عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

إن شخصية الأستاذ ميرغني ديشاب تدعوا بلا شك للإعجاب المتناهي، ولا تملك إن اقتربت منه  إلا أن تقدره وتحترمه غاية التقدير والإحترام، فإن لم ترد فسوف يجبرك على ذلك، فهو خلوق، متواضع، هادئ الطبع، بسيط، ولوف، وحلو المعشر. ولعل هذه الصفات وحدها تكفي لأن تحترمه وتقدره، فما بالك إن علمت أنه مُربي من الطراز الأول، وعالم لغوي لايشق له غبار في العربية والنوبية والإنجليزية، وباحث خطير في التراث والأدب القومي، وشاعر خنذيد سعت الجوائز إلى أشعاره، فهو يكتب الشعر بالعامية والبدوية والنوبية والفصحى، كما أنه رسام، وخطاط، وملحن، ومصمم، وكاتب صحفي شامل وكبير، يكتب في الأدب، والتاريخ، والسياسة، وغير ذلك، وناقد مجيد في زمن قل فيه النقاد، ومحاضر مفوه، وله آراء جريئة وعميقة يكتبها بعلمية فريدة، كما أنه موثق للأحداث والشخصيات خاصة الشخصيات النوبية. وهومؤلف بلغت آثاره العشرين مؤلفاً في أقانيم متعددة، كمخطوطه "مسادير الصيد" ومخطوطه "النوبة النيليون اللغة والتراث" ومخطوطه"خليل فرح نحو قراءة أخرى"

ومخطوطه"البيجاوية في عامية السودان"ومخطوطه"النوبية في عامية السودان العربية" وغير ذلك من المخطوطات القيمة ذات الأثر العلمي الكبير، وكلها مخطوطات معدة للطبع أو قيد الإصدار أنهاها في أزمان فائتة ومتفاوتة ولم يصدر منها سوى كتابه"تعليم القرآن الكريم واللغة العربية في التعليم العام في السودان" ويمتاز ديشاب بإسلوب أخاذ وبلغة رصينة وعالية المستوى لن تجدها اليوم إلا عند القليلين. وديشاب الذي يحمل ما جستيراً في اللغة العربية نوبيٌ ولد بوادي حلفا في العام 1953ويعمل الآن أستاذاً في المدرسة الثانوية بوادي حلفا ويعد ديشاب من أنجب تلاميذ البروفسير عون الشريف قاسم الذي أشرف على رسالته للماجستير بمعهد الخرطوم الدولي للغة العربية وجاءت بعنوان"أرض البطانة اللغة والثراث الشعري"الكثيرون يرون كما أرى أن الأستاذ ديشاب ثروة قومية يجب حراستها بالجند.

توثقت علاقتي بالأستاذ ديشاب بعد معركة أدبية طاحنة خضناها على صفحات هذه الصحيفة ( صحيفة السوداني الغراء) وتحديداً على أرض عدد الجمعة الذي يشرف عليه صديقنا المشترك الجنرال أحمد طه كما يحلو لنا أن ندعوه وكلينا من الكتاب الراتبين فيه ففي بداية عهدي بالكتابة في السوداني كتبت مقالاً بعنوان(الحاردلو بين مطرقة ديشاب وسندان ود الفراش) بعد دراستي لمقال من جزئين للأستاذ العالم ميرغني ديشاب جاءت بعنوان( الفتنة بالحاردلو) ودراستي لما جاء في مقدمة الأستاذ  الأديب محمد علي الفراش حفيد الشاعر القومي الرائد إبراهيم ود الفراش ولما رأيت أنهما يفضلان ود الفراش على الحردلو وهذا مالم أقبله وأرتضيه إبتدرت قائلاً:( رغم أن إجماع الباحثين يكاد ينعقد للحاردلو كقامة شعرية سامقة تعلو فوق كل قامة شعرية بين القدماء والمحدثين من أهل الدوبيت، إلا أن هناك من غامر وجهر برأيه مخالفاً كالباحث الخطير والناقد الكبير ميرغني ديشاب، والأديب الأريب الأستاذ محمد علي الفراش حفيد شاعر بربر ود الفراش، وبما أن هذين الرأيين قد صدرا عن عقلين لهما وزنهما وخطرهما فإننا سنختار من كنانتنا أصلبها سهماً لننافح به عن عبقرية وتفوق شاعرنا الحاردلو).  وبعد تفنيدي لما قال به الأستاذين ديشاب والفراش إنتهى مقالي الذي نشر آنذاك على جزأين بقولي:( إن الشاعر إبراهيم ود الفراش من الشعراء القوميين الأوائل الذين نالوا شهرة واسعة وهي شهرة لم يكن ليكتسبها لو كان ضعيف الموهبة أوضعيف الشعر، بيد أننا لو وضعناه مع الحاردلو في مضمار الشعر وفقاً للمعايير النقدية والأدبية المعروفة فإنه لن يلحق بغبار قدمي الحاردلو). ومن هنا بدأت المعركة بيني وبين الأستاذ ديشاب فقد كان يهزمني برصانة أسلوبه ورؤاه المرتبة غير أني كنت ألوذ بعبقرية الحاردلو ومازالت المعركة في شأن المفاضلة بين الشاعرين الكبيرين محتدمة بيننا في لقاءاتنا ومهاتفاتنا.

ما زلت أحمل في قلبي أشياء كثيرة أحمدها لشاعرنا المقدم الحاردلو، منها أنه وثق علاقتي  بالأستاذ ديشاب، هذا العالم الجليل، الذي لايفتأ يقرظ ما أكتبه في الأدب الشعبي، وكنت أحسب ذلك أسلوب تربوي وتشجيع كالذي يحدث بين أستاذ وتلميذه،  وما كنت أحسب أنه سيضع على عنقي قلادة شرف وهو يختارني لتدقيق ومراجعة مخطوطه المهم( معجم شعراء البطانة) توطئة لإصداره، والذي أعتبره من أهم آثاره في مجال الأدب القومي، بل أراه في الأهمية المرجعية يلي مباشرة قاموس اللهجة العامية في السودان للراحل المقيم الدكتورعون الشريف قاسم.

معجم شعراء البطانة يضم مائتين وواحداً وستين شاعراً وشاعرة من أرض البطانة ــ أضفنا إليهم في طور التدقيق والمراجعة تسعة عشر آخرين ــ خضعوا جميعاً لترجمات دقيقة من باحثنا ديشاب الذي جاب أرض البطانة شبراً شبرا يجمع لمعجمه من الرواة سير الشعراء وأشعارهم لسنين عديدة، وتتبع في ذلك كافة المصادر المكتوبة في شأنها، ويقول ديشاب في تصديره أنه أراد أن يتعرف الباحث والقارئ على هؤلاء الشعراء خاصة وأن إعتماد الرواة على ذاكرتهم في حمل التراث الشعري في أرض البطانة قد عرض هذا التراث ــ عبر إمتداد الزمن ــ إلى ضياع جزء كبير منه سواء عن طريق النسيان أو موت حملة التراث الشعري. كما أثر في صحة نسبة كثير من الشعر إلى قائليه الحقيقيين.

إن الخطة التي إنتهجها الأستاذ ديشاب في إنجاز هذا المعجم لا تقف فائدتها عند التعريف بالشاعر وسرد سيرته إنما تمتد لأبعد من ذلك، فقد إختار مربعين شعريين لكل شاعر، وقام بشرحهما بأسلوبه المتميز الذي يذكرنا بالفطاحلة من الشراح، وقد رسمت هذه الأشعار وشرحها لوحة تعليمية في هذا المعجم، من خلالها يستزيد القارئ بمعلومات تاريخية عن الدوبيت ويتعرف على مفرداته بشكل جيد.

 أحسست وأنا أراجع وأدقق هذا المعجم أن الأستاذ ديشاب ينصف هؤلاء المبدعين، لأن ما في نماذجهم الشعرية من ثراء لا يكافئه أبدا ما ورد من توثيق في المصادر السودانية، ولما لاحظته من أضواء منحسرة عن الكثير منهم جعلت بعضهم غير معروف البتة. ولعل الأستاذ ديشاب قد أراد كما لمح في تصديره أن يكون هذا المعجم بداية أو نواة لموسوعة كبرى تضم كل مبدع ساهم بإبداعه في دفع مسيرة الدوبيت السوداني وحمل رايته. وأملي أن يحرض هذا المعجم كل من يمتلك معلومات دقيقة عن شعراء الدوبيت لإبرازها لتظهر من خلال جهد لاحق، فأنا أعلم أن الكثير من أهل البادية كانوا ينظمون الدوبيت ومازالوا عن طبع أصيل فيهم، وبطريقة عفوية أو شبه عفوية. وأن منهم من لا يود حياءً أو لأسباب أخرى أن يعرف بين الناس بصفته شاعراً، لذا فإنهم ينسبون ما ينظمونه إلى غيرهم، كما أعلم أن شعراء الدوبيت المبدعين تصل أعدادهم لأضعاف مضاعفة لما حواه هذا المعجم. ويقيني أن هذه الأعداد في نماء مضطرد  وتزايد مستمر، مما لا يمكن معه أن يحاط بإتقان ويوثق بتفصيل عن طريق مجهود فردي وإن كان رائعاً وعلمياً كهذا المعجم. وهذا ما يدعونى بإلحاح لاستنفار كل صاحب اهتمام بأدبنا الشعبي، لإنجاز موسوعة كبرى تليق بشعراء الدوبيت، لأنهم يستحقون الخلود، فقد أثروا وجداننا وأناروا عقولنا، وكانوا كالأبادر التي تضئ تاريخنا الذي استلهمنا منه العبر وأمتعتنا منه الحكايات والسير.

ويطيب لي أن أختم هذا المقال ببعض المربعات الغزلية التي أثبتها الأستاذ ديشاب في معجمه لشعراء أورد سيرتهم. يقول الشاعر أحمد ودجاوى يخاطب صديقه عبده وهو يقتات من وجده وغزله:

أنا يا عَبدُو سَاجِعة البَليبْ في دَوحَا تَنْفِي جَنَاحا مِنْ حَالي وتَقَلِلْ نَوحَا مِنْ سِتْ الصُبا الدَخَلَتْ عَوالي صِرُوحَا أسَرَتْ قَلبي بَيْ نَظرَه وشَفَنِي جِرُوحَا وردت في المعجم سيرة الشاعر الأمين ود كريز وأورد له الأستاذ ديشاب مربعين يقول في أحدهما وقد على عليه الرنين والحنين:

مَالِك عَيْنِى سَرْحَانَه وابَيتِي الخَدْعَه زَيْ غَرَّادَة الوَرَاقَه رَادْفَه السَجْعَه يا مولايْ هَوِّنْ ليْ دُرُوبْ الرَجْعَه عُقْبَانْ عَادْنِي وَحَاحْ وارْتِعَاشة الهَجْعَه رغم أن الأستاذ ديشاب تتبع الشعراء  منذ نشوء الدوبيت في أرض البطانة على يد الشاعر حسان الحرك إلا أنه لم يغفل الشعراء المجيدين من الشباب كالشاعر حسن الأمين عبدالله الحسن الذي قال:

سِدْرَ الكِتْرَه أصْبَح مَا يَغَنِي بَلَيْبُو يِذَكِر عَقْلِي تَنْكِيدْ اليَتِيمْ ونَحِيبُو ظَبْيَ العنسْ الفَتَقَّنْ قُعُورْ مَحَرَيْبُو أبَتْ تَبْقَالْنَا تِخْلاتُو وقُلُوبْنَا تْسِيبُو وكذلك الشاعر الشاب أحمد عثمان الضو الذي لايقل شاعرية عن سابقه يقول فيما هو مثبت له بالمعجم:

أميرْ جِيلُو المَتَوَّجْ فَوقْ ِديَارُو وحَيُّو ريلاً راتِعْ الصَيدْ في خَلاهُو وصَيُّو دَرْفُونْ البَوَادِي الإبْتَلَيتْ بَيْ غَيُّو سَمحاً زوقُو أبدعَ في جَمَالُو وزَيُّو الغي هو الحب وهو ما أسقم الشاعر محمد أحمد حسب ربه وملأ شريانه يقول في مربع أثبته له ديشاب في معجمه:

لَيه يا رَاغِي تَصْرُفْ للحَدِيسْ تِتْأَبَّى وخَدَكْ فَوقُو إِعْجَابْ النَمِيمْ إِنْكَبَّ يا ال هَافَكْ قَسَمْ اعْضَاكْ وسَدْرَكْ شَبَّ غَيَّكْ قَاشِطْ الشِرْيَانْ ومَالِيه مَحَبَّه تعرض ديشاب لسيرة الشاعر إبراهيم حمد طويل وأثبت له مربعاً غزلياً ولكنه يمتاح من قاموس شعري يرتبط ببيئة الأرض التي يعيشها عن معرفة ودراية

يقول:

فرعاً في الشِدَيرَه النَارْ تَصَبِّحْ جَمْرُو دَايِرْ يَفْهَقْ العَنَفْ السَبِيطْ بَيْ تَمْرُو للجِيلْ حَاكْمَاً دَايِرْ يِنَفِزْ أَمْرُو أديباً سابتاً يَا الليلْ سَغِير في عُمْرُو إن مفردات الدوبيت المرتبطة بثقافة الأرض والبيئة تمتاز بقوة العبارة ورصانة الكلمة كما سنرى في مربع الشاعر محمد الأمين ود تروة الذي ضمه المعجم يقول:

عَنَاقْ دَلْقَ الخَلا الغَادَرَتْ عَاكْلابَا قَصَّ القَلِبْ هَرَعْ حَشَّ البُطِونْ سَاكْلابَا كَاسِرْةَ الحُرْدِي طَقْ والفِرْكَه مِنَّصَّابَا زَرْقَةْ حَرْبَه أَبْيَضْ مِنْ مُهْجَتَا البَاصَّابَا وأخيراً أقول إن الصدور المتوقع لهذا المعجم الثر سيكون من أعظم هدايا العام الجديد لمحبي الدوبيت وسيلبي أشواق الباحثين والدارسين وسيسعد الكثيرين ولعلي سأكون أسعدهم جميعاً فقد قرر الأستاذ ديشاب أن يأخذني في معيته عبر بوابة المجد عندما سمح بوضع إسمي تحت إسمه في غلاف المعجم الأمامي مراجعاً ومدققاً فيا له من توق وما أعظمه من شوق.