(الحلقة الثالثة)

قبل أن تبدأ الأحداث المثيرة لمباراة القمة بين الهلال والمريخ كان صديق قتلة غرانفيل يستلقي بظهره على فرشه في الفناء وينظر إلى السماء وإلى حوائط السجن العالية التي تكاد تلثم من ذيل السحاب بلا كد وإجهاد ثم غشيته إبتسامة ما كان حريا بها أن تغشاه في مثل هذا الوقت الذي يختلج فيه صدره بذكرياته مع أصدقائه قتلة الدبلماسي الأمريكي غرانفيل ولكن هذه الحوائط العالية المتينة والحرس الذي كان يسير فوقها ويصدر من حين إلى آخر أصواتا مزعجة إما للإشارة لوقت المناوبة أو إلى الإيعاز لمعني أننا هنا أيقاظ ونراقبكم وتلك الطائرات التي تعبر فضاء السجن في إرتفاع منخفض إما للهبوط في مطار الخرطوم أو الإقلاع منه بين وقت وآخر مخلفة أزيزيا يصم الآذان كل هذا ذكره بما قاله شاعر الدوبيت المجيد سليمان العجيمي الذي كان نزيلا معهم في سجنهم هذا فقد قال ضمن ما قال في قصيدة طويلة ورائعة أسماها مسدار كوبر:
تب يا كوبر المن جهنم ساسك..
حيشانك متان وماسكين الكلاش حراسك..
إنتي السموم والسجان مدور كاسك..
وانا اخو فاطمة ساعة يقع القدر متماسك..
*****
كوبر في الهياكل عالية الحيشان..
لكن في الدواخل والعة بالنيران..
شلنا الشيلة ما جررنا في الأخوان..
عقبان صابرين صبر يوسف على السجان..
*****
بالليل والنهار عسكورنا ضارب الرو..
وعقب أم جناح حس رعادا زاد العو..
من بريريبا نجع قصاص دربو ما هو أشو..
المقل إنكفن والنوم جفاهن كو..
*****
صرصر رياح يا شوم تبشتن حالك..
عقيد في قومي ما ضقتا الوحيح قبالك..
ما بنابا الدواس يا والعة نحنا رجالك..
لكن الوفي في فراقو يوت متهالك..
عندما عبرت ذكرى العجيمي وأشعاره الرائعة والمعبرة عبرت إبتسامة صديقنا إلى مكان آخر وحلت مكانها أشجان أتت بها ذكرياته مع أصدقائه التي إستدعاها من جديد وبعضها كان مخيفا فقد تذكر كيف أن عبدالرؤوف إستدعاه ذات نهار عندما طرق الباب من داخل قسمهم جيم بشدة فأتى إليه أحد النزلاء العاملين ووقف خلف الباب الموصود من داخل قسم الرحمة وسأل بصوت مرتفع:
- دايرين شنو يا اخوانا؟
- لو تكرمت يا أخي أريد صديقنا فلان لأمر مهم أرجو أن تستدعيه لنا.
فجاءه وبدأ الحديث بينهما والباب الحديدي العتيق يقف بينهما يمنع الرؤيا ويكاد يمنع الصوت، قال له:
- يا صديقي تعلم أن هذا اليوم مسموح فيه بزيارتنا.
- أعلم ذلك يا صديقي.
- إذن إذهب إلى كابينة الإتصالات وهاتف الأولاد لا تدعهم يأتوا إلى زيارتي اليوم سأعطيك الرقم الآن.
- حاضر سأتصل بهم.
- قل لهم إن الزيارة اليوم لن تكن متاحة لأن السجن في حالة إستعداد كاملة فالمحكوم عليهم بالإعدام في أحداث سوبا سيتم إعدامهم اليوم.
- لا حول ولا قوة إلا بالله اللهم أرحمهم أحياء أو أمواتا.
ذهب الصديق وأدى المهمة ثم عاد ليجد زملاءه النزلاء في حالة ترقب مثيرة فاليوم سيتم إعدام كل من كل من جون بول كاو، عبدالرحيم علي محمد، إدريس آدم الياس، نصر الدين محمد علي كداكا، سليمان جمعة عوض كمبال، وبدوي حسين إبراهيم وهم المتورطون في مقتل أربعة عشرة شرطيا في أحداث سوبا-تم إعدامهم بالفعل في شتاء العام  2010- إن ذلك الصديق يعرف هذه الرائحة عندما تفوح من غرفة الإعدام إنها رائحة الموت سنوات هو هنا يعرف أثرها إنها تجعل السجن كئيبا، ليتني لو لم أعرفهم هكذا كان يقول صديقنا لنفسه، ففناء قسم الرحمة يعتبر ممرا واسعا ووحيدا لكل أقسام السجن إلى متجر السجن الشمالي وكابينة الإتصالات وحوش الزيارة الواقع في أقصى الناحية الشمالية والذي عبره الهاربين من تحت الأرض، كان أولئك الشبان الذين قضت عليهم غرفة الإعدام يمرون من هنا عندما يسمح لهم بالذهاب لكابينة الهاتف أو لشراء أغراض من متجر السجن كانوا يلقون بسلامهم على من يلقونه من نزلاء قسم الرحمة ثم يمضون بقيودهم الحديدية فنشأت بينهم وبين بعض نزلاء قسم الرحمة صداقات عابرة وصغيرة ولكنها كانت مليئة بمشاعر إنسانية جياشة، في ذلك اليوم إفتقدهم صديق قتلة غرانفيل وترحم عليهم والتأثر آخذه فقد كان يذكر جيدا أن أحدهم قد تحدث إليه في وقت مضى وقال له وعيناه تغرورقان بالدمع:
- أحس بأنني سأعدم قبل أن أرى إبني كم أتمنى أن أراه قبل أن أحس بذلك الحبل المتين وهو يلتف حول رقبتي، زوجتي وضعت بعد القبض علي ببضعة أشهر أي قبل خمسة أعوام ولا أعرف أين هما الآن. كان ذلك الشاب صادقا في حدسه فعندما اعتلى دكة المشنقة إعتلاها قبل أن يضع لإبنه صورة في ذهنه. وهكذا كانت الحياة في ذلك السجن أحزان كثيرة وأفراح قليلة. في اليوم التالي تم إستدعاء صديقي وصديق قتلة غرانفيل بطريقة مقلقة فأخذنا نترقب عودته ولكنه في ذلك اليوم لم يعد إلينا. يتبع.
بقلم: أسعد الطيب العباسي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////