عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الشعر أصلو كلمات في القلب تتلمه..
وعند الحوبة زي بلح استوى واترمه..
ننضما زي عقد على بعض تنضمه..
وتصبح بكرة طيب والفيهو بنشمه..
{عكير الدامر} ‏‎

لن تنقطع أبحاثنا ودراساتنا حول الأدب الشعبي السوداني ودعامته الدوبيت بإعتباره أهم الفنون القولية السودانية الشعبية وأساس الكلام السوداني المقفى، وسأتعرض في هذه المقالة إلى أنواع الدوبيت السوداني، وقد رأيت أن أبني خطتي في ذلك على محاور أربعة إذ وجدت صعوبة بالغة في تحديد أنواع الدوبيت السوداني بطريقة شاملة من زاوية واحدة، إذ إن ذلك لابد أن يأتي قاصرا. وقد بدا لي أن المحور الرابع الذي حددته ضمن هذه الخطة يتخذ شكلا أساسيا في أنواع الدوبيت السوداني، وتتمثل هذه المحاور أولا فيما أسميناه بمحور الغناء والإنشاد، وثانيا محور الشكل الهندسي، وثالثا محور التطور التاريخي، وأخيرا محور البناء والهيكل الفني. وسنقوم تباعا بشرح هذه المحاور.
 تنوع الدوبيت من حيث الإنشاد والغناء وأخذ ضروبا متعددة، كالضرب الغنائي المسمى ب (الشاشاي) الذي يرد كثيرا في المدائح النبوية، و ك (الهوهاي) الذي ينتشر في شمال السودان ويبرز بشكل خاص في أغاني النشيل وهي الأغاني التي يترنم بها الذين يردون الماء في الآبار، وهنالك (البوباي) وهو ضرب من اللحن إنتشر وعم معظم أنحاء السودان، كما نجد (الدوباي) الذي يعتبر ذؤابة الفن الغنائي السوداني، وهناك (الجابودي) وهو نوع من الغناء الشعري وضرب من الرقص مشهور ويتكون الشعر فيه من ثلاث شطرات. في غرب السودان نجد أن الدوبيت يتنوع في هذا المحور عندما يتخذ ضروبا وأشكالا غنائية أخرى ك (البوشان) الذي يعرف بهذا الإسم كذلك لدى القبائل العربية المقيمة في مناطق الإلتقاء بين الصحراء والأرض الزراعية في محافظة الشرقية بمصر.
والبوشان شائع لدى قبيلة الرزيقات وينقسم في شأن الغزل إلى ثلاثة أقسام هي (اللبادة) التي تعرفها أيضا قبائل دار حمر في غرب كردفان، و(الشتيل) ويعرفه الجوامعة والبديرية في وسط كردفان، و(السنجك) ويعرف عند قبيلة بني هلبة. و(البوشان) يتغنى به الفرسان إلا أننا نعرف فيه أشكالا متفرعة كبوشان (الرثاء) الذي يسمى أحيانا (بكائية) وبوشان (المدح) الذي يأخذ أحيانا إسم (الكاتم) الذي يصحبه التصفيق والرقص بالرقبة من الرجال والنساء، على أنه ينحصر لدى الحكامات اللاتي يتغنين به نهارا ويمتاز لحنه بالهدوء، وبوشان (الفخر) وهو ما يسمى أحيانا (تر اللوم) وهو أشبه بالنشيد الحماسي الذي يلقى ليرتفع بالحماسة لدى الرجال في الحرب، كما نجد (المشكار) الذي لا يختلف عن البوشان من الناحية الشكلية ولكن تتنوع فيه أغراض القول. وفي غرب السودان نجد (القندلة) وهي أغان ورقصات يشترك فيها الشبان مع الشابات داخل حلقة الرقص ذات توقيع بالأرجل والصفقة وتنتشر بصفة خاصة لدى قبائل الحمر، كما نجد في كردفان (التوية) وهي ضرب من الغناء والرقص والوزن، وكذلك (الكدنداية) التي تعتبر أيضا ضربا من الغناء ووزنا من الشعر. ويعتبر (الجراري) و(المردوم) من أشهر دروب إنشاد الشعر في غرب السودان، ولعل (الجراري) منسوب لقبيلة بني جرار، ويكثر (المردوم) لدى قبائل حمر والبقارة وهو أيضا نوع من الرقص ويعرف كذلك في غرب السودان بإسم (المردوع)، وهناك (الهسيس) وهو من الإيقاعات خفيفة الأداء وقصيرة الأوزان والكلمات وينتشر بصفة خاصة لدى قبائل الكبابيش، كما نجد (الربق) وهي طريقة غنائية سريعة تتلاءم مع خفة الوزن الذي نشأ به وينتشر لدى الشايقية والمناصير والرباطاب والجعليين وبادية البطانة وحوض نهر عطبرة وفي شمال كردفان، وهناك (الهبي) وهو لون مربع من النظم يغنى وخاص بقبيلة البجا في شرق السودان، كما توجد الأشكال الدوبيتية المغناة في شمال ووسط السودان كأغاني (الصبية والصبيات) وأغاني (السيرة) وأغاني (الحناء). على أنه علينا أن نتنبه بأن محورنا الأول هذا في شأن أنواع الدوبيت الذي يتخذ أساسه من الغناء والإنشاد والتنغيم والذي حاولنا جاهدين أن نأتي على صورته كاملة يشكل بصفة عامة شعر الغناء لدى القبائل السودانية وسطا وشمالا وشرقا وغربا كما يمثل الأشكال الغنائية الأخرى التي تعتمد كلماتها على فن الدوبيت الشعري، وبالطبع فإن أشكال الغناء في ذاتها لا تدخل ضمن دراستنا هذا المحور، فأشكال الغناء تعرضت لها مصادر أخرى. أما من حيث محورنا الثاني وهو محور الشكل الهندسي فينقسم الدوبيت فيه إلى ثلاثة أنواع، فإما أن يكون (ثلاثيا) أي يتكون من ثلاث شطرات ويطلق عليه (الأعرج) لما يلازمه من شعور بالتقصير في بنائه الفني، وقد أضحى اللجوء إلى هذا النوع نادرا، وإما أن يكون (خماسيا) أي مكونا من خمس شطرات وهذا النوع غير شائع. لذا بات الركون والإرتكاز في الدوبيت من حيث الشكل الهندسي هو النوع الثالث وهو الشكل (الرباعي) الذي يتكون من أربع شطرات بإعتباره الأكثر شيوعا، والأبعد أصالة، والأكثر إستقرارا، وهو النوع الذي ينطبق عليه تعريف الدوبيت كمصطلح فني.
‏ومن حيث التطور التاريخي الذي إعتمدناه كثالث محاورنا للتعريف بأنواع الدوبيت السوداني فينقسم فيه الدوبيت إلى ثلاث أنواع هي الدوبيت (الفارسي المعرب) والدوبيت (الرجزي) والدوبيت (الحضري). والدوبيت الفارسي المعرب هو شكل أخذه العرب المشارقة في العصر العباسي ونظموا فيه بالفصحى وقد أنقرض هذا النوع ولم تتبق منه إلا نماذج قليلة باللغة الدارجة من شعر الشكرية، والدوبيت الرجزي نوع ظهر في البادية وما زال مزدهرا فيها، أما النوع الثالث وهو الدوبيت الحضري فإنه يمثل تاريخيا المرحلة الأخيرة بعد إنتشار الدوبيت الرجزي في أنحاء السودان الشمالي حيث شمل أوزانا أخرى ومتنوعة، ويكثر هذا النوع في المدن والقرى وفي المناطق النهرية بصفة خاصة.
وأخيرا نأتي للمحور الرابع في شأن تعريفنا لأنواع الدوبيت السوداني وهو متعلق بالبناء الهيكي والفني وفيه ينقسم الدوبيت إلى ثلاثة أنواع هي (الرباعية) و(الربقية) و(المسدار)، والرباعية كما رأيناها في المحور الهندسي تتكون من بيتين مكونين من أربعة أشطار وتأتي كوحدة مستقلة بذاتها تعبر عن فكرة محددة أو تحمل معنى معينا أو تستوعب خاطرا عابرا، وتعتبر الرباعية -التي تسمى أيضا المربوعة والمربع- هي الأساس لفن الدوبيت والأساس لهذا المحور إذ تلتئم في النوعين الآخرين وتكونهما.
النوع الثاني في هذا المحور هو الربقية وتسمى أيضا (المربوقة) وتتكون غالبا من نحو ثلاث أو أربع رباعيات ويجوز أن تزيد عن ذلك قليلا والربقية تتميز بإتصال القافية ووحدة الموضوع وغالبا ما تكون في الغزل ووصف محاسن الفتاة والتشوق للحبيبة وشرح حال المحب وما يتجرعه من مرارة الشوق والفراق.
وتعتبر المربوقة من أصعب أنواع الشعر الشعبي صناعة، وتستعصي على أصحاب الملكات الضعيفة، إذ تتطلب ذخيرة لغوية كافية وتخيرا في والألفاظ والمعاني والكلمات ذات الرنين والجرس العالي. قال الشاعر (أحمد عوض الكريم أبوسن):
البارح سوجعات الفروع إتنادن..
خلن عيني والنوم اللذيذ إتعادن..
جابن لى سهاد حسسي البحس بى زادن..
سهرن وأسهرن عاشق أمات ضفايرن قادن..
‏          *******
جحيم جمر الغرام الفي جسمي وقادن..
بى سببو الطعون لى صدري عقبان عادن..
بعد ما ليلي هجع وفي النياح إتفادن..
ضمن بصري البلجلج ليهو مافي رقادن..
‏         *******
قريب الفجري هجسن وقنبن يتهادن..
قامن تاني سمعن بلبلا غرادن..
غرزن في جروحا منهن سقادن..
يبرن في الضحى ويمسن عشية جدادن..
ولعل النموذج الذي أوردناه حالا يعد مثاليا في شأن المربوقات، إذ جاء بمتطلباتها وزاد علي ذلك بقافيته التي جاءت بلزوم ما لا يلزم.
وللمربوقة نوع آخر يتشابه إلى حد كبير مع (المجادعة) أو (المجاراة) وذلك عندما يتنافس شاعران أو ثلاثة في تأليف رباعيات في معنى وموضوع واحد، ولا يشترط في ذلك إتحاد القافية ولكن يجب في غياب إتحادها أن يبدأ الشاعر المنافس بذات الكلمة التي بدأ بها الشاعر الأول مربعه، ولا تثريب أن تكون أكثر من كلمة، على أن هذا يخضع لإتفاق الشعراء في المنافسة. هذا ما كان من أمر الربقية أما المسدار الذي تكون الرباعية لبنته الأساسية فهو مصطلح شعري وجمعه مسادير ويمثل نوعا معينا من القصائد الشعبية التي تسير على نمط الرجز الرباعي ويعنى بسرد ومتابعة رحلة الشاعر إلى ديار محبوبته أو إحدى صديقاته من الغواني، وهي كلمة مشتقة من الفعل سدر بمعنى ذهب ولم يثنه شيئ فإذا قلنا سدر الرجل في البادية فالمقصود أنه ذهب فيها لا ينثني، ويرى الدكتور الراحل (عبد المجيد عابدين) أن أصلها قد يعود للفعل (سرد) بمعنى فصل القول ورواه، غير أنه حدث قلبا في الكلمة فصارت مسدار، وغيره ذهب إلى أنها قد تكون من (صدر) أي رجع من المكان أو صار إليه وقلبت الصاد سينا. ونجد أن كلمة المسدار في البطانة تعني المرعى أو المورد الذي تتجه إليه البهائم. قد تجيئ كلمة مسدار لتعني القصيدة مطلقا، واستعمل هذا المعنى في في نطاق القصائد الغزلية من الدوباي، كما أستعمل في نطاق المدائح النبوية، على أننا قد وجدنا أن الرأي الغالب لدى الباحثين لمعنى المسدار من حيث أنه قصيدة شعبية هو ما تحكيه القصيدة من قصة رحلة الشاعر منذ إنطلاقه حتى وصوله لديار المحبوبة، وفي هذ يقول الدكتور الراحل (محمد حامد حريز) في كتابه (فن المسدار): إن للمسدار هيكلا وبناءا معهودا قل أن يخرج الشاعر عن إطاره وهو يتطرق في نسق وتدرج للموضوعات التالية: الإستعداد لرحلة الحب وتهيئة الجمل وصاحبه لها، بداية الرحلة، وصف الطريق لديار المحبوبة ويتخلل ذلك وصف الشاعر لهذا المحبوب ووصف الجمل الذي يجمع بين المحبين، تباشير القرب من ديار الحبيب، الوصول والإستقبال، ما بعد الوصول من تمتع المحبين باللقاء وبأنس الهجوع.
لابد لي وأنا أسير إلى إنتهاء في هذه المقالة أن أورد الإضافة التعريفية التي أضافها أستاذنا الراحل الباحث العالم (الطيب محمد الطيب) لمعنى المسدار، فقد عرفه بأنه تطور لمربع الشعر لأن الهيكل البنائي للمسدار يتكون من تلك المربعات التي يتحدث عنها وأنه فن قائم بذاته ووحدته هي القصيدة ذات النفس الطويل التي تحكي عن تجربة متكاملة.
(أسعد الطيب العباسي)     ‏‎