بقلم: أسعد الطيب العباسي

   محمد الواثق يحتل مكانة بارزة في طليعة شعراء السودان فقد عاد بالشعر إلى التراكيب العربية واللغة الفصيحة، وظل وفياً لشكل القصيدة العربية الأصيلة عندما علت أصوات مدرسة التحديث في الشعرالعربي وجلجلت. أصاب الحزن بعض مناصري الشعر العربي التقليدي حينما ظنوا أن مدرستهم قد شارفت على السقوط في بئر الفناء، ولكنهم أبدوا سعادتهم عندما بدا لهم أن محمد الواثق قد رفعها إلى شجرة الحياة والخلود. وقد أجمع النقاد الحاذقون ومن اطلع على شعره من أهل البصائر أنه صحيح الملكة كثيف الموهبة فلا تكاد تجد في شعره بيتاً مختلاً أو قافية نابية، وأنه عالمٌ بدروب اللغة، مدرك لشعابها، متمكن من فواصلها ومفاصلها، ولا غرو في ذلك فإنه الأكاديمي المحترف، الدارس لعلم العروض وفقه اللغة، ويلم إلماماً واسعاً بالثقافتين الغربية والعربية، وبكل ذلك صقل موهبته الشعرية الضخمة الى حدٍ كبير كاد  يبلغ به درجة الإشباع.

   محمد الواثق يوسف المصطفى محمد مساعد ولد في شهر ديسمبر من العام 1936م بقرية (النية) وهي قرية ريفية تقع الى الشمال من العاصمة الخرطوم بنحو خمسين كيلومتراً على الضفة الشرقية من نهر النيل، تخرج في مدرسة وادي سيدنا الثانوية ليلتحق بكلية الآداب بجامعة الخرطوم قسم اللغة العربية، وتخرج فيها العام 1962 بمرتبة الشرف الأولى، وقد عُد الواثق فيها من أوثق أركان مدرسة (ألون أو تو)"1" الأدبية وأعلم أعضائها وأشعرهم وأطولهم باعاً، وهذه المدرسة نشأت بقيادة البروفيسور عبدالله الطيب الذي حسبه من أنبغ تلامذته وأقربهم الى قلبه. ومن بعد شد شاعرنا الواثق رحاله صوب المملكة المتحدة ليلتحق بجامعة (كمبردج) حيث حاز فيها على درجة الـ (M.litt) ببحث أعده عن المسرح العربي القديم بعنوان (خيال الظل)، وذلك في العام 1967. ليعود للسودان محاضراً بجامعة الخرطوم كلية الآداب ثم رئيساً لقسم اللغة العربية فيها. تبوأ عمادة معهد الموسيقى والمسرح ثم إدارة معهد البروفيسور عبد الله الطيب للغة العربية بجامعة الخرطوم. لا يزال أستاذاً بجامعة الخرطوم، ورسالة الأستاذية لم ينقطع عن أدائها طيلة الأربعين عاماً الماضية إلا لماماً ولأسباب سياسية وأخرى تعلقت باغترابه القسري أو المختار.

   للواثق عدة أبحاث علمية مطبوعة، على رأسها أبحاثه في أوزان الدوبيت السوداني، فن الدراما كما عرفه العرب والمسلمون، السيرة الذاتية لمحمد أحمد محجوب. كما أشرف على كثير من أبحاث الماجستير والدكتوراه. امتد نشاطه الواسع ليتصل بوسائل الإعلام المختلفة، بالإضافة للمحاضرات العامة التي يقدمها، ساهم مساهمة فاعلة في الكتاب الموسوعة (مختارات من الشعر العربي في القرن العشرين) الذي صدر عن مؤسسة جائزة البابطين للإبداع الشعري،"2" وذلك عندما اختار نصوصاً لثلاثين شاعراً سودانياً مشفوعة بمقدمه طويلة حول الشعر السوداني والتعريف ببعض   شعرائه.     

    صدر له في العام 1973 ديوانه المعروف (أم درمان تحتضر)، له ديوان آخر تحت الطبع تكاد أن تكتمل مسودته يحمل اسم (الفارس الأعزل). أثارت قصائد ديوانه أم درمان تحتضر جدلاً واسعاً وضجة كبرى عندما وثبت تباعاً أو بعدما صدرت كديوان عن دار الثقافة ببيروت.

      يظل ديوان أم درمان تحتضر – رغم ما لقيه من سيل النقد القادح في موضوعه وهجائياته لأم درمان – علامة فارقة في مسيرة الشعر العربي الأصيل في السودان، فهو نخلة متينة الجذور، باسقة الطول، تكاد تلثم من ذيل السحاب بلا كدٍ وإجهاد، إن ألقيت عليها حجراً ألقت اليك ثمراً. هذا الشعر مازجه اللفظ الفحل والمعنى البكر المرفود بالموهبة الحقيقية والمعرفة العالية والعلم الغزير.

   هال البعض ان يمس الشاعر قداسة أم درمان، فتصدوا له بالرد نثراً وشعراً، وقد جاءت بعض ردودهم رصينة وموضوعية، وجاء بعضها متفلتاً وقاسياً، فبينما نجد الشاعر عادل حسن طه يعارض قصيدة أم درمان تحتضر بمقارعة حسنة نجد أن هناك من فجر في الخصومة الأدبية. يقول محمد الواثق في مطلع قصيدته (أم درمان  تحتضر) والتي كونت مع ثماني أخريات مجمل الديوان:-

لا حبذا أنتِ يا ام درمانُ من بلدٍ ** أمطرتني نكداً لا جادَكِ المطرُ

من صَحْنِ مسجدِها حتى مشارفِها **حطَّ الخمولُ بها واسْتَحْكَمَ الضجرُ

ويقول الشاعر عادل حسن طه في مطلع قصيدته التي عارض بها قصيدة أم درمان تحتضر وجاءت بعنوان (أم درمان تزدهر):-

يا حبذا أنتِ يا ام درمانُ من بلدٍ ** شربتني غيماً لا ضَامَكِ القَدَرُ

من بيتِ عَالِمِهَا حتى مَعالمها  ** لفَّ الجهادُ بها واستشهدَ البشَرُ

وقد وجدنا بمقدمة ديوان (ام درمان الحياة) للشاعر السماني الشيخ الحفيان الذي عارض به ديوان أم درمان تحتضر قصيدة قصيدة وبيتاً بيتاً، قوله:- (وديوان الواثق إن لم يكن يفضي الى غاية وضيئة وهدف نبيل لا يعدو في نظري أن يكون قاموساً يضم صنوفاً من الإقذاع والبذاء لا يشتغل بها إلا سفيه قليل الديانة). ويقول البروفيسور صلاح الدين المليك: (إن قصيدة أم درمان تحتضر فيها شئ غير قليل من الكراهية والاحتقار ولا نود ان نبسط القول في هذا فقد يكون للشاعر ما يدعو لذلك)."3" توالت الردود ما بين قادح ومادح. وقد لخص الدكتور عبد اللطيف سعيد هذه الردود بأن طائفة قالت إن دافع محمد الواثق لهجاء المدن هو الحقد، والبعض يقول إن دافعه العبثية وآخرون قالوا إن غرضه تهديم الواقع لبناء مستقبل أفضل، وطائفة نسبته للاستعلاء الصفوي الذي يصيب المتعلمين، وهناك من قال إن دوافع الحطيئة قد   تقمصته."4"

    يقول الواثق (إن الأمر قد اتخذ منحى لا يخلو من الخطورة عند نشر قصيدة (نساء أم درمان) تعدى الشاعر الى الناشر، فقد كون النظام لجنة عليا للنظر في أمر القصيدة والناشر، تسرب قليل من مداولاتها للشاعر من بعض أفرادها، بيد أنه لم يكن من سبيل لتلافي أمر قصيدة قد نشرت، ولكن تأخر نشر القصائد المتواثبة بعد ذلك لابد ان يعزى لهذه اللجنة)."5" وقعنا على ردود طريفة نشرتها الصحف السيارة آنذاك، يقول دكتور خالد المبارك في إحداها: (وحينما وزع الشاعر محمد الواثق يوسف الأستاذ بشعبة اللغة العربية بجامعة الخرطوم بطاقات الدعوة بمناسبة زواجه تساءل عدد من المدعوين بخبث عن المدينة التي تنتسب اليها العروس وجاءت الإجابة من أم درمان ومن قلب أم درمان فابتسم المشاركون فقد أدركوا بلاغة رد هذه المدينة المحنكة على الشاعر الذي هجاها فأوجع). كان الشاعر والمؤرخ الكبير الراحل التجاني عامر أول من رد على الواثق شعراً بقصيدة دافع فيها عن أم درمان وقال وهو يقدم لقصيدته هذه: (الدكتور محمد الواثق بمجموعته الشعرية  - أم درمان تحتضر – سلح على رؤوسنا نحن أهالي أم درمان (الغبش) كلنا لا ننكر روعة التجربة المقدمة التي انضجت على الحيرة والقلق).وهنالك الكثير من الشعراء من ردوا على الواثق شعراً بدا لي أن أبرزهم الباحث والشاعر ميرغني  ديشاب.كما يوجد كثير من الدارسين"6" والأدباء والصحفيين من كتبوا عن أدب الواثق."7" ويقول الأستاذ مصطفى محمد أحمد الصاوي في دراسته النقدية( قراءة في ديوان محمد الواثق أم درمان تحتضر):" إن الأقلام التي تناولت العمل سعت في الغالب الأعم لمحاكمة الشعر والشاعر، فقد مسَّ الأخير في ظنهم شرف مدينة أم درمان وعفتها، وخطل هذا الرأي يكمن في محاكمته للتجربة الفنية ورؤية الشاعر، وغاب عنهم أن العمل في مجمله إبداع تخيُّلي ورؤية فنية لا يشترط فيها تطابق مع الواقع بكل تفاصيله وجزئياته"."8"

   لم يرد محمد الواثق على أي نقد وجه للديوان، ولم يسع لتوجيه مسار النقد، وعندما بدأت بحار العواصف تسكن وأمواج الغضب تهدأ، ألقم الواثق تلك المياه حجارة أخرى، عندما هجا مدناً سودانية أخرى وهي كسلا، مدني، الحيصاحيصا، توتي، كوستي، وحلفا. وكاد بعض هذا الهجاء أن يزج به في السجن كما سنرى.

   إن جبل محمد الواثق الشعري الراسخ وقممه الهجائية السامقة يحتوشه كثير من الرمز ويكتنفه الابتداع الذاتي الخلاق، والوصول الى تلك القمم عن طريق تسلق هذا الجبل الضخم غاية عسيرة المنال لا تلين إلا للأقوياء، ولكن لابد من اعتلاء تلك القمم لأن الصور لا تتضح على السفح من الجانبين إلا بهذا الاعتلاء الصعب. فالرمزية الكامنة ترتقي فوق موجودات الظواهر المادية المتناثرة في العالم الواقعي الى مدارك الآمال والأحلام المنشودة في العالم المثالي وتستنجد بالرمز كآصرة تربط بينهما، ومن قبل انتبه الناقدان (أوستين وارين ورينيه ويليك) صاحبا كتاب (نظرية الأدب) لذلك عندما قالا: (إن الرمز موضوع يشير الى موضوع آخر لكن فيه ما يؤهله لأن يتطلب الانتباه أيضاً لذاته بصفته شيئاً معروضاً)."9" وقد وجدنا أن شاعرنا محمد الواثق قد حفز مخيلة المتلقي عندما اطلق في ديوانه أم درمان تحتضر طاقته الإيحائية ذات الخواص الجمالية الفعالة وغذاها بنوازع البحث وأغراها للتطلع الى ما وراء الأكمة إذ لابد أن خلف عمارته الرمزية عالم آخر يختبئ تحت الظلال وإن كان اكتشاف تأويل الرمز يصعب في أحايين كثيرة لما بدا لنا من تعقيدات سكنت بعض تجربته الشعورية وعناصرها العاطفية التي لا يقيدها منطق او عقل غير ان تراكيبه الشعرية التي لم تتسلل اليها الصور الفجة أو الاستعارات الساذجة أو العبارات الهلامية المستعلية وما دفعه إليها من اهتزازات موسيقية ركنت الى عنف الرنين في بحر البسيط أوحى لنا كثيراً بالمعاني التي بثتها صوره الرمزية وقد قال الدكتور عدنان حسين قاسم في رؤيته النقدية لبلاغتنا العربية: (إن جرس الأصوات والألفاظ والتراكيب الشعرية تلعب دوراً خطيراً في الإيحاء بالمعاني التي تبثها الصور الرمزية والغامضة التي لا تستطيع الصورة بتراكيبها اللغوية أن تثيرها)."10"

    ولا شك لدينا ان محمد الواثق قد امتلك الملكتين الحسية والحدسية اللتين لازمتاه في إبداعه الرمزي متجاوزاً به الواقع الحسي ليتخطاه الى الإشارات الدفينة في رماله والدلالات الخبيئة وراءه والتي تكتشفها القوة الحدسية وهنا يحضرني رأي هام ورد ضمن مقالة نقدية للاستاذ محمد عبد الخالق عن نص ديوان أم درمان تحتضر يقول فيه: (إن قصد هذا النص في تقديري صدمة للذوق العام الراضي عن نفسه فقد اختار الشاعر رمزاً عزيزاً، وبالقطع هو عزيز عليه هو نفسه، ليصب جام غضبه عليه، فهو يستهدف ماهو أبعد من مدينة أو عاصمة، ليستهدف ان يصدم حالة من الرضا المتبلد الذي يفوق حد الاعتزاز والعزة المرغوبة في اتجاه البذل والعطاء الى حد مرضٍ بالفخر والعنجهية وتمجيداً للذات تلك النظرة التي ترى كل ما هو سوداني متميزاً فالمقصود ليس أم درمان المدينة وأهلها ولا شك ان هذه النظرة التي تتجاوز حد القول بالخصوصية والتفرد تسيطر على جانب لا يستهان به من المزاج السوداني)"11" هذا الرأي الحاذق نعتبره محاولة ناجحة إلى حد بعيد لاعتلاء تلك القمم السامقة لرؤية الصورة من الجانبين.

   وتعضيداً لرأي الأستاذ عبد الخالق نقول إن الواثق أعطى لوطنه الكثير ولا يزال عطاؤه مستمراً استمراراً لا يتسق إلا مع الحب الذي يكنه لبلاده ومدنها ولا نعيب الطبيب الذي يعمل مشرطه في جسد العليل ليشفيه عن طريق الجراحة. والناظر لأشعار محمد الواثق الأخرى سيدرك مدى ذلك الحب. يقول في قصيدته (مثاب يوسف مصطفى) التي رثى بها والده قوافٍ مطرزة بالحنين لسودانه وأهله والحزن يمازجه والغربة توجعه:

أرتادُ أسبابَ الغِنى فَتُحِيلُنِي ** ضيفاً على لمعِ السرابِ الواهمِ

أتركتَ نهرَ النيلِ يصدحُ طيرُه ** وشَريتَ تَغْرِيداً ببخسِ دراهمِ

وفي ذات القصيدة التي تخلقت بمدينة سبها الليبية في العام 1994م يقول الواثق بما ينبؤنا بحبه للوطن بمعانٍ تزداد وتيرتها عمقاً وشفافية:-

يا رحمتا للمستجيرِ النازحِ ** يُسقى بكأسِ فواجعٍ وعلاقمِ

أتركتَ نهرَ النيلِ آزرَ نبته ** طميٌ طَما من موجهِ المتلاطمِ

كم أطربتني في خمائلِ شَطِهِ ** قمريةٌ سَجعتْ لشدوِ حَمائمِ

كم قد تهادتْ في الأصائلِ دونه ** حورٌ تُرَجْرِجُ بَضَّ جِسمٍ ناعمِ

فإذا ندمتُ على فراقِ أليفِهِ ** ووريفِهِ ماكنتُ أول نادمِ

تركَ البلادَ مُنقِباً عن رِزقِهِ ** في أرضِ عُرْبٍ - لايَني – وأعاجِمِ

   إن صمت محمد الواثق عن بيان دوافعه وأسباب هجائه لبعض المدن السودانية بشكل واضح ومحدد يعود لرؤيته في أن للقارئ أن يصل ما يصل إليه من رأي، قاعدته في ذلك أن الشاعر ليس أدرى الناس بنقد شعره كما يعود لعدم إيمانه بالمقدمات وبشرح الأغراض، إذ يرى أن ذلك يحول دون استيعاب القارئ التلقائي للشعر."12" غير أن ما انتحاه الواثق من نهج أدبي جرئ أوقع طائفة كبيرة من المتلقين لشعره خاصة السودانيين في حيرة كبرى ودهشةٍ عظيمة وما كان لهذه الدهشة وتلك الحيرة أن تستمرا في النفوس لولا ما تعلق بطبيعة الشخصية السودانية التي تتحرج من سماع العيب فضلاً عن قوله، ولولا الإنتماء العاطفي العميق وغير المسبوق الذي يربطهم بالمدن والمواضع .

    عندما فرض محمد الواثق أشعاره الهجائية في الساحة الأدبية فرض متمرس متمكن، تشعبت الآراء والفرضيات، بعضها إنتهى إلى ما ينتهي إليه متقفو الأثر عند حافة النهر، والبعض قذفت به آخريات إلى المقعد الخلفي. بيد أن الآراء التي صاحب معتقدوها الإحساس بالغضب والإستهجان غابت عنها النظرة الصائبة ولم تخرج عن إطار ما فرضه عليهم ذلك الإحساس المرير، فلم يشيرو إلا إلى النصف الفارغ من الكوب. ولما كانت الحيرة تشاكلهم ظل السؤال لديهم قائماً دون إجابة حاسمة، لماذا هجا محمد الواثق مدنهم بكل هذه القساوة وأخذ بغير هوادة يلقي عليها بحاصب من عسير القول؟.  

   وقعنا على إطلالة ضنينة للشاعر وهو يواجه هذا السؤال فرد قائلاً: "يتسق شعري هنا مع التراث العربي الاسلامي والتوراتي، يتعلق الأمر هنا بالمدينة التي فسدت بعد مهلة إنذارها تجتاحها الأعاصير التي تتواصل أياماً حسوماً فلا ترى لها من باقية. قلبت مدينة صالح أعاليها أسافلها. وقد ترسل الطير تحمل حجارة السجيل كما في أمر مكة، وأضف إلى هذا قوم عاد وثمود وأصحاب الرس.. الأمر لا يختلف كثيراً في الإرث التوراتي.. شطت سدوم في مفاسدها فانطلقت البراكين والزلازل بل تعرض أهلها للمسخ.. أتذكر ما حل بمدينة الأصنام في الجزائر؟ في هذا الإرث الإسلامي التوراتي تكون الأعاصير والبراكين عنصر تطهير تستأنف الحياة بعدها على نمط الحياة الطاهرة المرجوة وإلا عادوت الأعاصير فعلها.. إن مثل هذا الشعر سلك في عمق التراث العربي التوراتي واتخذ الرمز منه""13".. هل كفتهم هذه الإجابة أم أنهم يعتقدون أن محمد الواثق يضمر رداً آخر وينام ملء جفونه عن شوارد قوافيه ليسهر الخلق جراها ويختصموا.

    لا نعتقد أن شاعرنا محمد الواثق قد خطر بذهنه أن قصيدته كوستي ستقوده إلى الحبس بيد أن هذا ما حدث عندما قام بعض مواطني كوستي بفتح دعوى جنائية ضده وعلى إثرها تم اقتياده من مكاتب كلية الآداب بجامعة الخرطوم حيث يعمل أستاذاً بها إلى قسم شرطة الخرطوم شمال كما يقاد الأشقياء، وكان ذلك في نحو العام 1995م. جاءت قصيدته كوستي على النحو التالي:

سُميتِ باسمِ غريبِ الدار نازِحها ما **كان كوستي على قدرٍ من الشَرَفِ

أورَثَها مِن طباعِ الرُومِ ألونةً ** من الفسادِ تَراءتْ داخِلَ الغُرفِ

فصارَ باخُوسُ ربِّ الخمرِ ربهمُ ** ما بينَ مُنْهَمكٌ منهم ومُرتشِفِ

حتى كأنَّ أذانَ الفجرِ يبلغهم ** حيَّ على الشُرْبِ في حانوتِ مُنْحَرِفِ

قومٌ من الطيشِ لا تُرجى عقولهم ** كأنما العقلَ فيهم صِِيغََ من خَزَفِ

إنَّ الإمامَ الذي عَادُوا جزيرتَهُ ** قد كانَ يَخشى على كوستي من التلَفِ

يخشى الزمان الذي قَدْ عادَ مُنقلباً  ** فكانَ يخشى عليهم غصةُ الأسفِ

أما تراني شددتُ الرحلَ مُنْصَرِفاً ** أُحاذِرُ الناسَ في حِلي ومُنْصَرَفي

لا أقربُ الدارَ تَستعلي النساءُ بها ** ولا أقيمُ بدارِ اللهثِ واللهَفِ

كوستي الرديف تُرى بانتْ نَصيحَتُنا ** لكلِ رادفةٍ فيها ومرتدِفِ

   حالت الحكمة وأصحاب العقول النيرة دون أن يستمر هذا الإجراء الخاطئ وغير الناجح في مواجهة الشاعر محمد الواثق، ولا شك أن هذه الحادثة تركت آثاراً لا تمحي في نفس هذا العالم الجليل، وكم كان سيكون عملاً مؤثراً وخالداً لو دافع من نصبوا أنفسهم حماة لمدينة كوستي وأهلها برد أدبي على القصيدة بدلاً عن إقحام الفكر والمفكرين والأدب والأدباء إلى دوائر الشرطة وساحات المحاكم. وليتهم حذوا حذو أهل توتي التي قال عنها محمد الواثق:

النيلُ يسعى لأمرٍ سوفَ يدركهُ **لا حاجزَ سيصدُ النيلَ يا تُوتي

والنيلُ لا ينثني إنْ جاشَ مُندفِعاً **حتى يجاورُ في أرضِ المسَاليتِ

والنيلُ ماضٍ لوعدٍ أن يُطَهِرَها ** سينجزُ الوعدَ يا تُوتي بتوقيتِ

يَرَونَ حربَ قُدومِ النيلِ مأثرةٌ ** كأنما حاربوا في جيشِ طالوتِ

أَلهى أوائلهم عن كلِ مكرمةٍ ** قصيدةٌ للتجاني تُعجبُ النوتي"14"

قصيدةٌ لو أفاقوا ذاتَ توريةٍ **  فيها الحميرُ وتصياحُ الكتاكيتِ

فهل رأيت أناساً في غبائهم  ** من وادي حلفا إلى غاباتِ توريتِ

لله ربك سِرٌ في جزائرِه  ** منها الشهيرُ ومنها خَافتُ الصِيتِ

فَهلْ شَذى زِنْجِبَارَ في قُرنفُلِهَا ** كَرَوثِ أبقارهم في الأرضِ مَفتوتِ

أو شدو مُلهِمَةٍ غنّتْ لمُلْْهِمها ** كلغوِ خرتيتةٍ في إثرِ خِرْتِيتِ

لو كانَ رَبكَ يَرْضَى عن فِعالهم ** لصَوَّرَ اللهُ تُوتي مِثلَ هَاييتي

إذ إنبرى له حينها شاعر توتي الكبير مصطفى طيب الاسماء ورد عليه رداً شعرياً ساخنا،ً كما تصدى له ابن توتي الشاعر الأديب الدكتور الصديق عمر الصديق فرد عليه بقصيدة توخي فيها نفس القافية وحركة الروي ، قال فيها :

 هَجوتَ تُوتي فَخُذْهَا اليومَ قافية ** أوحي إليّ بها شيخُ العفاريتِ

فأعلم بأن قتال النيل مأثرة** أعيت رجالاً وجوماً كالمباهيتِ

ثُر أيها النيل إن الوعد منتظر** لن يخزي الله في يوم الوغى توتي

إن أزبد النيلُ أوجاشتْ غواربه** ذاق الهزيمة من صدٍ وتشتيتِ"15"

قد حازت الشرف العالي أوائلنا** فليس حبلهم منا بـمبتوتي

وبات يحسدنا قوم لأن لنا** فخراً عظيماً ومجداً ذائع الصيتِ

أما التجاني لما قال قافيةً** تحكي شعور فؤادٍ منه مبهوتِ

شاقته توتي بحسنٍ لا نظير له** كأنما اشتُق منه سحر هاروتِ

شتان بين بلاد في قرنفلها** لم ينجها حسنها من بطشِ طاغوتِ

وبين توتي وقد صانت محارمها** رجالُ صِدقٍ من الصِيدِ المصَاليتِ

لن تبلغ النية الشوهاء مبلغنا** حتى وإن غنمت أسلاب جالوتِ"16"

ان الجزائر لا ترقى لهامتنا** لا صَيَّرَ اللهُ توتي مِثلَ هَاييتي

وليتهم تمثلوا بسلوك الشاعر اللواء أبوقرون عبدالله أبوقرون الذي نافح عن مدينة كسلا شعراً بعد أن سقطت على يد جيوش محمد الواثق الهجائية وقوافيه الشعرية المدبجة بأسلحة القول الفتاكة. فلما قال محمد الواثق عن كسلا:

ماذا تقولُ لقومٍ من كسالتهم ** سَمَّوا مدينتَهُم يا أُختنا كسلا

أوشيكَ أشعثَ مُغبَرٌ له ودكٌ ** لو فاض بالقرب منه القاش ما اغتسلا

إذا هممت لمجدٍ كان همهمُ ** البُن والتمر والتمباك والعَسلا

التاكا اسمى من التوباد عندهم ** وست مريم حاكت فيهم الرسلا

تصدى له أبوقرون منافحاً عن كسلا برد شعري جميل جاء على نفس القافية وحركة الروي قال فيه:

إني أقولُ لقومٍ من بسالتِهم ** يغدو صغيرهم يوم الوغى بطلا

(تاماي) تعرفهم (هندوب) تذكرهم ** ما فرّ فارسهم يوماً وما انخذلا"17"

شُعْثٌ شعورهم سُمْرٌ وجوههم ** بيِضٌ سيوفهم سَلْ عنهموا كسلا

سَلْ كَبْلََنا عن قصيدٍ قالَه طرباً ** وسَلْ جرهام وسل مصطفى الهدلا"18"

إذا رأيت سماء الشرق صافية ** أيقن بأن هميلَ المُزْنِ قد نزلا

إذا رأيت أسود الشرق نائمة ** لا تحسبن نومها يا واثق كسلا

    ظلت وادي حلفا بعد اغراقها جرحاً دامياً ونازفاً في قلوب أهليها وعشاقها، وعد النزوح عن هذه المدينة سواء كان اختيارياً أم قسرياً تجرّد من الحب وتخلى عن الحماية في نظر الكثيرين، ومن بين أولئك الأستاذ الباحث والشاعر النوبي ميرغني محمد ديشاب الذي تمسك وإلى الآن بالبقاء في وادي حلفا أو بالأحرى بالبقاء في ما تبقى منها، وقد عبّر عن مأساة النزوح وإغراق وادي حلفا بقصيدة دالية عصماء رفلت في خمسة وثلاثين بيتاً سعت إلى جمالها الجوائز واحتفت بحسنها المنابر، عنّ لي أن اقتطف شيئاً من أبياتها لنرى إن كانت قصيدة محمد الواثق اللاحقة (وادي حلفا) تسير على وتيرة معانيها أم تقاطعها. يقول ديشاب في قصيدته المشار إليها:

الله يعلمُ والخليقة تَشْهَدُ  ** أن غالها الدهرُ العصيُ الأخلدُ

فخريدةٌ وِئدَتْ فأبكَتْ أهلها ** جزعاً فكيف على صباها توأَدُ

(أوهين) يا مبنى الملوك تهدّمت ** أطواده أضحت بها لا تصمدُ"19"

فصخوره في الماء تبكي حتفها ** قد لان للماء البناء الأصلدُ

غرقى تشب رؤوسها فكأنها ** للناس وقت خناقها تستنجدُ

 فوق البيوتِ حَمَامَها في حيرةٍ ** فكأنها لِحِمَامِها تتشهدُ

يا ذاهباً عن أرضِها وديارها ** حلفا تقول لك أين اين المَولِدُ

ليس المحب بصادقٍ لو أنه ** في ليلةٍ من حبه يتجرّدُ

يا تاركين جدودهم بترابها ** عافين خيرات بها قد أوجدو

وميممي أرض غريب أهلها ** والوجهُ واللَسِنُ النَطيقةُ واليدُ

خلا ابوكم جنة بطيوبها ** ما لابن آدم موضع يتخلدُ

في العام 1999م وبعد ربع قرن من إنشاء هذه القصيدة يقول محمد الواثق عن وادي حلفا قصيدة لم يقبل ختامها إلا ضماًوتعريضاً بتوتي.. تقول القصيدة:

لو كانَ فيكِ رِجالٌ يُستضاءُ بهم ** لما مكثتِ بقاعِ النيلِ يا حلفَا

إذا ذكرتُ الصبا حنت لصورتها **(أرقين) والمسجد المعمور والمرفَا"20"

وعادني جبل الصديق أذكره ** احتار في آيتيه الكهف والكفَا

معاِلمٌ لو مفيض الدمعِ من شيمي ** إذن جعلت دموعي دونها وقفَا

ماذا تقولين يا (إشكيت) في نفرٍ ** باعوا حماكِ وخَانوا العهدَ والعُرفَا"21"

تبدلوا بعد صنوان النخيل بها ** أرضاً تَناثرَ فيها السدر والطرفَا

تسعى الثعابين في أنحائها فِرَقاً ** إذا دوى الرعدُ في أرجائها قصفَا

خانوا العهود فيسموا الضيم يلزمهم ** لا يملكون له عدلاً ولا صرفَا

أَحْبِبْ بأوشيك رغم الجهد ضافهم ** وصارَ في أرضِهم من بعدِهم ضيفاَ

ماذا وجدتِ بقاعِ النيلِ يا حلفا ** تلك العرائس تُلقى عنده زُلفى

فيا عروساً مضى لليمِ موكبها ** حارت نفرتيتي في أعطافِها وصفَا

كم راود النيل في الشطآن غادته ** لكنه عاشقٌ قد يُضمر الحتفَا

فإن طوى النيلُ في أعماقه حلفا ** لقد رأيت بتوتي النيل ملتفَا..!

   وتستمر أنشودة هجاء المدن لدى الواثق لتمر مروراً عابراً بمدينة الحصاحيصا وتصيبها برشاش   قاتل، ثم تنتهي بمدينة ودمدني التي جاءت في وصفه بخيلة لا تجود. وفي هذا استدعى الشاعر أخطر معاني الهجاء في الشعر القديم فأتى بما يشبه التناص لبيت ومعنى للحطيئة مشهورين. يقول الواثق في قصيدته مدني:

لولا العُلا لم تجب بي ما أجوب بها ** وجناءُ حرْفٍ ولا بصات ودمدني

أقول للحصاحيصا إذا مررت بها ** آويتِ من طردتِ يا بؤرة العفنِ

غادرتها وطريق الموت تحففه ** قرى الملاريا حذاء الجدول العطنِ

حتى توجهت والأقدار ماثلة ** لمعشر زعموهم سلة الوطنِ

قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ** قالوا لأمهم بولي على القطنِ

شحت ببولتها وهو السماد لهم ** بئس السماد وبئس القطن يا مدني

  وأخيراً نقول لمن يعتقد أن عالمنا الحنذيذ محمد الواثق قد قصد محض الإساءة لبعض المدن السودانية عن حقد مقيم في دواخل وعرة أو أن ذلك قد نجم عن استعلاء أو عبثية أو حطيئية إنكم واهمون، وندعوهم  للعودة لنصوص الشاعر وقراءتها دون غضب أوهياج، واستصحابها بمصادقية وحياد، وأن يستبطنوا قعورها، ويسبروا كنهها، ويغوصوا في دواخلها، ويستنطقوا كلماتها وحروفها، ويتحاورون معها. علها تهمس في آذانهم بأن أم درمان ليست  سوى فتاة هام بها الشاعر ذات يوم، أو أنها رمز لحاكم متجبّر أو سلطة باغية، وأن كوستي وتوتي وكسلا ووادي حلفا ومدني ليست نصوصاً تعبر عن مواقف من هذه المدن آمن بها الشاعر واستدعى لها وجداناً قديماً كوجدان الشاعر النجاشي الحارثي في موقفه من مدينة الكوفة، أو وجداناً حديثاً كوجدان الشاعر أودينيس في موقفه من مدينة بيروت. بل لعلها تعكس أحلام التغيير التي ينشدها الشاعر من خلال أسلوب الصدمة العنيفة، وتدميره لأصنام العزة المصنوعة، ونزعه لبراقع القداسة الموضوعة، التي طالما أغشت الأعين، فلم نر موقعنا الحقيقي من الشعوب والأمم. وعليهم أيضاً أن يكشفوا عن المعاني المستترة خلف كلمات الهجاء المر، والرمز الكامن بين طياته، عن طريق مصادقته وإدامة النظر إليه. وأن يبحثوا عن تلك الآصرة التي تربط هذا الهجاء بالقصد الحقيقي والحالة الشعورية والعاطفية للشاعر، وألا يتناسوا تضحيات هذا الشاعر من أجل هذا الوطن وحبه العميق له، وكيف أنه يؤدي واجبه في صبر وصمت وبتفرّد وإتقان وأنه الفارس الأعزل الذي قال:

ولو شئت أملت في منصبٍ ** يطيبُ به الظلُ والمأكلُ

ولكنني شئت أن اعتلى ** أحلق ما حلقَ الأجدلُ

(1) راجع " ليت شعري" باب د. عبد اللطيف سعيد بصحيفة الصحافة السودانية الصادرة بتاريخ15/ يناير 2007 بعنوان"محمد الواثق الذي حير الأدباء".

(2) هي مؤسسة أدبية كويتية تهتم بالتوثيق والثقافة الشعرية يرأسها الشاعر عبد العزيز سعود البابطين.                                      (3) كتاب فصول في النقد د. المليك.

(4) راجع " ليت شعري" باب د. عبد اللطيف سعيد بصحيفة الصحافة السودانية الصادرة بتاريخ15/ يناير 2007 بعنوان"محمد الواثق الذي حير الأدباء".

(5) راجع إضاءة الطبعة الأولى لديوان أم درمان تحتضر.

(6) أنظر البحث التكميلي للأستاذ الفكي محمد الحسن المقدم لقسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة أم درمان الإسلامية بعنوان"أم درمان في شعر محمد الواثق".

(7)  أنظر المقالة النقدية للدكتور محمد وقيع الله المنشورة بموقعي سودانايل وسودانيزأون لاين الإلكترونيين بتاريخ 18/11/2008 والتي جاءت بعنوان "في عوالم محمد الواثق الشعرية ـ الإنفصام والشكوى والسخرية والسخط والهجاء".

(8) مجلة الثقافة السودانية العدد 29  أغسطس 1995 ص 145.

(9) نظرية الأدب ص 146. أنظر دراستنا عن الرمز في الإبداع الشعري المعاصر.

 (10) التصوير الشعري للدكتور عدنان حسين قاسم.

(11) " الواثق على بوابة المدينة المحرمة" مقال للأستاذ محمد عبد الخالق. صحيفة أخبار اليوم السودانية الصادرة بتاريخ 25 أكتوبر 2006.

(12) إضاءة الطبعة الثانية "ديوان أم درمان تحتضر".

(13) حوار الأستاذ التقي محمد عثمان مع الشاعر بالملحق الثقافي لصحيفة الصحافة الصادرة بتاريخ 22 أغسطس 2006.

(14) المقصود هو الشاعر السوداني المعروف التجاني يوسف بشير وقصيدته " توتي في الصباح " أنظر ديوانه "إشراقة" كما أنظر كتاب حياة التيجاني من شعره  الصفحات من106 إلى 115.

(15) الغوارب: أعالي الموج. وجالوت أو جوليات بالعبرية هو محارب فلسطيني معروف وصف في العهد القديم وفي القرآن الكريم"وآتاه الله الملك والحكمة" البقرة آية 251.

(16) النية هي قرية الشاعر محمد الواثق.

(17) تاماي: إسم معركة قادها المناضل السوداني عثمان دقنة ضد المحتل الإنجليزي.هندوب: موضع في ديار البجة شرق السودان.

(18) كبلنا: المقصود الفنان السوداني عبد الكريم الكابلي. جرهام إسم علم ومصطفى الهدل إسم علم من شخصيات البجة.

(19) أوهين: مبنى أثري يقع غرب مدينة وادي حلفا " حلفا القديمة".

(20) أرقين: قرية غرب وادي حلفا.

(21) إشكيت: أول قرية شمال وادي حلفا.