وحبس المدين فيه تعطيل للقوى البشرية دون أية فائدة فخير للدائن أن يترك مدينه يعمل فيحصل على مال يفي منه دينه. العجيب أنه ومن خلال إستقرائنا لتاريخ القوانين وجدنا أن بعض القوانين التي يرجع عهدها إلى ما قبل الميلاد كقانون (بوكخوريوس) وقانون
(صولون) قد سلكا مسلكا حضاريا بإلغائهما لنظام الإكراه البدني، ففي قانون بوكخوريوس والمسمى أيضا بقانون (باك ان رف) أصبح للمدين ذمة مالية منفصلة عن جسمه لضمان الوفاء بدينه واعتبر جسم المدين ليس من مكونات هذه الذمة وبالتالي لا يجوز إسترقاقه في حالة عدم الوفاء لأن الإسترقاق يقع على الجسم. ما يتوجب معرفته أن قانون بوكخوريوس صدر خلال فترة حكم الملك بوكخوريوس مؤسس الأسرة الرابعة والعشرين من أسر الفراعنة التي إمتدت من العام  718 إلى العام 712 قبل الميلاد أما قانون صولون الذي صدر على يد صولون حاكم أثينا في العام 594 قبل الميلاد بدأه بحركته الإصلاحية القانونية بإصدار قانون (السيسكثيا) أو ما يعرف برفع الأعباء وبموجب هذا القانون ألغيت جميع الديون القديمة سواء كانت مستحقة للدولة أو للأفراد وترتب على هذا العمل القانوني الجرئ أن أفلت المدينين من شبح العبودية الذي كان يتربص بهم، أما فيما يتعلق بنظام الإكراه البدني فقد حرص صولون على عدم التنفيذ على جسم الإنسان المدين وأصبحت الذمة المالية للشخص هي الضامنة للوفاء بديونه لا جسمه.

(منطق أنصار فكرة الإكراه البدني)

لقد تكرس نظام الإكراه البدني بصورته الراهنة في نظامنا القانوني عندما تسللت إليه عبر حزمة قوانين سبتمبر لسنة 1983م المواد 243 و244 و232 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م والمادة 198من قانون الإجراءات الجنائية من ذات العام وشكلت هذه المواد نظام الإكراه البدني الذي هوى بنظامنا القانوني إلى هوة سحيقة وأعادنا إلى زمن غابر حيث كان القانون في طفولته ويبحث عن ملامح صباه.
يقول أنصار فكرة الإكراه البدني إن القانون السوداني أحاط الفكرة بضمانة إطلاق سراح المدين عن طريق دعوى إعسار طبقا للمادة 244/ 1/ د من قانون الإجراءات المدنية المذكور ونرد على هؤلاء بالقول الذي يعتنقه جمرة الفقهاء وأساطين الشرع بأنه لا يجوز حبس المعسر والقانون السوداني يبيح حبس المدين قبل التحقق من إعساره أو يساره وأن إثبات الإعسار يأتي في مرحلة لاحقة للحبس الذي هو وجوبي ولا يملك القاضي حياله شيئا متى ما تمسك به الدائن وقد ثبت عمليا أمام المحاكم إعسار المئات من المدينين المحبوسين مما يعني أنهم قضوا في الحبس مددا قصيرة أو طويلة وهم معسرين الأمر الذي يشكل مخالفة صريحة لأحكام الشريعة وروحها بعدم جواز حبس المعسر في الدين وفوق ذلك يلزمه القانون بإثبات إعساره ببينة كافية وهذا يتعارض مع نظرية مهمة في الإثبات حيث إن الإعسار واقعة سلبية والنظرية تقول إن الواقعة الإيجابية - كاليسار- تكون محلا للإثبات ولا يجوز إثبات الواقعة السلبية - كالإعسار - وتجد هذه النظرية سندا عند فقهاء الشرع فقد قال الإمام مالك رضي الله عنه: البينة على الإعسار لا تقبل لأنها شهادة على النفي وقد قبلها الشافعية مع الإقرار بأنها شهادة على النفي وتسمع للحاجة.

عليه نرى وجوب سماع البينة قبل حبس المدين فإذا ثبت أنه يملك أو يخفي مالا يحجز المال أو يتم حبسه وفقا لما تقتضيه مقاصد الشريعة فالحبس قد شرع للتوسل لقضاء الدين كما ورد عند الكاساني أبا بكر إبن مسعود في كتابه (بدائع الصنائع) وعند أبي فرحون في كتابه (تبصرة الحكام) إذا فالحكم ببقاء المدين في الحبس حتى تمام الوفاء يجب ألا يكون تدبيرا دائما وألا يستتبع ذلك أن يخلد المدين في حبسه لمخالفة ذلك لنظرة الفقهاء الذين كاد ينعقد إجماعهم على أن المدين بعد حبسه يطلق سراحه إذا بقي في حبسه ثلاثة أو أربعة أشهر فيخرج ليكشف عن حاله لأن الحبس ليس مقصودا في ذاته إنما شرع لحكمة لا يجب تجاوزها وهي إجبار المدين على إخراج المال المشتبه في إخفائه.
لا شك أن نظام الإكراه البدني بصورته الراهنة قاد قطاعا لا يستهان به من المجتمع نحو مآس كثيرة فبسببه سيقت أعداد كبيرة نحو السجن وباتوا يشكلون الآن أكثر من نصف سجناء السودان منهم من قضى نحبه داخل السجن ومنهم من فقد عقله ومنهم من تفصمت عرى روابطه الأسرية وكم شهدت أسوار السجون حالات طلاق داوية ومأساوية وحبس المدين تتعدى آثاره لغيره وأضراره تلحق بالمدين والدائن نفسه.

(قوانين السودان لا تعرف الحبس)

أسهم نظام الإكراه البدني في إضعاف كثير من قيمنا السودانية النبيلة فقد مس هذا النظام قيم التسامح والتعاطف والتكاتف والتعاضد والتكامل عندما وضع الأمر بيد الدائن يحبس مدينه بإرادته المنفردة لأجل غير مسمى فتفشت الضغينة والإحن والأحقاد وبرز التشفي والإنتقام.
بالطبع نحن لا ندعو ولا نؤيد أن تؤكل أموال الناس بالباطل وننادي برد الحقوق طواعية أو بموجب تشريع يراعي القواعد القانونية المتمدينة ومقاصد الشرع وأن توضع ذمة المدين المالية ضمانا لحقوق دائنيه فحبس المدين لا يجدي شيئا في أغلب الحالات ويحضرني هنا المربع الشعري لشاعرنا الفحل الطيب ود ضحوية ففيه حكمة بالغة يقول:
السجن أب حجر والقيد المبرشم دقو..
ما بجيب حاجة لى زولا مودر حقو..
يا ماش أربعين قول لى فاطنة بت البرقو..
أنحنا مرقنا والبتقانتو اللنشقو..!
قبل أن أسير إلى إنتهاء في هذه المقالة أو أن أنوه لأمر هام وهو أن وجود المدينين في السجون السودانية لا يعتبر في معنى الإصلاح والتهذيب إذ أن الحبس لا تعرفه قوانين السودان في الأصل إنما يأتي ككلمات ليس لها جذور قانونية سودانية فالقانون لا يعرف الحبس إلا فيما يتعلق بالحبس الإحتياطي ورغم ذلك فإن محبوسي الحقوق المدنية - كما يتم تعريفهم - يعاملون وفقا للائحة السجون مما يدخلهم في فئة السجناء علما بأنهم لا يقضون عقوبة جنائية فضلا عما تتكبده خزانة الدولة في إعاشة وعلاج هؤلاء المحبوسين وهو أمر كان بالإمكان تفاديه بالإصلاح التشريعي. وأخيرا نقول بأننا نجدد دعوانا لإلغاء نظام الإكراه البدني غير الدستوري أو كسر حدته بتعديلات وإصلاحات تشريعية معتبرة لنرفد شرايين الآلاف من البؤساء القابعين خلف القضبان بالأمل في التخلص من (بعبع) الحبس ليجد محبوسي الحق المدني طريقهم إلى أسرهم وعملهم:
ولي أمل قطعت به الليالي..
أراني قد فنيت وداما..
إنه أمل نأمل ألا يتبدد ونحن نكافح من أجله لربع قرن من الزمان دون طائل حتى رأينا أن الحبس يدخله المهندس والتاجر والمزارع والمحامي والصحافي والنجم الرياضي وأصحاب المناصب الدستورية وغير هؤلا من الفاعلين والمؤثرين في المجتمع فهل سنجد أذنا صاغية أم أن آمالنا ستذروها الرياح كما كادت تذوى آمال ذلك العاشق القديم الذي قال:
شط المزار بسعدى وانتهى الأمل
فلا خيال ولا رسم ولا طلل..
إلا رجاء فما ندري أندركه
أم يستمر فيأتي دونه الأجل..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.