ينحدر شاعرنا "محمد شريف العباسي" (1918م -2003م) من ارومة كريمة حفظ لها التاريخ أمجاداً توارثها كابراً عن كابر، فوالده " محمد سعيد العباسي"
شاعر الصولة والجولة وباعث نهضة الشعر العربي في السودان، وجده لأبيه الأستاذ "محمد شريف ولد نور الدائم" أستاذ الإمام المهدي ومميز العلماء، وحفيد القطب الولي الصالح الشيخ "أحمد الطيب ابن البشير" العالم الإسلامي الذي أدخل الطريقة السمانية الى مصر والسودان، وجدّ شاعرنا لأمه البطل السوداني الزبير باشا ود رحمة منصور العباسي.
ولد شاعرنا بقرية (الشيخ الطيب) (أمَّرحي) ويقال لها (ممرح) وتبعد نحواً من خمس وثلاثين كيلو متراً شمال أم درمان على الضفة الغربية من نهر النيل، وينتسب الى قبيلةالجموعية الذائعة الصيت. كانت نشأته في كنف والده في بيت دين وعلم وأدب، تتردد في أصدائه موسيقى القصائد الصوفية المحبة المبتهلة والأوراد المسجوعة والأناشيد المنظومة مما وضع في شخصيته آثاراً بائنة، فتسربله بسمات هذه الدوحة الصوفية الوريفة جعلته كريماً ووفياً وعطوفاً وامتلأت جنباته بالشجاعة والعزم والصدق وورث رهافة الحس ونبل المشاعر.
حفظ شاعرنا القرآن الكريم بخلوة جده الورع الشيخ زين العابدين أبي صالح وتلقى تعليماً آخر قبل أن يتوقف تحصيله العلمي بنيله شهادة معهد ام درمان العلمي، وفي فجر صباه أقترن بالسيدة آمنة إبنة السيد الطيب ابراهيم الإمام والطيب هذا إبن عم والده وصديقه أنجبت له السيدة آمنة – رحمها
الله- إبنه المهندس عبد المحمود، ثم أتخذ له طريقاً آخر في الحياة عندما إتجه نحو بوادي الكبابيش التي أحبها حباً نبع عن معرفة وثيقة، فقد كان يطوف بها في أيامه الباكرة مرافقاً لوالده فتشرب لغتهم ومفرداتها البدوية ذات الأصل العربي ومازجها بلغته البطانية المكتسبة وعامية نهر النيل فكان هذا المزيج أداته التي اتخذها ليعبر بها عن إبداعه الشعري رغم أنه كان متمكناً من اللغة العربية الفصحى.
حمل محمد شريف العباسي قيم البداوة العربية العريقة والنبيلة عندما إقتحم حمى ديار الكبابيش وقد سانده ذلك الحب العظيم الذي كان يكنه أهل البادية لوالده فعرف نهادها نهدةْ نهدة ووهادها وهدةً وهدة فنشأت بينه وبينها إلفة ومحبة ولكنه كان مقسم الفؤاد يحن لدياره واهله وولده وعشق البادية قد أقام في فؤاده وتمكن، فصور لنا هذه المشاعر التي تنازعه بقوافٍ تفصح عن ملكة شعرية قوية وعن تعبير ملؤه الحنين والوفاء، فعندما أعادت له القماري بهديلها الشجى ذكرى أهله واحبته وولده قال وهو يفيض رقه
وتحناناً:
بَعَدْ مَا قُنَا رُقْنَا ومِنْ سَهَرْنَا هَجَعْنَا
كَرْ يَا قُمْري لا تْسَرِّبْ عَلينا وَجعْنَا
حَبينَا البَوادي ومِن اهلنا نجعْنَا
يا رَيتْ كُنَا مِن أَولْ شُهُورَنا رَجَعْنَا

وهذا الطائر المغرد يثير في نفس شاعرنا أشواقها التي تلهبها النسائم وهو بعيد عن مثوى أهله فيقول:

غَصباً عَني فَارقتَ الضَرِيحْ غَيرْ أَمْري(1(
وكُلْ مَاهَبَّ نَسَّامْ مِنُو زَادْ في جَمْري
جرحي القَرَّبْ يِبرَي وكَاد يوَّدِرْ عُمْري
عَوَدُو ليْ تَغرْيدْ بُلْبَلكْ يَا قُمْري

في إستقرائنا لأشعار محمد شريف وجدنا صوراً كثيرة تعبر عن الحنين للأهل وعن حبه الذي نما في ديار الكبابيش التي طاب له فيها المقام، خاطب صديقه الوفي والشاعر الفحل (شيخ الجيلي دفع الله الكباشي) بمعانٍ تشي بالأشواق وبشعر ينبئ سمته الرائع ورنينه العالي عن حنين جارف وحب عظيم. يقول:

البَارِحْ بَعدْ كُلْ الخُلوقْ مَا هَجَعُو
عَاوَدْ قَلبْي ضَرَبَانُو المَردَّفْ وَجَعُو
أنا يا الشيخ مُطاردةْ العِريبْ النَجَعُو
ما بتَبقَالي بَدَلْ القَدَموني ورَجَعُو

هكذا كان محمد شريف تسوقه نفسه لحنين يتدفق بين جنبيه وحب يخالطه الوفاء للأهل والأحباب والأصدقاء ولا غرو فقد كان مطبوعاً بالكرم والشجاعة والاخلاص وسمح الخصائل. ولما كان عريقاً في أصله وسليل أشياخ كرام فرض عليه الحال أن يقوم في مناحي ديار الكبابيش بدور مهم ورسالة سامية وهي تعزيز الفهم الإسلامي السمح في أوساط البسطاء من أهل الكبابيش فتتلمذ على يديه منهم عدد كبير وحفظوا برواياته القرآن الكريم وعلمهم مبادئ ومناهج الطريقة السمانية، فاحتفظوا له بهذا الدور وأحبوه وبجلوه.
كان محمد شريف كوالده لم يتخذ ديناً لدنياه مأرباً، إعتمد على تربية الماشية خاصة الإبل في كسبه، وحدث ذات مرة أن فقد عدداً من الإبل فأخذ يبحث عنها وهو يمتطي صهوة جمله (أبو كريت) وعندما وصل منطقة (البِّدَيَّاتْ(التي يمتلك فيها أيضاً بعض الإبل علم أنها الأخرى قد فقدت فأخذ يندب حظه مخاطباً جمله أبوكريت بمربعِ لا يخلو من الأسي والحب والأشواق قال فيه:

يا أبو كرِيت بشوفْ نَجْمَاتْ سُعُودنَا اِنْدَرَقَّنْ
دَيلْ رَايحِاتْ ودَيلْ مِنْ البِدَيَّاتْ فَرَقَّنْ
البَلَدْ العَليْ سِهَمُو النَعَاَيمْ مَرَقَّنْ(2)
قَلِبي بِدُقَلُو الرُمْبَّة و مَعَالقُو انْحَرَقَّنْ(3(

كان محمد شريف أشبه الناس بوالده فقد كان وسيماً طويل القامة قوي البنية ذا شخصية قوية ومهابة وعطوفة وورث عنه اخلاق العربان وشجاعة الفرسان وحب الفروسية والأيانق فقد كان يسافر على ظهر النوق ويقطع بها المسافات البعيدة ويقتني أجودها وأكرمها وأبعدها أصلاً كجمله الشهير (التِلب) وجمله (أبوخديد) و(أبوكريت) كما ورث عنه حب البادية فقد أحب محمد شريف ديار الكبابيش حُبّاً كبيراً إحتفظ به طوال حياته والتصق بأماكنها ومواضعها إلتصاقاً وثيقاً فنراه يقول:

الشِتَا جَانا بيْ بَرْدُو وسِحَابُو الدَكَّنْ
ولِسَه قِيودنَا مِن أم بَادِر أَبَنْ ينفَكَّنْ
وَدَّ اللَّريَلْ اللُّمَاتُو بالصَيِ جَكَّنْ
فُراقُو خَلى رِيشاتْ القَلِبْ مَا بْرِكَّنْ

ويقول وقد حطت على مربعه ثلاثية الدوبيت الخالدة باقانيمهاالشاعر والمطية والمحبوبة – وهو يذكر مواضعاً عزيرة على نفسه:

البَقَِريَه قُلْعَانَا ونَواحِي العِدْ
هَمَّلنَاهَا يا العَضْمَكْ نَصِيحْ ومُشدْ(4)
النَعْنَاعَة العَليْ بِلدْ النفيِسَه أم خَدْ
أَنا وِيَّاكْ كَدَيْ الليَلَة النَفَارْقَ الحِدْ(5)

إتصل شاعرنا محمد شريف بزعماء القبائل في ديار الكبابيش واتصلوا به كضيف كبير وعزيز وكان له في أنفسهم مكانة عالية خاصة أن سيد العرب وناظر قبيلة الكبابيش الشيخ (علي التوم) كان من أوثق الناس علاقة وصداقة بوالده محمد سعيد العباسي، وهذه الوشيجة أكسبت شاعرنا محمد شريف مكانةً مرموقة بين قبائل الكبابيش وبين زعمائها وأبنائهم، حافظ عليها بنبل أخلاقه فكان يقابل بالاحترام والتجلة والحب من أهلها فتعلق بهم وأضحى كفرد من أفرادهم، يتواضع بينهم تواضع العلماء ويمشي بينهم مشية الكرماء، وفي كل مجلس يتحلقون حوله فقد كان زهرة المجالس بطلاوة لسانه وعميق علمه وبشاشة وجهه وحلو حديثه وتبسطه معهم، وكان فضلاً عن أستاذيته ومكانته الدينية ملتصقاً بقضاياهم متفاعلاً معها منتصراً لحقوقهم بكلمته المؤثرة وفروسية الطاغية، وله في هذا الشأن قصص تروي وحكايات محفوظة. لذا أراد محمد شريف أن يرتبط إرتباطاً قوياً بهذه الأرض التي أحبها وتخيرت أقرب شرايينه لتسكن من خلاله في قلبه، فعقد العزم أن يتخذ له زوجة من هذه الديار، فقصد وادي (الملك) الذي يقع غرب بلدة سودري حيث تسكن قبيلة (السراجاب) وهي فخذ من أفخاذ قبيلة الكبابيش وكانت تجمعه بهم أواصر حميمة لم تنفصم عُراها منذ أن إتصل بهم لأمد بعيد بصحبة والده، فقد كانت الطريقةالسمانية وهو احد خلفائها تحظى بأحباب كثر في ذلك النفر من السراجاب، كما ان طبيعة المنطقة الخلابة التي تكثر فيها الرهود بمياهها العذبة وطيورها المغردة وأشجارها الملتفة المورقة تنسجم ورقة مشاعره وروحه التواقة للجمال، فحل هناك ضيفاً على السيد فضل الله محمد حماد إبراهيم أحد أعيان قبيلة السراجاب، ثم خفق قلبه بحب إبنته عائشة، وأخذ قلبه العاشق يتلظى بهذا الحب العفيف الذي لولاه لما سمعنا من محمد شريف أروع الأشعار واعذبها، فكان عندما يسترق النظر الى وجهها وعينيها الحواروين ينعكس عليه بريقهما المختلط ببريق اسنانها البيضاء فينشد في روعة آسرة ويقول:

يا خِلاَيْ مُلاحضة العُيون بالسرْقَة
لابُدانهَ بِتْخَلِي الكَبِدْ مِنْحَرقَة(6)
أَشوفْ بيْ عَينيْ بَقَاقْ الشَمسْ بالشَرْقَة
إَجي مِن سِنُو والعينْ أُم حَدقةً زَرْقَة

كان محمد شريف يجوب البادية وفيافيها على صهوة جمله المفضل (التلب) مواصلاً رسالته السامية وفي كل مرة كان يحن لوادي المِلك ولرهده العظيم ولناسه وأطياره المغردة ولحبيبته (عائشة) وعندما يتمكن منه هذا الحنين يطلب من جمله التلب أن يعود به سريعاً الى تلك المظاعن فيستجيب له التلب ويسرع به تلقاء من يهوي كأنما يحس بمشاعره ومحمد شريف ينشد:

الَرهَدْ الِبقَوقي دَبَاسُو
رِدتُو جَمِيعُو قُمريهُو وبلومو ونَاسُو
عَليْ بَلَدْ البُعَادْ أَكْتَافُو مِنْ خُرَاسُو(7)
دَوْدَوْ بيْ واندفقَّنْ مَحَاجِمْ رَاسُو(8)

كلما زاد التلب في سرعته وسط تلك السهوب والوديان والخلاءات الوعرة لينقل صاحبه لديار المحبوبة ذات الوجه المليح يخاطبه بمعنى لطيف وصورة شعرية أخاذة قائلاً:

للوَزَرْ المعَاكَ اللَيلَه مَاكا مرَفَّقْ
وجنحاتك بلا الدَغش البليبو بِصفِّقْ
شِنْ جَابْرَك عَليْ الوَعر الدبيبو بشَفِّقْ
غير زولاً وشِيهُو مِنْ الملاحة بِدَفِّق

كان محمد شريف هذا العاشق الولهان يتجلبب بأثواب العفة ولا يخلعها الا ليتلفع برداء الطهارة، وكانت أخلاق النبلاء تفرض عليه عدم إفشاء عشقه المكتوم في قلبه إيماناً بقيمة الستر وإذعاناً لتلك القوى الصوفية الكامنة في كيانه، بيد أن كل ذلك لم يمنعه من وصف جمالها وحسنها بقوله:

وَحَاتْ الحُبُو بِتْحَتَّمْ عَليْ أَخْفِيهُو
لا غُنَا لا شرابْ أَنا حَري مَا بِطفِيهُو
الوِجَنْ المِنَرْجِسَة والدَعَجْ خَافِيهُو
تلَّفْ قَلبيْ بيْ مَوجَاتْ كهَارْباً فِيهُو(9)

كان لابد لهذا العشق من غاية تتسق وروح محمد شريف الورعة، فخطب عائشة من وليها وتزوجها وسط فرحة غمرت كل الوادي، وانطلقت الزغاريد معلنة عن هذه الفرحة، وازدانت ليالي وادي المِلك ورهده العظيم بنيران الحطب الجزل، وظلت لأيام حجارة الوادي تنقل صدى الأهازيج وأنغام الجراري والمردوم ووقع الهسيس والبوباي وأناشيد التوية والكدنداية لتنبئ عن هذه الزيجة المهمة.
لم يمنع الزواج محمد شريف من أداء واجبه ورسالته التعليمية فعادت من جديد جولاته في ديار الكبابيش على ظهر التلب وذات مرة وقد تأهب للرحيل جادت السماء بمطر رائع تساقطت قطراته على حجارة التل المتراصة مثلما تساقطت دموع عائشة ساعة الوداع.. فقال:

القَّفْ الظِلَيطُو مَقَرَّنْ(10)
جَنُو الليلة مِتْبارْيَاتْ تعُُولاً خَرَّنْ(11)
الودَّعْنَا بالعَبَرة ام عُيوناً دَرَّنْ
طَلقْ في جَوفيِ وَجَّاجْ السَمَايمْ الحَرَّنْ

ولكن محمد شريف يعود مسرعاً فقد ترك خلفه هوىً ظل يكابده في أيام الفراق، وكعادته لم يخذله التلب فعاد به مسرعاً يطوي المسافات طياً.

جَرْحَ القُلُوبْ كَيفْ يِبْرَه
ما دَامْ كُلْ ما وَدَعتُو جَاكْ بالعَبْرَه
أَفُرْق إيدَيكْ يَا قَبَّاضْ نِجومْ الخَبْره(12)
على الرَتَليَّه ضامِرةْ الحَشَا المِنتَبْرَه(13)

كان زواج محمد شريف زواجاً تيسرت له كل أسباب النجاح فتوازن فؤاد الشاعر المتنازع عندما أخذ من الديار التي أحبها زوجة ظلت معه العمر كله تبادله حُباً بحب ووفاءً بوفاء وأنجبت له نور الدائم والعباسي والطيب وأسماء وبلتنا والثريا وسلوى وآية وآمنة وعفاف وعاشوا معه بقريته ممرح عندما عاد إليها.
لا شك عندي أن الشيخ محمد شريف العباسي هو ما يجب ان يعشو إليه الناقد عندما يتلمس ريادة الجمال والفخامة في شعر الدوبيت السوداني، ولا شك عندي كذلك انه احد اهم شعراء الصف الأول في هذا الضرب من الشعر، فهو ذو طبيعة تسربلت بالحنين وأوغلت في الأحاسيس المرهفة، وقد ترجم لنا ذلك في تراكيبه الفخيمة وألفاظه الساحرة وأسلوبه الجزل ووجدانياته المدهشة، فألفيناه شاعراً متفرداً، يرفعنا الى شأوٍ عال في مدارج الرنين العالي والسمت الجميل عندما نسمعه وهو يقول فيما يشبه التساوق في القطعة الموسيقية
الواحدة:

يا مولايْ بشكِيلََكْ شَقَايَا وغُلبي(14)
وحَظي الدِيمة مِِنْ رِدَّ الأَنيسْ جَافِلبي(15)
طَالتْ السَفْرَه واتحفِّتْ مَنَاسِمْ تِلبي
وَهبَّ الَريم وعَاوَدَكْ الحَنينْ يَا قَلبي

ولعل رهافة حسه وحنينه المستظهر تحيله دائماً الى رقةٍ متناهية حتى حينما يخاطب جمله لائما أنظر اليه كيف يخاطبه:

اللَيلْ أمسى والخب الدقاق أمساك
نسيت الرَقَله؟ ولا البَيَّا مَا خَسَّاكْ
سَوِّي تِزِوِّعْ اللَقََّحْ نَعَامُو عَسَاكْ(16)
تَدْنِي بَعِيدي مِنْ تَصوِيرَةْ النُسَّاك(17)

إكتشفنا أن محمد شريف العباسي قد إمتاز في مسيرته الشعرية بمساهمته الفاعلة والرائدة في تأسيس ما أسميناه (مذهب التخالل الشعري)، إذ خالل محمد شريف ما بين مدرسة البطانة بحسها الجمالي ومسالك مدرسة الشعر القومي في كردفان المتعمقة في المفردة العامية المحلية والآخذة في مدارها الشعبي بموروثاته البديعة ومدرسة نهر النيل بمفردتها السهلة والعميقة والسلسلة، فجاء من بعده ارتال من الشعراء من دار حامد ومن دار الكبابيش ومن أرض البطانة ومن السودان الشمالي يلتمسون في شعرهم ثقافة كردفان ومزاج البطانة وسلاسة مدرسة نهر النيل، فأخرجوا لنا هجيناً بديعاً ومزيجاً رائعاً، هذا بالرغم من أن هنالك عقدة لازمت شاعرنا محمد شريف على طول مسيرته الشعرية، فقد كان يرى ان شعر الصبابة والهوى لا يليق به كرجل صوفي، وكثيراً ما تبرأ من أشعار أنشأها وكثيراً ما يقول الشعر وينسبه لآخرين، ونرجح أن الكثيرين يدعون بعض أشعاره وما كان يسعى لإثبات نسبتها إليه لان ذلك يوافق هوىً في نفسه، غير أن إستدعاءه للواقعية وقريحته الشعرية الجانحة نحو الصبابة والهوى يهزمان عقدته ولا يبقيان فيها إلا أثراً قليلاً، وها هو يوضح لنا أنه إنسان من لحم ودم ومشاعر حية رغم صوفيته، يقول:

كَانْ دَايرني أكونْ صُوفي واتُرك النَّمْ
بدلو قلبي حجراً لا نزيز لا جَّمْ
ما دَامْ جَوفِي مَارِن والكبِدْ مِنْ دَّمْ
لابُدَ انَه بيْ دَربْ الحَبيبْ تِنْخَمْ

ثم تأتي أزمة خريف العمر وتحمل له السنون في جوفها إيماناً ويقيناً متزايداً يصيب القلب، ورغماً فإن أولئك الحسان ومقلهن السوداء فعلن به ما فعلن فما زال شاعرنا مرناً وكبده رطبة يغشاها الدم. يقول:

بَعدْ ما كبِرنَا والقَلبْ بالتَّدَيُنْ يَقَّنْ
ورَاقَنْ وهَوَنَن رِيشَاتُو مِنْ دَاكْ دَقَّنْ
بَانَنْ لَينَا دَرْعَاتاً جِباهِنْ بَقَّنْ(18)
بالحَدَقْ المِزَرْقِنْ زَعزَعَنُو ولَقَّنْ(19)

اعتكف محمد شريف بعد عودته من ديار الكبابيش بخلوته الملحقة بمسجد جده الشيخ الطيب بن البشير وصار إماماً له وهجر الشعر، وأحبابه من ديار الكبابيش يأتون إليه زرافات ووحدانا، يرفدونه بالتجلة والإحترام ويرفدهم بالعلم والوفاء، ويرون في عينيه حباً دافقاً ويرى حبهم دافئاً في أعين أبنائه وعين زوجته أم حدقة زرقة..!
وبحلول ليلة التاسع من أغسطس 2003م حلَّ حزنٌ عميق على كل نفس عرفت الشيخ محمد شريف العباسي الذي رحل راضياً مرضياً باذن الله وحلقت روحه فوق ذلك البلد الذي أحبه وأحب رهده العظيم وهي تقول:

السِمِعْ العَليْ رَاسْ الحَدَبْ بْشَرَّفْ(20)
زَامْ واتشابا ليْ رَيمْ الصعَيدْ بتكرَّفْ(21)
البَلدْ الفَتَقْ شقْلُو وغَدِيرُو اتْشرَّفْ(22)
يا رَيتْ لو قِبيلْ بَيهُو الزمن ما عَرَّفْ

رحم الله محمد شريف العباسي فقد فجع برحيله معجبوه ومحبوه كما فجع الشريف الرضي بموت صديقه وقال:

ما كنتُ أَحْسَبُ قَبْلَ مَوتِكَ أَنْ أَرى
أَنْ الثَرى يَعلو عَلي الأَطْوَادِ
سَوَّدْتَ مَا بينْ السَماءِ وناظِري
ومَحَوتَ مِن عَينيَّ كُلَ سَوَادِ

الهوامش:

(1)
الضريح: هو القبر وفي عامية السودان تخصص الكلمة لقبور الأولياء وقد يبنون عليها.الشاعر هنا يعني ضريح جده الشيخ الطيب كناية عن بلده أمرحي.
(2)
سِهمو: إتجاهه. النعايم: كواكب سماوية. الإشارة في الشطرة الى بلد المحبوب.
(3)
الرمبة: رقصة بعينها. معالق القلب: صماماته.
(4)
هملناها: أي تجاوزنا. مشد: قوي.
(5)
الحِد: الكدر والحزن والسأم.
(6)
لابُدانه : لابد أنه أو لابد أنها.
(7)
الأخراس: مفردها خرس وهو حلقة من ذهب أو فضة تضعها المرأة على أذنها للزينة،في الشطرة معنى طول الجيد (بعيدة مهوى القرط.(
(8)
المحاجم: مفردها المحجم وهو مؤخرة الرأس خلف الأذنين. وهو الموضع الذي يتجمع فيه عرق الجمل. والجمل الذي يندفق عرقه دلالة على أصله الكريم فالجمال الجيدة هي التي تبذل الجهد.
(9)
موجات الكهارب: يعني بها شعر المحبوبة.
(10)
القف: التل أو المرتفع. ظليطو: حجارته. مقرن: متراص.
(11)
التعول: مفردها تِعل وقد تجمع أتعال وهي السحابة الثقيلة او الممطرة في بدء تكوينها.
(12)
نجوم الخبرة: النجوم الدالة على الموضع المقصود.
(13)
الرتيلة: التي تمشي في تؤدة وانتظام. المنتبرة: الممتلئة.
(14)
هذا المربع ينسبه البعض للشاعر الكبير (عكير الدامر) وهذا غير صحيح فالمربع لـ (محمد شريف العباسي).
(15)
الرد: المكان. الأنيس: يقصد به المحبوب.
(16)
التزوِّع: الجري الشديد. اللقح نعامو: يقصد ذكر النعام المعروف بسرعته.
(17)
تصويره النساك: هي الصورة أو الصور الجميلة التي يضعها النساك او الرهبان في معابدهم وبها شبه الشاعر مقصودته.
(18)
درعات: مفردها درعة وهي الجميلة.
(19)
الحدق المزرقن: العيون السوداء. لقن: سالن أو أدمعن.
(20)
الِسمع: حيوان غاية في السرعة والإفتراس، هنا يشبه به الشاعر جمله.
والحدب هو المرتفع.
(21)
الريم: النسائم المنعشة: بتكرف: يشُم.
(22)
الشقل: ضرب من الشجر متكاثف وواحدته شقله. اتسرف: إمتلأ وفاض.