عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

‏"قراءة نفسية حول الأدب والإبداع" (1)
يعتبر إدراج العلوم الإنسانية في حقل النقد الأدبي بغية الإحاطة بالظاهرة الفنية وفهم الغموض الذي يكتنفها من أهم المحاولات التي قدمها النقاد للأثر الفني وصاحبه، حيث نتمكن معه من رفع الستار الذي أسدله المؤلف أو المبدع بعدما أنهى عمله وتنحى جانبا وتركنا وجها لوجه أمام ما خطت يداه من ترجمة لباطنه، ففسح لنا المجال للتطلع إلى خلفية عمله الذي قصد أو لم يقصد التواري خلفه.
لعل أهم فرع من فروع العلوم الإنسانية الذي يوصلنا-أكثر من غيره- إلى نفس المؤلف أو المبدع هو فرع علم النفس -الذي إكتسى النقد من خلاله صبغة
خاصة- حين مكنه من قراءة ما وراء السطور والغوص في كنه العمل الفني وحتى حروفه يستنطقها فتفصح له عن آهات لطالما أثقلت كاهل متنفسها، فيتحاور معها فتهمس في أذنه لتخبره عن أسباب خروجها بهذا الشكل أو ذاك، لا سيما أن كلا من علم النفس والإبداع يقومان على جدلية الأخذ والعطاء والتأثر والتأثير، فعلم النفس أثر في الإبداع حينما توغل في نفس المبدع محاولا فهم أسرارها ومكنوناتها، والإبداع أثر في علم النفس عندما أثرى فرضياته وجعلها حقيقة لا يمكن إنكارها، فالنتاج الإبداعي ونفس المبدع متصلان إتصالا وثيقا، ومن ينكر العلاقة بينهما يظل في ريب من أمره، لأن الفن والإبتكار والأدب لا يمكن فصلهم عن المؤهلات النفسية، فلا يمكن أن يكتب من لا يمتلك رهافة الحس ومن لم تذقه الحياة مرارة حنظلها، لذلك فإن الإبداع يولد أحيانا من رحم نفس معذبة أضنتها الدنيا وآلمتها في العمق.
إذا كان الإبداع كذلك فإننا لا يمكن أن نفهمه إلا حينما نصل إلى جذور الشجرة لنعرف من أي نسغ كونت ثمارها ولم كونته على تلك الشاكلة، ومن عمل القراءة النفسية الوصول إلى تلك الحقيقة. لذلك فإن من أنكر العلاقة بين علم النفس والإبداع يكون قد جانب الصواب، فلا يمكن أن نعزو تلك اللوحات النادرة المحفوفة بالأسئلة والغموض التي رسمها (ليوناردو دافنشي) لمجرد الصدفة، كما لا يمكن أن نتصور أن حب (أبي نواس) للخمر والتغني بها وتخليدها في شعره هو حب طبيعي يقر به العقل والواقع.
إن جل ما نتلمسه من أعمال المبدعين دليل على وجود عقد نفسية مدفونة في تلك الساحة الخفيفة التي تتخزن فيها جميع الرغبات والميول والتناقضات التي تباغت الشعور لتطفو على سطحه في شكل جمالي تتخفى من ورائه إهتم جل النفسانيين بنفس المبدع ودورها في إبداعه، وكان على رأس هؤلاء
(فرويد) الذي كرس حياته الفكرية منذ بدايتها لدراسة الآداب اليونانية والرومانية في إطارها النفسي البحت، وقد جاء بنظريات خدمت الأدب والنقد من جهات عديدة، وقد سار على نهجه الكثيرون ممن أعجبوا بتحليلاته وآمنوا بصدق نظرياته وممن كانت لهم ميول خاصة للمواضيع النفسانية. وقد أظهرت أبحاث هؤلاء المهتمون بالشان النفسي في دراسات الأدب والإبداع أنه ما من عمل أدبي إلا وله تفسير نفسي يظهر خاصة عند إختيار المبدع لنوع من الكتابة أو لنوع من الرسم دون الآخر، لأن كلا منهم تمتلكه نفسية ما وتحكمه ظروف طفولة معينة. يقول الشاعر إبراهيم المازني:
وما الشعر إلا صرخة طال حبسها
يرن صداها في القلوب الكواتم..إن وصول الإنسان بفكره إلى أرقى درجات التطور في شتى ميادين الحياة ومختلف أنواع العلوم ربما كان سبب طبعه الفضولي الذي جعله يخترع أدوات من الحجر في بدائيته، ويغزو الفضاء ويصل إلى القمر في عصرنا هذا، إلا أنه كثيرا ما وقف عاجزا عن تفسير أحاسيس ومشاعر اجتاحته. إننا نحاول معرفة سر حركة الكواكب، وعلاقة القمر بحركتي المد والجزر في البحار، لكننا ننسى الحركات الخفية لتلك الساعة التي تقبع في دواخلنا وبين جوانحنا. لقد إكتشفنا مناطق الأرض كلها وتجولنا في خط الإستواء وعبرنا القطبين واكتشفنا الغابات الموحشة والصحاري المعتمة والبحار المجهولة، غير أن جهلنا بأنفسنا لا مثيل له كما أننا غرباء في مواطن أرواحنا.
بمرور الزمن وتطور فكر الإنسان استطاع ملامسة بعض جوانب هذه النفس الغامضة، فوجد في الفنون بشتى أنواعها متنفسا له، فعبر بسمفونيات موسيقية رائعة عن حزنه تارة وعن فرحه تارة أخرى، وقد ثبت أن مثل هذه الوسائل تهدئ المنابع غير الواعية في العقل البشري.
كما عبر الإنسان بالريشة والألوان عما تكتنزه نفسه من مشاعر، فجعل  من اللون الأسود صورة لنفسيته الكئيبة، ومن الألوان الزاهية صورة لنفسيته السعيدة، ولكن رغم ذلك لم يصل براحته إلى بر الأمان، فربما لم يفهم الإنسان ماذا أراد من وراء عزفه أو رسمه، فارتاد المخاطبة باللغة فأبدع في خطابه إلى أقصى الحدود، فكتب الشعر والمسرحيات والقصص والروايات، التي ربما وجد أنه من خلالها أزاح عبئا قد أثقل كاهله. لذلك فإن الإبداع منذ الوهلة الأولى هو تعبير عن نفسية الإنسان، وإن أخذ بمرور العصور منحى أو إتجاها آخر يتصل بأسباب سياسية أو دينية أو اجتماعية هو برئ منها والذنب كل الذنب يقع على من اتخذه جسرا للوصول إلى أغراض الحياة (كحب التكسب مثلا).
إن تعرضنا لهذه الأمور هو رد لكل من أنكر العلاقة القائمة بين علم النفس والإبداع والأدب. فنقول لهؤلاء إن للنفس علاقة وطيدة بما يبدعه الفنان والأديب على وجه الخصوص، وذلك لأن أحاديثهم التي خرجت من أغوارهم في النهاية في شكل قصة أو شعر أو رواية كانت قبل ذلك خوالج اجتاحت نفس المبدع في الظلام قبل أن تخرج إلى النور.