عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

في استقرائنا لتاريخ الهمباتة ثبت لنا أنهم لا ينزعون للقتل إلا دفاعاً عن النفس أو المال أو العرض وهو استقراء يعضده أن القتل يترك على وجه محترفيه آثاراً لا تخطئها العين ولكن تلك الوجوه تحف بها هالة الشعر البهي وينبثق من مآقيها حنيناً دافقاً ودافئاً لسحر الطبيعة والعشق النبيل، وقصتنا هذه بطلها العشق وقد وقعت أحداثها بديار الكبابيش واكتملت فصول مأساتها بسجن كوبر عندما تدلى حبل مشنقته العتيدة وهو يئن بثقل إنسان.

كباشي لا يعرف دياراً في هذه الدنيا غير ديار الكبابيش التي ينتمي إلى قبائلها ويحمل اسمه صفتها ولا يخرج من حدودها إلا عندما تحمله الأيانق في سبيل النهيض والمغامرة، ولكنه جاب نهادها ووهادها وسهولها ووديانها، يعرفه أهل حمرة الوِز، وتطرب لأشعاره حمرة الشيخ، ويتردد اسمه بإعجاب في أم بادر، والصافية، وسودري. وتتغني بخصاله حرائر الجامة وأم سنطة ووادي الملك العفيفات، فقد كان شهماً كريماً ومغامراً جلداً وصلداً، وشاعراً رقيقاً، غنى للرهود والوديان وللرمال والجمال والحسان والعشق والأرائل والظباء بقواف لا تتأتى إلا للمتمكنين، فقد كان شيطاناً في خياله ونبياً في شعره، ابتسمت له الدنيا فتعشقها، وأعطته ديار الكبابيش أمومتها وحنانها فأدمن حبها، وعندما تم طرده منها بموجب حكم أصدره زعيم القبيلة بنفيه إلى خارج حدودها أظلمت الدنيا في وجهه، وكان وقع الحكم على نفسه أشد قساوة ومرارة من وقع الحكم الذي صدر بحقه لاحقاً بإعدامه شنقاً حتى الموت.

أن جرت أحداثاً كانت ديار الكبابيش هي كل حياته وكم تمنى أن يموت بها كما ولد بأرضها بين ابنتيه اليافعتين وزوجته الحسناء الغيور التي أحبها وظل مخلصاً لها إلى ما طافت بخياله وشكلت مأساة حياته وهي مأساة بدأت تنسج شباكها من فتائل قوية تسربلت بالسواد، وكانت أول هذه الشباك غيرة زوجته التي كانت تحبه حباً جارفاً وتغير عليه غيرة مجنونة وكلما قال شعراً تزداد غيرتها وتأتيه غاضبة تسأل عن كلمات الغزل التي وردت في شعره لمن ؟! أو عن صفات الجمال التي زينت أشعاره من هي ؟! فحاول كثيراً أن يقنعها بأنه شاعر وللشعراء أخيلة ترتاد الآفاق وأنه لا يحب سواها ولا يسعى إلى غيرها، ولكن غيرتها العنيدة تمنعها أن تقتنع بما يسوقه إليها من تبرير فلا تفتأ أن تعود إليه مع ولادة كل مربع شعري وهي تحمل ثورتها وغيرتها المجنونة وأسئلتها الجارحة والمتكررة حتى أحالت حياته إلى جحيم لا يطاق، فأخذ يرجوها بقوله:- أرجوك لا تحبسيني بين جدران قلبك، ولا تسجنيني بين خبايا ضلوعك، فأنا أستمد حب الناس بما أنظمه من شعر يطربون له ويرددونه بمتعةٍ ونشوة، فدعي لساني ينطلق بما تجود به قريحتي، ولا تقتلي الشعر في نفسي فهو رئتاي اللتان بهما أتنفس، ولكنها لم ترعوِ وسدرت في ظلام غيرتها مما دعاه أن يتشدد في لهجته معها فقال لها:- لقد اخترتك دون نساء هذه القبيلة وفضلتك على بنات أعمامي فهل حبي لك جعل عواطفك تستعر حتى أصبت بجنون الحب وأصابتك الغيرة البلهاء هذه وتحولت فيك إلى نزعة تملك طائشة وشيطاناً مسيطراً حتى أحسست أن حبي لك بدأ يموت من فرط حبك وغيرته وجبروته الأعمى، ولكنها لم تسمع ولم تعِ كأن بأذنيها وقرٌ وبقلبها صمم، فمات الحب، وطلبت منه الطلاق، لأنها تعتقد اعتقاداً جازماً أنه يهيم بإحدى حسان الحي أو هكذا زين لها خيالها الجامح، ولكنه رفض طلبها لأجل ابنتيه اليافعتين، بيد أن خِواءً عاطفياً أحاط بقلبه وأحاله إلى هشيم،  حتى رأى إحداهن تتهادى كغصن بانٍ تأود وهي تسير بين رفيقتين، وشاهد على بعد منهم شخصاً مدججاً بالسلاح ويبدو كحارس لهذه الظباء، مما أوحى لشاعرنا أنهن من علية القوم، إلا أن ذلك لم يمنعه من تملي جمالها الأَخاذ واستراق النظر إلى عينيها الحوراوين، ولكنها أدركت أنه يطيل النظر إليها، فحدجته بنظرة صارمة، فأشاح بوجهه كممثل بارع، فضحكت ضحكة حاكت رنين الفضة، فأعاد النظر إليها ثم انصرف مسرعاً ومثقلاً بحُبٍ جديد ومختلف وأخذ يترنم بقول القائل:- يا خِلاى مُلاحضةَ العُـيون بالسـرقـه/ لا بُدَّانـه بِتخلي الكـبد مُنحـرقـــه/ بشوف بى عيني بَقاق الشمس بالشرقه/ إجي من سـنو والعين أُم حدقةً زرقـه،،، وما أن بدأت الشمس ترتفع إلى شروقها وترسل أشعتها البنفسجية حتى أدرك كباشي أنه قد قضى ليلَهُ ساهراً ما بين أرقه وتفكيره في تلك التي رآها في نهاره بالأمس وأصابته بالحب فتذكر قول الشاعر:- الليله أمسيتا بَسوي تِقِرِوحْ الفـادرِنو / ولاضـُقْ نوم ولا عيوني الغميد  لاقنو/ الشتل البى المـدافع والجُـلل حارسِنو/ ما بِـتخلا عِلا الخـالقو يِقـرع  مِنو،،،

ولما كان كباشي عفيفاً وحسن المقاصد فقد قرر الزواج بحسنائه التي أحالت لياليه إلى سهاد، فأخذ يبحث ليهتدي إلى أهلها ويطلبها للزواج، إلا أن مفاجأة غير سارة كانت في انتظاره، إذ علم أنها زوجة زعيم قومه وقاضيهم القوي المهاب، لكن ما عساه فاعلاً بهذا السهم الذي أصابه في مقتل، وما حيلته تجاه هذا الحب الذي نما وتغلغل بين أضلعه فسَّعَرَها ؟ ولكنه آثر الصمت ليكسب السلامة، وظل يحدث نفسه بهذا الحب ويبني له في خياله قصوراً من المشاعر فيحيلها واقعه القاسي إلى أكوامٍ من رماد ، وقد علمت حسناؤه بهذه المشاعر التي ترجمتها أشعاره المكنَّاة بمعانٍ طربت لها فأصابها ما أصابه من هيام، ولم تحدث بينهما صلة، ولم يجر بينهما كتاب، ولكنه حبٌ سكن الوجدان واستعر أواره في القلوب فلم يجاوبه إلا صمت ران على الألسن والشفاه حب محكوم عليه بالفناء، فالأحلام مكبلة، والأماني لن تبلغ المدى . ولأن الحب كالطيب وله افتضاح تداول الناس قصة حبهما سراً وسرت بينهم كسريان النار في الهشيم، إلى أن جاء ميعاد رحلة النشوق، فأمر الزعيم بالاستعداد للرحلة فجمعت السوائم واختار الزعيم أشداء قومه لمرافقته في هذه الرحلة، وكان من بينهم شاعرنا المتيم كباشي، وعندما أزف وقت الرحيل وحانت ساعة الوداع برزت من بين المودعين المعشوقة – زوجة الزعيم – فودعته بعبرةٍ ودمعةٍ، فأوقع ذلك في نفس شاعرنا أقصى تباريح الهوى وأخذ لسانه يردد في همسٍ خفيض :- الودعـنا بالعـبره أُم عــيوناً دَرَّنْ / طَلق في جوفي وَجاج السمايمَ الحّرنْ ،،

ثم انطلقت رحلة النشوق الطويلة، وكلما دجا ليلٌُ أقامه شاعرنا سهداً وإيراقاً إلى أن حطوا بأرض العشب والماء، فأقاموا بها أياماً وليال طوال، بدت لشاعرنا كما الدهر طولاً، وهو  يمني النفس بنظرة ولو عابرة لوجه الحبيب الذي بعد مزاره ونأت داره، وذات صباح رقص قلبه طرباً عندما تناهى إلى مسمعه نداء الزعيم بأن ميعاد الأوبة قد حان، ولكنه لم يكن يدري أنها الأوبة الأخيرة وأن شاعريته ستطيح به من أرض قومه وديار محبوبته إلى الأبد.

وعندما انتظم المسير انطلقت أهازيج القوم لتترجم مشاعر فرحتهم بدنو ساعة عودتهم لديار الأحباب، وفي خضم هذه الفرحة الغامرة طلب الزعيم من ثلاثة شعراء ممن كانوا يرافقونه ومن بينهم شاعرنا كباشي أن يُنشئ كل منهم دوبيتاً يصف من خلاله راحلته ومحبوبته فبادر أحدهم وقال:- ضَهـرك واقِـــف قُـــبَّه / ورَحَــل العـيش بِتجُبَّـــه / كـان مـا راوحـت أُم رُبَّـه /وشــك فــوقــو التُبّـَة،،

وانبرى الثاني قائلاً:- أَبيـض لونَــك قُطنَــــه/ شــيشـك لا  تـنبُطـــنَه/ للفـي الكـركـار  مُنعطـنَه /عـناق مـا  ضاقـت بُطنَـه،،

آنذاك كان شاعرنا كباشي يسرج خيول خياله صوب حبيبته زوجه الزعيم، وأخذت أطيافها تتراقص من حوله وأمامه، فأخذه تفكير عميق بها، وعندما أدركه الدور أخذ يقول دون أن يقدر للموقف خطورته :- َأخــدر لونـو  مُغَــوِّفْ/ وزي الموجـه مطـــوِّفْ لى مَـرتْ  الحُكمو بِخَـوِّفْ/ ريقـا زلال مـا  بعَــوِّفْ ،،

فران على القافلة صمتٌ بليغ وأدرك الزعيم بحسه العالي ما عناه كباشي، فملأ الغضب كيانه ولكنه استطاع أن يُخفي انفعالاته بين معاطف حكمته وتدثر بإعجاب كذوب بما نظمه الشعراء الثلاثة، ولكنه أضمر في نفسه حكماً قاسياً ضد الشاعر المتطاول. وبُعيد وصولهم للديار تصدر الزعيم مجلسه وفي محاكمة كان فيها الزعيم هو الخصم والحكم أصدر قراراً حازماً وفورياً بنفي كباشي من ديار الكبابيش نفياً أبدياً وفورياً، وهو حكم لا يقاومه حب، ولا يناهضه فرد، فأخذ الشاعر يستعد لمغادرة أرض الكبابيش تنفيذاً للحكم الذي أصدره زعيم يتمتع بسلطات قضائية بحكم القانون، فتردد شاعرنا قبل أن يذهب إلى منزله فالتقى فيه بزوجته وطلب منها أن تنسى كل شيءٍ مما حدث وأن ترافقه لتقف إلى جانبه في هذه المحنة التي يمر بها، ولكنها رفضت رفضاً قاطعاً فتجاوزها إلى ابنتيه وطبع على خديهما قبلتي وداع، وجمع عدته وعتاده واعتلي أحد جماله، وقبل أن يجد في السير ودعه من ودعه وداعاً مؤثراً، وجاءت لوداعه حبيبته زوجة الزعيم من وراء خبائها مثقلة الجفنين محزونةَ الفؤاد. وما جرى في هذه اللحظات كأنما هي الصورة التي شخصها لنا الشاعر العربي القديم الذي قال:- لمـا تَبـدَّتْ للرحـيـلِ  جِـمالُـنا/   وجـدَّ بنا سيرٌ وفاضـت  مَدامِعُ/ َتبــدَّتْ لنـا مذعـورةً  من خبائِها/ و ناظِرُها باللؤلؤِ الرطـبِ  دَامِعُ / أشـارت بأطرافِ  البنانِ  وودّعَـتْ/ وأَومَتْ  بعينيها متى أنت  رَاجِعُ/ فقلتُ لها واللهِ  مامِن مُسافرٍ يَسـيرُ /  و يـدري مـابـه اللهُ صـانِـعُ/َفشالتْ نِقابَ الحُسنِ مِن فوقِ وجهها/ فسالتْ من الطرفِ الكحيلِ  مَدَامِعُ/ وقالـت إلهـي كُنْ عـليهِ  خَليفـةً/وياربِ ما خـابتْ لديكَ الودائـِعُ،،،،،،،

ثم اختفت راحلة الشاعر وهي تبتعد عن الديار بين الرمال وخلف التلال الحجرية والغلالات الشفافة من الضباب المنشور على الوديان، وهي أشياء طالما احتفى بها الشاعر وغنى لها غير أنها الآن ليست محل احتفائه، فالأسى الذي يحمله قد سوّدَ ما بين السماء وناظريه ومحا عن عينيه كل سواد، ثم جادت السماء فجأة بالمطر فغسل وجهه الوسيم من دموع سالت عليه مدراراً.

مرت الشهور وتعاقبت الليالي وشاعرنا المنفي هائم على وجهه ولا يدري أين المستقر، وقد أَضرَّ به الهوى الذي ناء به قلبه والشوق الذي يجتاحه كلما طافت بخياله رؤى ابنتيه، وبينما هو في أتون هذه الدوامة المميتة قرر قراراً خطيراًُ وهو العودة خفيةً للديار ليطمئن على ابنتيه ولعل عيناه تبصران حبيبته فتسكن آلامه، ففرح لقراره وسرت رعشة بين أوصاله فأسرج بعيره وتدرع سيفه وبدت له هذه الرحلة كمغامرة لم يخض غمارها من قبل أبداً وكلما دنا به بعيره نحو الديار التي عصفت به أشواقه إليها ولساكنيها تقفز محبوبته إلى ذاكرته ويقول:- الليله أَمسيتا  في الصيّه البَكَانو  سفَـافي/ وكـل ما طـار أَلم وَخـرتو يا العنَـافي/ الشتـل العنـدو  دوريه وعقيداً  شـافي/ مـا بتخلا من محنو الشُداد يا كَافي ...!

وتارةً يخاطب جمله قائلاً :- شهرين في العقـال لاك باري ولاك  مَهدودْ/ وحـاربت الرعـي بقـيتاً يابــس عـودْ/ تعبـان سـاريو الخالـق عـليك يـجـودْ/ وخِـف كـان  تجمَع الرايـد على المَريودْ،،،

ثم أَخذت التلال الحجرية التي تقرب من الديار تبدو له عند السير في كل نهدة أو مرتفع وتختفي عند كل منعطف أو منخفض فأدرك أنه قد شارف على الوصول ، وعندما أليل الليل أخذ يقول :- الليل بوبـى وإتهـاتت قـراية إبلـيسْ/ والقَـلب فاقـد الفـدغ البقودو الدِيـسْ/ أبـو عُقَس البجِالق دربـو بى التخليسْ/ وداك جَبَّالو  ياالمجموع  يبين وبغيـسْ،،،

وعند انبلاج الصبح وصل شاعرنا إلى تخوم الديار وأخفى جل وجهه بعمامته، وساقته قدماه إلى ذلك المكان الذي رأى فيه محبوبته لأول مرة لعلها تبدو فتهدأ أشواقه ولكن هيهات، فظل ماكثاً في مكمنه بين الأشجار طيلة نهاره ذاك مترقباً حتى حلّ المساء وأطبق سواد الليل على المكان فجرفه الحنين لابنتيه وزوجته فتسلل إلى أن وصل إلى منزله حيث ابنتيه وزوجته ودخل خفية كاللص، ويا لهول المفاجأة فمن خلال الضوء الشحيح المنبعث من المصباح الزيتي الموضوع في أقصى الخباء وقعت عيناه على ما لا يحب أن يراه أو يتصوره، رأى رجلاً يضاجع زوجته فاندفعت الدماء إلى رأسه الذي امتلأ بفكرةٍ سوداء، إنها الفكرة التي ستغسل العار، إنها الفكرة التي ستثأر لكرامته وتعيد له شرفه المسلوب، فامتشق حسامه وهوى به على الرجل بضربة قوية واحدة أودت بحياته، وعندما أحست الفاجرة بالدم الحار يسيل على جسدها العاري وأبصرت وجه القاتل فرأت فيه وجه زوجها المطرود تلمست طريقها للهرب من المكان فهبت مسرعة وتدثرت بما تيسر لها من ثياب وخرجت مهرولة من الخباء صارخة ومدعية أن كباشي قد قتل جارها الذي استنجدت به ليحول دون أن يتمكن من تحقيق هدفه الذي عاد من أجله وهو خطف ابنتيها، فجاء الزعيم في نفر من الحرس فوجدوا كباشي وقد ضم ابنتيه إلى صدره والدموع تبلله فانتزعوا البنتين من صدره واقتادوه إلى خارج الخباء، ثم ذهبوا به في اليوم التالي مخفوراً إلى مدينة الأبيض حاضرة مديرية كردفان متهماً بجريمتي القتل والشروع في الخطف، وبعد التحقيق جرت محاكمته فأدانته المحكمة الكبرى وأصدرت بحقه حكماً بالإعدام شنقاً حتى الموت، ولم يفلح دفاعه الذي أسسه على الوقائع واستدعى من خلاله قول ذلك الأعرابي القديم عندما سأله رئيس المحكمة عما إذا كان قد ضرب بسيفه المرحوم ضربة أودت بحياته فرد قائلاً وهو يدافع عن نفسه: لقد ضربت بسيفي هذا بين فخذي امرأتي فإن كان بينهما رجل فقد قتلته ! أيدت محكمة الاستئنافات العليا الحكم استنادا على بينة الزوجة وشهادة الزعيم والحرس، بعد ذلك أخطرت سلطات سجن الأبيض المدان كباشي بأنه سيرحل ضمن الركاب مخفوراً في أول رحلة على متن القطار المتجه إلى الخرطوم، حيث سيودع بسجن كوبر بالخرطوم بحري حتى تنظر السلطات العليا في أمره.

في ليلة باردة أو هكذا خيل إليه، سمع كباشي صوت صافرة القطار المميزة، فبدت له كنواح ثكلى، وأدرك أن موعد ترحيله قد حان، وأنه سيسافر دون اختياره وبغير إرادته، فبرزت صوفيته المؤتلفة في ذاته لتختلط بأنفاسه الشعرية مع مزيج من مأساته وهواه وحبه للحياة، فأخذ يقول واللحظات تحتشد بكل مشاعر الأسى أبياتاً يحن فيها للنسائم ويبدي من خلالها لواعج أشواق بعيدة لمحبوبةٍ ترفل في ثوبها البنقالي المنمق، ويرن في قدمها ساعة السحر حجلها الأنيق :- بَابُـور التُرك الليله نوى بالنجعَـهْ/ والساده أَجمعين أَنا بندهُم للرجعَـهْ/ البنقالي والحِجِـلْ البِنَقِـرْ هَجعَـهْ/ شَغلنْ بالي والنسامْ بِزيد الوجعَـهْ،،،

وفي هذه الليلة وقبل الفجر- وهي أكثر ساعات الليل إظلاماً - دفعوه إلى جوف القطار وهو يرسف في أغلاله وقيوده، وعندما أوصله القطار إلى محطته الأخيرة أحنى رأسه ليدخل من بوابة سجنه الجديد، فتلقفه الحرس وأودعه زنزانة ضيقة أغشى فيها الظلام ناظريه عن أن يرى فيها محكوماً آخر كان قد اقتيد قبله لهذا المكان، على إثر حكم صدر بإعدامه هو الآخر، وعندما انقشع الظلام تلاقت الأعين:- يا نائح الطلح أشباهٌ عوادينا/نأسى لِواديك أم نشجى لوادينا،،

وفي رفق وإحكام نسجت خيوط المأساة علاقة وجدانية بين شاعرنا وبين الصافي رفيق زنزانته التي تقاسما ظلامها وحرارتها المرتفعة وسط مشاعرهما الزاخرة بالترقب والانتباه، وازدادت بينهما الألفة في مكان فيه أقسى ما يمكن أن يصيب الإنسان من الفجيعة والألم والإحساس بالغربة، بيد أنهما تساميا بالشعر الذي انداحت صوره على وجدانيهما فوق تلك الأحاسيس المرة، فعندما تنشط قريحة كباشي ترتفع عقيرته بالغناء فيحيل السديم في المكان إلى شموس منيرة وتتعطر أجواؤه بشذى الورود وشميم الأريج.

وفي ذات يوم وقد انقضت شهور والمصائر معلقة على الرجاء والانتظار رأى الصافي على وجه صديقه مسحة حزن وأسى أعقبها ضعف سرى بين قسماته وزفرة حارة انطلقت من صدره تنبئ عن مشاعر مختلطة ومختلفة وكثيفة، فسأله والقلق ينتابه أجزعت ياكباشي أم أن صبرك قد نفد يا فتى الفتيان؟ رد عليه كباشي قائلاً:- إنه الحنين للأبناء يا صديقي والخوف عليهم من الدهر وخباياه، وإنه العشق الذي ألهب الحرائق فنشبت في قلبي فأسلمني كل ذلك إلى ما تراه من أسىً، ثم تبادلا الأشعار إلى أن هدأت النفوس من قلقها وأساها، هكذا كانا يتآزران قبل أن يتقاسما فتاتاً قليلاً لا يغني ولا يسمن من جوع، وعندما ينبئ الصباح عن قدومه بنور الشفق يدركا أنه قد أذن ليوم جديد ليبدأ دورته وحتماً سيمضي كما مضت تلك الأيام الكالحة الرتيبة، غير أن ثمة تغيير قد حدث في نهار هذا اليوم القائظ عندما رسمت الظلال وجوه رجال خمسة بقبعاتها على حائط الزنزانة وأخذت تملأه رويداً رويدا وتتزاحم على مساحته الضيقة وعندما تداخلت الصور وأضحت مسخاً ثم ظلاً واحداً ارتج باب الزنزانة وانفتح في غير موعده عن خمسة رجال أشداء، نادى كبيرهم بصوت أعجمي أجش آمراً كباشي:- قف واستَدِرْ. فأذعن كباشي ووقف صاغراً وهو يواليهم ظهره ولم تلبث أن التَفَّت السلاسل الحديدية حول يديه من الخلف وشدت ذراعيه بقطعة جلدية عريضة وسميكة حتى كادت ذراعاه أن تلتقيا فوق ظهره فبرز صدره بروزاً آلمه وأحكم القيد على قدميه ليتحد مع السلسة التي تدلت من يديه، حدث كل ذلك والصمت يسود المكان إلا من صليل الحديد الذي أرهق بدن كباشي، كان الصافي يرنو بعينيه القلقتين ويمعن النظر إلى وجه صاحبه ويديمه، كأنما يريد أن يرسخ له صورة لتبقى على مدى الأيام في ذهنه قبل أن يغيب، وعندما أطرق وقعت عيناه على قطرات من الدم تسيل من قدم كباشي من فرط القيد، فالتقط خرقه من أرض الزنزانة وأخذ يضمد جرح صديقه ويطهره بدموعه التي انهمرت بغزارة، ولكنه أحس بركلة أعادته إلى الحائط حيث كان، وبدأت قطرات الدم تتباعد إلى خارج الزنزانة تتبع خطى صاحبها الذي استطاع بصعوبة بالغة وهو محشور بين حارسين أن يلتفت إلى صديقه الصافي وقد تغطى وجهه بقناع أسود، ومن خلف سُمْكِ هذا القناع خرج صوت مكتوم يقول:- كـم  شَديت على تيساً مسافة مَشيهو/ وكم شقيت خَلايا  فَد زِويل مافِيهــو/ القلب إن ثبت فـد حاجه مـا بتجِيهو/ أَخير السُتره والزول يومو ما بخَلِيهو،،،

كان هذا آخر ما تبينه الصافي والذي حدث بعد ذلك لم يكن واضحاً في ذهنه، إلا أنه أفاق على صوت لم ترتاح لوقعه أذناه، فصوت ارتطام الصاج الحديدي بحائط البئر أنبأه أن جسد صديقه قد تدلى تحت الحبل، فأحس بحزنٍ عميق، واجتاحته وحدة موحشة، وأخذ يهذي ويقول والعبرة تخنقه: لقد عدمت القبر والنائحة يا صاحِ، ليتني لو كنت مكانك يا كباشي، ليتني لو كنت معك يا فارس الفرسان.

أسعد الطيب العباسي