إن الصلة بين حياة الأديب الفرنسي المعاصر (جان جينيه) 1910 ـ 1986 الذي نزع نحو الجنوح والشذوذ وإبداعه الأدبي هي صلة وثيقة تقع في إطار فهم الظاهرة الإبداعية لديه ويجب ألا نتحاشى ذكرها عند دراسة إبداع هذا الأديب المؤلف تحدياً للحقيقة وامتثالاً لمقولة إنه لاحياء في العلم وإن إماطة اللثام عن هذا الأديب الذي فضح نفسه ـ شأن الكثير من الأدباء العالميين ـ بصراحة شديدة واعترافات مذهلة تضع القارئ العربي أمام حقيقة أن الحرية التي يتمتع بها الكاتب الغربي تتضاءل أمامها تلك الحرية المزعومة التي يتمتع بها الكاتب العربي ، وفي هذا الإطار يعلق جان جينيه أهمية قصوى على حرية التعبير عن أفكاره مهما بدت غريبة في أعين الآخرين، وأنه ليس مولوداً بالشر والإنحراف كل ما هناك أنه يستسلم لنوازعه دون أن يحس فيها بأدنى عيب أو غضاضة، ويقول فيما يتعلق بالنوازع المثلية لديه: أنه لايعرف عنها شيئا بالمرة، ويتساءل: وماذا يعرف الناس عنها؟ ويجيب قائلاً: إن هذه النوازع المثلية فُرضت عليه كما فرضت على عينيه ألوانها. غير أن الكاتبة(سيمون دي بفوار) عشيقة صديقه الفيلسوف( جان بول سارتر) تقول إن مؤلفنا ـ تعني جينيه ـ كان منبوذاً من المجتمع منذ أن رأت عيناه النور، فلا غرو إن رأيناه لا يكن أي إحترام لهذا المجتمع، وأن يحاول الإنتقام منه عن طريق السلوك الشائن المعيب.
ولكننا نجد أن نشأة وسيرة جان جينيه تلقي ضوءً أكثر من ذلك الذي قالت به سيمون، مما يجعله أكثر عرضة وإغراءً لقراءة أدبه قراءة نفسية. فقد تشكل فيه الإنحراف وتوثقت عرى العلاقة بين أدبه ونفسيته. فجان جينيه الذي إختارته في العام 1976 مؤسسة لاروس كواحد من أدباء فرنسا العظام، ولد لإمرأة غير متزوجة إسمها(كامبل جابراييل جينيه) التي عهدت به إلى ملجأ لرعاية اللقطاء في العاصمة الفرنسية باريس، وبما أنه مجهول الأب فقد نسب إلى أمه فأضحى اسمه جان جينيه، وقد نشأ نشأة تضافر فيها الجنوح والإضطراب، ورغم أن حياته تقلبت ما بين التشرد والترحال والإملاق والثراء العابر الذي كان يجنيه من نشر كتاباته إلا أنه في كل الأحوال لم يتورع من إرتكاب جرائم السرقة، مما قاده للسجن أكثر من إثني عشر مرة، ولا يفتأ أن يعترف بلصوصيته كما حدث وأخبرنا خلال سيرة حياته الروائية( يوميات لص ).
وقد تأثر جينيه تأثراً عميقاً بالكاتب المنحرف( جوهاندو) الذي إلتقاه وتعرف إليه خلال سجنه عندما قال له: إن السجن ليس سجناً بل هو المهرب والحرية ففيه يستطيع الإنسان الهرب من تفاهات الحياة كي يعود إلى جوهرها. وعندما قال جان جينيه: إنه يتوق إلى الإقلاع عن السرقة وأن يكسب قوته عن طريق التأليف والكتابة. فإذا بجوهاندو يعترض على ذلك قائلاً: يا صديقي إنه من المؤكد إنك تمتلك نوعاً من الموهبة في الكتابة، ولكن لاتحاول إحترافها وإلا أفسدت كل شيئ، وإذا شئت أن تصدقني فينبغي عليك الإستمرار في السرقة.
إن مناصرة جينيه للمضطهدين والسود والعرب والفقراء والمشردين والقضية الجزائرية والفلسطينية هي نتاج تحويل تجاربه في الحياة ــ كما يقول ــ إلى تجربة عامة يحس فيها بآلام الموجودين من البشر في كل مكان. على أننا نجد أن علاقاته مع أصدقائه كلاعب السيرك الجزائري( عبد الله بنتاجا ) والتي أثمرت عن بعض إبداعاته ككتابه( فنان الأسلاك العالية) ومسرحيته ذائعة الصيت ( السواتر) وهناك الكثير من الشواهد الدالة على أن شخصية سعيد المحورية في هذه المسرحية مستمدة من شخصية عبد الله الذي يعتبره جينيه من أهم عشاقه المقربين في حياته على الإطلاق، والثاني هو( ديكارتين) وهو يساري إنخرط في مقاومة الإحتلال النازي لفرنسا.
كان جينيه في إعترافاته بهذه العلاقات المثلية الشاذة يتباهى في صفاقة لاتدانيها صفاقة إلا صفاقة ذلك الجندي الأمريكي الذي أفشل كميناً نصبه الفيتناميون وقتل منهم عشرة جنود فمنحوه وساماً وعندما قبضوا عليه متلبساً بممارسة الشذوذ مع أحدهم فصلوه من الجيش الأمريكي فأرسل رسالة لإحدى الصحف قال فيها: منحوني وساماً عندما قتلت عشرة رجال وفصلوني من الجيش عندما أحببت رجلاً واحداً..!
لعلنا واجدون في قصيدة جينيه المعروفة(الرجل المحكوم عليه بالموت) إسقاطات بذيئة وإعترافات بجنوحه وشذوذه وقد أنشأها بين جدران السجن الذي يعتبره المكان الأمثل للكتابة والمهبط الذي يؤثره الوحي الشعري وهو نفس المكان الذي كتب فيه رائعته ( معجزة الوردة ) وهي رواية تزخر بالرموز المستمدة من حياة القرون الوسطى وتقع أحداثها في دير تابع لعائلة (البوربون) المالكة قبل أن تندلع الثورة وتحوله إلى سجن والمعجزة التي تناولتها الرواية تتلخص في أن الأغلال التي يرسف فيها السجين تتحول إلى أكاليل غار وورود والرواية تصور حياة السجين على أنها شيئ مقدس فهي أقرب ما تكون إلى حياة النساك والرهبان والقديسين وهي تخلو تماماً من متاع الدنيا.
شق جينيه طريقه نحو الشهرة والمجد عند توزيع روايته (عذراء الزهور) فقد أراد جينيه من منطلق النتوءآت التي نمت في أعماقه بسبب الجنوح والشذوذ أن يبصق على وجه المجتمع الفرنسي البرجوازي المنافق وأن يفضح بصدق كل مظاهر الزيف والإدعاء من حوله فلم يجد وسيلة إلى هذا غير الإمعان في الفحش والبذاءة والكتابة عنهما.
كان حريَّاً بجينيه أن ينضم إلى منظومة كتاب فرنسا العظماء كما رأت مؤسسة لاروس فقد كان كاتباً شاملاً ومبدعاً حقيقياً كتب الشعر والرواية والمسرحية وسيناريوهات الأفلام ومارس الإخراج السينمائي عندما أخرج فيلماً سينمائياً بعنوان (أغنية الحب) عن كتاب له وغير ذلك كثير من الأعمال الإبداعية في مجال الأدب مما لم نتعرض له بقدر إعراضناـ بسبب الإيجازـ عن تلك الجوانب الأكثر قتامةً في حياة هذا المؤلف الذي إستطاع أن يذيب النوازع الفتاكة القابعة في دواخله في بوتقة الخلق والإبداع الأدبي والفني الذي أخذت آثاره تنداح في العقول والمشاعر وتمكنه من تغيير نفسه على نحو مذهل عندما إسودت الدنيا في ناظريه وتكررت محاولاته للإنتحار واعتبر نفسه لعنة.
في مرحلة متأخرة بعض الشيء من حياته إتخذ جينيه من المغربي (محمد القطراني) عشيقاً له وهو أصلاً مفتون بالشرق الذي جاب نهاده ووهاده وعندما أصيب بسرطان الحلق وشعر أن برودة الموت بدأت تسري في أوصاله أوصى أن يدفن في مدينة (لاراش) المغربية ولم ينس أن تشمل وصيته المالية في قسم كبير منها على عشيقه لاعب السيرك عبدالله بنتاجا ومحمد القطراني وإبنه الذي أطلق عليه جينيه إسم عزالدين تأثراً بأحد المناضلين الفلسطينيين.
في باريس وعند حلول ليلة الرابع عشر من شهر إبريل العام 1986 رحل جينيه عن الدنيا فأصر محمد القطراني أن يأخذ جثمانه حسب ما أوصى ليدفن في مدينة لاراش المغربية واختار البقعة التي كان يلعب فيها مع ابنه عز الدين لتكون مثواه الأخير وهي قريبة من المنزل الذي إشتراه جينيه هدية لصديقة محمد القطراني الذي بكاه مر البكاء وفي يأسه استقل سيارته ـ كانت هي الأخرى هدية من جان جينيه لأبي عزالدين ـ ليرتطم بشجرة ويتوفى في هذه الكارثة التي كانت أقرب للإنتحار منها إلى الحادث.
شعر المغاربة بالفخر لأن هذا الكاتب العظيم دفن في ثراهم وكانت الحكومة المغربية قد عرضت إيفاد فرقة موسيقية عسكرية لإستقبال الجثمان عند الطائرة حال وصوله بيد أن أصدقاء جينيه رفضوا هذا الجو الرسمي في تشييع الفقيد الذي آثر البساطة ونبذ الغنى والمظاهر الزائفة.
وقد رأى الفيلسوف الفرنسي سارتر في جينيه شخصية القديس من خلال السفر الذي ألفه عنه متعرضاً من خلاله لحياته وأدبه ومن ضمن ما أوره في كتابه الذي جاء تحت عنوان "القديس جينيه ممثلاً وشهيداً " كتب سارتر: "إذا كان جينيه قد حددّ عالمين متعارضين ومتعاديين هماعالم الشر وعالم الخير، فإن كلا العالمين قددفعاه نحو الخلف!. وهذا ما ضاعف لديه الأحساس بالإثم.طرقه وأساليبه البرجوازية النكهة التي لم يفقدها بعد تماماً ولدّت لديه إحساساً بالإذلال في أن يكون عارياً يرتدي فقط مقدرات عقلية لا توصف!. وحين إختار ميدان الشر راحة له وإغاظة للآخرين كان عليه أن يعترف بحقيقة واحدة وهي أن هذا الميدان هو أكثر شروراًمنه..".
لم يختر جينيه عالم الشر بمحض إرادته بل دُفع إليه بعنف وقوة من الخارج، أما السجن الذي نعثر عليه في جل أعماله الروائية والشعرية والمسرحية، والذي يبدو سجناًواقعياً حيناً ومجازياً حيناً آخر، فتسويغه أن الكاتب عاش منذ طفولته مشرداً ولصاً، لذاأصبح السجن ملجأه الوحيد، وهو حقاُ المكان الحر والمنزل الآمن لإنسان منبوذ من عائلته أولاً حيث تخلّت عنه والدته وهو في العاشرة من العمر ليعيش ذليلاً على موائد الآخرين، ولأنه مرفوض من المجتمع ذاته ثانياً، ذلك المجتمع الذي تعامل معه مثل كلب سائب وسارق صغير،وجملته الشهيرة " سوف أكون لصاً " ماهي إلا فعل ضخم وخطير لخيار وجودي.
إن غربته القاسية يمكن أن تجد لها صدىً حزيناً في كلماته التي كتبها عام 1977 وهو يصف تلك الأنعطافة الحاسمة في موقفه من حياته، حيث يقول: " لقد تعلمت أن أكون غريباً بطريقة مضحكة وحمقاء جداً. ففي أحد الأيام طلب منا المدرس كتابة موضوع صغير يصف كل واحد منا بيته، وحين إنتهيت من كتابةالموضوع، قرأه المدرس بصوت عالٍ أمام التلاميذ، وما أن إنتهى من ذلك حتى ضج الجميع بالضحك والسخرية مني قائلين: " ولكن هذا ليس بيته.. إنه لقيط.".
لقد كان جينيه زبوناً دائماً للسجون وقد كتب جل أعماله في سجونه الأنفرادية تلك، بل وحتى في خروجه منها ظلت تلك الزنازين الرطبة والمعتمة هاجسه الوحيد،وما خياره لفضاءات الشرور والجريمة تلك، إلا بمثابة نوع من الثأر وإغاظة الآخرين ممّن نبذوه. إلا أن التمرد الذي يكون مبعثه الغيظ لا يقود في الآخر إلا إلى خراب وهزيمة للتمرد الأكبر حتماً، ذلك أن الغضب هو إحدى العلامات الموحية بعقدة النقص والإحساس بالدونية.
إن جل نتاجات جينيه تكشف عن معضلته الخاصة ، إلا أنه لم يكن مطلقاً بطلاً للجريمة أو مبّشراً بالشرور، فكل ما سعى إليه هو محاولته الغوص عميقاً عميقاً جداً نحو القعر، هناك حيث بالإمكان العثور على حالة أكثر نقاءً وإجلالاً من عالم يطفح في البؤس والشرور.إن قبوله برفض المجتمع له وغوصه في المناطق المحظورة والمحرّمة أخلاقياً قاده إلى قاع الرفض المطلق، ذلك القاع الذي أحالته مخيلة جينيه إلى ما يشبه المطهر، على الرغم من أن طقوسه تلك تجري ضمن دائرة الشر!.

في الشرق الأوسط الذي أحبه جينيه واتخذ فيه علاقات أمتدت إلى الأدباء والسياسيين لمناصرته للقضية الجزائرية والقضية الفلسطينية وحبه للمغرب التي شاء أن يدفن فيها لاقى إحتفاءً في حياته وبعد مماته فالمغاربة والجزائريين يقيمون له المعارض ويحتفون بأدبه والفلسطينيون يقدرونه ويحترمونه خاصة بعد موقفه من مذبحة صبرا وشاتيلا وما كتبه عنها.
كانت مصادفة كبيرة حقا في حياة جان جينية ومسيرته وتجربته ؛‌فهذا الكاتب ، الذي أحب الفلسطينيين وأيد القضية ‌الفلسطينية ، شاء ‌القدر أن يجعله شاهدا على تلك المجزرة التي حلت بهم ، وبدت نموذجا للقتل الجماعي الذي طالما تعرض له الشعب الفلسطيني كان جان جينيه مصابا بسرطان في الحنجرة ،‌وكان يعاني هجره الكتابة عندما وجد نفسه فجأة في بيروت ، بل في المخيمين ، هو الذي عاش سنوات مع الفلسطينيين بدءا من العام 1970 في مخيمات جرش وإربد في الأردن ، وأعجب ببسالة الفدائيين وكتب عنهم ،‌لم يصدق ما شاهده في صبرا وشاتيلا .

كان أكثر ما جذبه إلي الفلسطينيين تحولهم من منفيين ولا جئين إلي ثوريين مصممين على استرجاع هويتهم وأرضهم » كما يقول ف كتابه الشهير (أسير عاشق ) وكان معجبا جدا برمز الفدائي ذاك ، الذي يغامر بحياته من أجل قضيته ، فيذهب تحت جنح الظلام لإلقاء قنابل أو زراعة ألغام في إسرائيل . رحلة قد يعود منها ويكون كمن عاود الصعود من الجحيم ، أو قد لا يعود ‌. وجان جينيه الذي كان يكره الغرب ويؤيد حركات التحرر في العالم أجمع ، كان يجد في إسرائيل صورة للغرب المزروع في العالم العربي . وهو يقول في هذا الصدد مخاطبا الفلسطينيين : إسرائيل هي الغرب مزروعا في بلادكم ، لذلك فإن عدالة القضية في حالة المقاومة الفلسطينية بديهية بالنسبة إلي ، ولم يتوان جينيه في وصف إسرائيل بـبؤرة الرأسمالية الغربية.
غير أن علاقة جينيه بالفلسطينيين وانبهاره بالعمل الفدائي لا يرجعان إلي عدالة القضية الفلسطينية فقط . فالكاتب الذي كان يعتبر نفسه ابن العار لكونه نشأ بلا أم ولا أب ، أو مجهول الأب ، بعدما توفيت أمه وهو طفل ، وجد في القضية الفدائية وكذلك في قضية الفهود السود في أمريكا نوعا من « الكفارة » لا عن ذنوبه هو ، وإنما عن ذنوب أبيه المجهول وأمه التي رحلت مبكرا ، وعن ذنوب المجتمع الذي جعل منه ضحية بامتياز . ولذلك وجد جان جينيه في العمل الفدائي شيئا من الفعل الميتافيزيقي . فالفدائي الذي طرد من أرضه وفقد بيته وأهله غدا أشبه بالبطل التراجيدي الذي يتحدى القدر ويدفع من دمه وجسده ثمن ذلك التحدي.

أما جان جينيه فيصف نصه الذي كتبه عن صبرا وشاتيلا بقوله : « إنه نوع من حكاية صغيرة كتبتها ، حكاية لم أكتبها انطلاقا من أفكاري ، حكاية كتبتها بكلمات هي كلماتي ولكن لأحكي عن حقيقة ليست حقيقتي » . ولعل هذا النص الذي كتبه جينيه أعاده إلي عالم الحياة بعد أن اجتاز الكابوس ، مثلما أعاده إلي عالم الكتابة ‌بعد أن انقطع عنها سنوات . والنص هذا أعقبه كتاب جان جينيه الشهير « أسير عاشق » الذي كان آخر كتاب له قبل رحيله عام 1986 وقد أغمض عينية من غير أن يبصره مطبوعا.