بقلم: أسعد الطيب العباسي

الإنتحار فعلٌ مؤثر عرفه البشر منذ أقدم العصور، وهو قتل النفس. وتقول المعاجم عن الإنتحار إنه الفعل الإرادي الذي يؤدي إلى أن يضع الشخص حدّاً لحياته الخاصة. وعندما يتحدّث الطبّ عن الإنتحار يتحدث عن الدمار الذاتي أو الإنتحار بإعتباره نتيجة لحالة مرضية. ويُعرِف القانون حالة الإنتحار بقوله: إنه من أجل اعتبار حالة ما انتحاراً، يجب أن يكون الموت هو الهدف الرئيسي للفعل وليس أحد نتائجه. ومن العجيب أن الإنتحار الذي يعد تصرفاً متعمداً من قبل شخص ما لإنهاء حياته إختلفت فيه القوانين في شأن إعتبارة جريمة أم لا، فبينما نجد القانون السوداني يعده جريمة ويعاقب الشخص الذي يشرع فيه، نجد أن القانون المصري لا يعتبره جناية وبالتالي لا يعاقب من يشرع في الإنتحار. ومن الطريف أن  القانون الفرنسى القديم كان ينزل العقاب بجثة المنتحر فضلا عن مصادرة أمواله، وهو أمر أثار حفيظة الفلاسفة ، فهو من ناحية يتجرد من الأثر الرادع للجزاء الجنائى لأنه ينزل بجثة لا حراك فيها وتعجز تماما عن الإدراك ، كما أنه من ناحية أخري يصيب أسرته بأفدح الضرر حيث يغتصب منها مورد رزقها ، وقد حمل ذلك مُشَرِع الثورة الفرنسية على إلغائه تماما.

 تضيف المصادر لمعنى الإنتحار وأساليبه الشائعة وأسبابه قولها: الإنتحار معناه أن يقوم الفرد بقتل نفسه عمداً وذاتياً، وأكثر الطرق شيوعاً هي الشنق ثم القتل بالسلاح الناري. ويحدث الإنتحار لعدة عوامل منها النفسي، حيث حلل فرويد الإنتحار بأنه عدوان تجاه الداخل. ثم قام عالم آخر بتعريف ثلاث أبعاد للإنتحار هي: رغبة في القتل، ثم رغبة في الموت، ثم رغبة في أن يتم قتله. وعالم آخر وضح بأن الإنتحار يختلط به عدد من الأحاسيس منها الانعزال اليأس والاكتئاب، ويشعر الراغب في الإنتحار بألم انفعالي لا يطاق ولا يوجد حل سوى الإنتحار.أما المدرسة المعرفية فقد رأت الإنتحار برؤيا النفق أو التفكير غير المرن حيث أن الحياة مريعة ولا يوجد حل سوى الإنتحار، والبعض رأى الإنتحار أنه تعبير عن البكاء الرمزي أو للفت الانتباه.

ويوجد للانتحار أسباب عضوية منها الوراثة أو نقص السيروتونين وهناك أسباب اجتماعية فسرها عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم حيث فسر الإنتحار بسبب تكسر الروابط الاجتماعية والانعزال، وقد تؤثر عوامل الضغوط النفسية وعدم القدرة على كبحها وخاصة الفقر والبطالة.وقد تكون هناك أسباب أخرى مثل ضعف الضمير وعدم القدرة على التكيف مع المجتمع وهنا تظهر فكرة إريك فروم حول الانتحار حيث الصراع بين الداخل والخارج وعدم الالتفات للعوامل الحضارية الاجتماعية. قد تباينت الردود على الانتحار ففي الهند واليابان يكون الانتحار مصدر شرف عندما تحترق الزوجة بجانب زوجه الميت أو مثل طياري الكاميكازي الانتحاريين وبعض المجتمعات تجعل الانتحار كجريمة وخطيئة لا تغتفر. 

وقد اختلفت الآراء حول الانتحار هل يعكس شجاعة الشخص المنتحر أم جبنه وانعكاس لفشله وعدم الحاجة لاستمرار حياته. بعض الشعوب لديها رمزية خاصة للانتحار كما هو عند اليابانين. يحرم الإسلام قتل النفس بأي حال من الأحوال ويشير إلى أن حياة الإنسان ليست ملكا له وبالتالي لا يجوز التحكم بها من قبله.حوالي 35% من حالات الانتحار ترجع إلى أمراض نفسية وعقلية كالاكتئاب والفصام والإدمان. و65% يرجع إلى عوامل متعددة مثل التربية وثقافة المجتمع والمشاكل الأسرية أو العاطفية والفشل الدراسي والآلام والأمراض الجسمية او تجنب العار أو الإيمان بفكرة أو مبدأ أو عقيدة مثل القيام بالعمليات الانتحارية أو الإمتثال لأمر ديني أو عقائدي أو سياسي أو وطني كالنموذج الفدائي الرائع الذي قدمته سناء محيدلي اللبنانية ذات الستة عشرة ربيعاً عندما فجرت نفسها صباح يوم الثلاثاء 9 أبريل 1985 بسيارة بيجو 504 بيضاء اللون مفخخة بأكثر من 200 كلغ من التي ان تي،  في تجمع لآليات جيش الاحتلال الإسرائيلي على معبر باتر–جزين بالجنوب اللبناني ثم لقبت هذه الشهيدة بعروس الجنوب.

 ولأن الإنتحار كان ولا زال ظاهرة تلازم الإنسان ولأن الأدب هو الأداة المثلى للتعبير الجيد عن الظواهر خاصة تلك المتصلة بالمشاعر والأحداث الكبرى  لذا ظل كثير الدوران في دروبه المختلفة وأقانيمه المتنوعة ووجد موقعه فيها وقد نجح في أن يصوره  كواقعة حقيقية وكرمز فعَّال.

وقد وجدنا أدبنا الشعبي يتناول الإنتحار إما بعكس الواقعة كقصة مؤثرة كما هو الحال في القصيدة المغناة (أمونة بت الشيخ حمد) والقصيدة كما هو معروف تحكي واقعة وأسباب إنتحار الفتاة(أمونة) التي أحبت شاباً غير أن والدها إختار لها رغماً عن إرادتها وحبها زوجاً ثرياً طاعناً في السن وتم العقد له فلم تختار حضنه إنما اختارت حضن النيل لتنتحر فيه غرقاً، وقد أبرز الشاعر الشعبي هذه القصيدة الطويلة في ثوب قصصي مؤثر نختار منها جزءها الأخير الذي يقول فيه:

مسكت دريبا مو قريب كم بيهو صف بنوت وردْ/ قاصدة البحر دايره تموت لا عيشة لاهم لا نكدْ/ اترددت وقفت كتير لامن قليبا خلاص صمدْ/ شافت مسار النيل حزين حتى النخيل حزنان خمدْ/ وبشيشى فكفكت الحرير  لا زينة لا ربيط عقدْ/ ما دام حياتا بقت دموع وقليبا من زولا انفردْ/

قالت اخير ارتاح خلاص  ارسى وشقاى القالو حدْ/ فى لحظة موج النيل علا وفى جوفو غابت للابدْ/

غير أن أدبنا الشعبي الذي يؤمن مبدعوه بتعاليم دينية تحرم الإنتحار إتخذه في أمر العشق فعلاً رمزياً ملوناً بعقيدته وموروثه، كقول الشاعر الشعبي الذي كشف عن حالة عشقه:                     الناس كـلهم فرحانين يهولو  ويجُـولو/ ما بِدُرو بى البِحَسِبْ نَجمو واقِف  طُولو/ قلبـي اتعـشق الـمعدومْ وطال بهدُولو/ كَاتِـلْ رُوحو ما بكَّاييـن عَليهُو  بِقُولو،،،،،،،،

وهذا مفهوم كرسه شاعر شعبي عاشق آخر وقد جاءت قافيته في إطار مفهومه الديني يقول:

المِهيرَه المَحَفَّله وخَتُو فوقا لِجَامْ/ أشقتني بي عَدْوَه ومعاها خِصَامْ/ كان ما بَخَاف الفضيحه تَشِيلا كلامْ/ بكتُل رُوحي كان قالولِى مُوهُو حَرَامْ،،،

كما جاء رمزياً محضاً في قول الشاعر محي الدين محمد شريف:

جيش الحُب دَفْر في السَاحَه بِصْعَبْ دَحْرُو/ قُول الصِرفه كَيفْ والعَاشقينْ في سَحَرُو/ غَاصُوا وكَاسُوا لى أصدافُو عَايمين بَحَرُو/ في اسْتِعْدَادْ جَمِيعْ  في دَرْبُو هُنْ يِنْتَحْرُو،،،

وقول شقيقه الشاعر محمود محمد شريف في قوله:

أصْبَحْ جِفْني مِنْ دَمعَ الخَوَاتِرْ خَالي/ مِنْ حَالي العَليْ أنا بَشْكِي لى حَلالي/ الحَاسيهُو سَاهِرْ بي وكِتِرْ وَلالي/ قَعَدْتَ كَتِيرْ بَشُوف الإنْتِحَارْ أوْلالي،،،

ولعل الحادثة المشهودة الداعية للفخر وذات المغزي العميق في موروثنا الشعبي التاريخي وهي حادثة الإنتحار الجماعي لبنات جعل الأئي إنتحرن غرقاً في النيل بعد أن أوثقن شعرهن إلى بعضه البعض خوفاً من الإغتصاب إبان حملة الدفتردار الإنتقامية بعد مقتل الخديوي إسماعيل باشا حرقاً بواسطة المك نمر ففضلن الموت إنتحاراً صوناً لعرضهن الغالي من الإنتهاك إغتصاباً وجدت طريقها لأدبنا الشعبي في باب الفخر بطريقة مؤثرة وقد وقعنا على مربع لشاعر الدوبيت المبدع يوسف البنا فيه إشارة لتلك الحادثة التاريخية يقول فيه وهو يفخر بأرض الجعليين وأهلها: 

فيها المكْ نِمِر حَرَقْ الخِديوي صَبَاحْ/ وَد رَحمَه الزِبيرْ دَفَّرْ عَلىْ الشَلْوَاحْ/ بَنُوتْ جَعَلْ صَانَنْ عُرُوضِنْ صَاحْ/ لَبَعَنْ صُرَّة النِيلْ حَاكَنْ التُمْسَاحْ،،،

حمل الأدب الحديث الإنتحار في إناءٍ أكبر من إناء الأدب الشعبي وقد وقعنا على  كتابين مهمين للأديبة والشاعرة اللبنانية جُمانة حداد هما كتاب "مرايا العابرات في المنام" وكتاب "سيجيئ الموت وستكون له عيناك" وفي كتاب "مرايا العابرات في المنام"، تنطلق جمانة من انتحار اثنتي عشرة شاعرة من اثني عشر بلداً باثنتي عشرة طريقة مختلفة (حبوب منوّمة، إطلاق نار، غرق، شنق، غاز، تحت عجلات قطار، قفز من شاهق، سمّ، مخدرات، قطع شرايين الرسغ، حريق، وكهرباء)، لتخترع لهؤلاء الشاعرات المنتحرات عوالمَ وميتات. تتقمّصهنّ جمانة حداد وتتماهى معهنّ وتتكلّم باسمهنّ تارةً، وتخاطبهنّ طوراً، ثم تروح تنقّب في فلسفة عيشهنّ، وتعرّي أساليب انتحارهنّ وطقوسها، مقدِّمةً تفسيرات وجودية وتخييلية لها، بناء على مثلّث الدين والعلم والأدب. ومن نماذج جمانة نأخذ الشاعرة المنتحرة (فلوربيلا إسبانكا) وهي شاعرة برتغالية مولودة عام 1894 انتحرت برمي نفسها تحت عجلات قطار وهي في السادسة والثلاثين من عمرها. اختارت وقت الليل كي لا ترى أحداً، وكي لايراها أحد. للسبب نفسه على الأرجح ارتدت ثوباً غامق اللون. خرجت من المنزل لملاقاة قطارها الموعود قبل التاسعة بقليل. تجنّبت الانتظار في المحطة لأنه يبطئ خطوه عند مشارفها، ما يعني أنه قد يتمّ إنقاذها بطريقةٍ ما. حملت جدول الرحلات معها (عُثِر على أوراق متناثرةً قرب الجثّة). ما إن سمعت صفير القطار من بعيد، وتحديداً قبل ثلاثين ثانية من وصوله إلى الموقع، حتى ارتمت على السكّة. كان القطار يجري بسرعة تراوح بين 40 و50 ميلاً في الساعة.رآها السائق في اللحظة الأخيرة وضغط على المكابح لكنه لم يتمكن من وقف جموح المحرّك في الوقت المناسب. انشطر الجسد جزءين عند منطقة الخصر. وماتت. تركت خلفها قصيدة وضح لنا من خلالها أنها شبقة وتعاني الكبت وهي قصيدة غاية في الجرأة لا نستطيع أن نورد منها سوى المقطع التالي:

 لا تثيرني الملامسات. لا تثيرني النظرات العاشقة. ولا تثيرني القُبل خصوصاً. مضيعةٌ للوقت بالنسبة إليَّ هذا "التحضير" كلُّه. عجباً من النساء اللواتي يطالبن بمثله. عندما كنتُ أشدّ تهذيباً وغباء من أن أقول ما أفكّر فيه بصوتٍ عال، كنتُ أنظر إلى الساعة من وراء ظهر الرجل الذي يلامسني ويقبّل، وأفكّر في سرّي: "كفى تمهيدٌ ومقدّمات. متى صلب الموضوع يا سيدي العزيز؟".

 ومن ثنايا كتاب{مرايا العابرات في المنام} نطرح نموذج البريطانية المنتحرة {فرجينيا وولف} التي تزوجت بالمفكر السياسي ليوناردو وولف و إدلين فرجينيا إستيفن1882ـ1941 مؤلفة بريطانية رائدة تعد من أهم الشخصيات الأدبية الحداثية في القرن العشرين وأهم الشخصيات الأدبية في لندن، بعد وفاة والدتها تعرضت لسلسلة من الإنهيارات العصبية وماتت منتحرة بعد أن ملأت جيوبها بأحجار ضخمة وألقت بنفسها في النهر وتركت رسالة مؤثرة لزوجها قالت له فيها ضمن ما قالت: أنها لم تعد تحتمل وهي تسمع أصوات طيلة الوقت.

تقول عنها جمانة: بعد موجة كآبة شديدة، في صباح جمعة باردة من شهر آذار، مشت الروائية  البريطانية فرجينيا وولف الى حتفها بجيوب مثقلة بالحجارة في النهر الى أن أخذ انفاسها الأخيرة وحققت التجربة التي قالت إنها :" لن تضيعها ابدا".. كتبت كلماتها الأخيرة لزوجها ليوناردو وتركتها على موقد الفحم:" أيها الأعز، لدى يقين أنني أقترب من الجنون ثانية. وأشعر أننا لن نستطيع الصمود أمام تلك الأوقات الرهيبة مجدداً فلن أشفى هذه المرة ـ بدأتُ أسمع الأصوات ولم يعد في وسعي التركيز، لهذا سأفعل الشيء الذي أظنه الأفضل، لقد كنتَ صبورا إلى أقصى حد، وطيباً على نحو لا يصدق، أود أن أقول هذا ـ كل الناس يعلمون هذا. إذا كان ثمة من أنقذني فقد كان أنت. كل شيء ضاع مني إلا يقيني بطيبتك لا أستطيع أن أستمر في إفساد حياتك أكثر".

وفي كتاب جمانة الثاني الذي إختارت له إسماً إستلته من قصيدة لشاعر إيطالي (سيجيئ الموت وتكون له عيناك) تعرضت فيه لمائة وخمسون شاعر وشاعرة إنتحروا خلال القرن العشرين ولم يكن الكتاب فقط كما كتب عليه "كتاب أنطولوجي مستفز وعدواني بسبب هويته الانتحارية" بل كان أكثر من ذلك بكثير، حمل شيئاً من هيبة لهذا الموت المرتكب، هيبة انعكست على كل نص وعلى كل صورة، وعلى كل اسم نقش في عداد الشعراء المنتحرين، هؤلاء اختاروا مغادردة الحياة، وذهبوا فرادى يجرجرون الخطى نحو شيء مختلف، هذا الهاجس يتملك القارئ من البداية، ويجعله يعيش رعشته.

والسؤال الذي يثور ومقالتي تسير إلى إنتهاء هل لنا أن نحتفي بالمنتحر متى ما كانت دوافعه قوية وسامية وهل يمكن أن نعتبر بعض المنتحرين أبطال كما هو الحال لدى سناء محيدلي وبنات جعل؟ سؤال يتطلب منا جميعاً الرد عليه بتؤدة  وفقاً لثنائية الدين والعلم.