[عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
الحلقة السابعة
‏ (1)
عندما كانت (أم شوايل) طفلة وديعة في سن باكرة سألت والدتها:
‏ ـــ ليه يا أمي سميتوني (أم شوايل)؟
‏ـــ سميناك (أم شوايل) عشان متمنين ليك الغنا.
‏ـــ (أم شوايل) يعني غنيانة؟
‏ـــ الشايلة يا بتي معناها البهيمة –الدَّارة- أي الحامل والشوايل هن البهايم الدَّارات ولمن يكون عندك بهايم كتار وكمان دَّارات ده يعني إنك غنيانة.
ذكريات طفولتها تحملها لها الأحلام حتى وهي في قعر هذه البئر بتفاصيل واضحة، وعندما أفاقت (أم شوايل) من نومها وفارقت أحلامها كانت تطبق على لهاتها اليابسة بشفاهها الجافة وتغمض عينيها عن ضوء كثيف ظنت أول الأمر أن مصدره الشمس التي ما كان نورها يصل إلى قعر البئر أبدا، فاستغربت الأمر وهي التي ما كانت تعرف كيف تحدد دخول أوقات الصلوات فنهارها كليلها وليلها كنهارها فكانت تتيمم وتصلي في جلستها تلك وهي لا تدرك قبلة ولا وقتاً لدخول الصلاة المهم أن تصلي إلى أن يوافيها الأجل، وحتى الضوء القليل الذي كان يأتيها أحيانا ولدقائق معدودات عبر فوهة البئر البعيدة ما كانت تدري هل مصدره الشمس أم القمر.
‏(2)
بصعوبة ألفت (أم شوايل) الضوء الكثيف الذي هبط عليها فجأة فرأت على فوهة البئر البعيدة شيئاً يتربع كالقمر ثم بدا على هذا الشيء عينان وشفتان ووجه إنسان كامل فظنت أن الأمر حلما فقد كانت تختلط عليها أحلام المنام بأحلام اليقظة وبالحقائق، خاصة وأن الضوء رافقه نسيم بارد ومنعش ثم بدأ الوجه يتكلم وتصل كلماته بكل وضوح إلى مسامع (أم شوايل)، قال لها:
‏ـــ سلام عليك يا (أم شوايل).
‏ـــ وعليك السلام، حلفتك بالذي خلقك إنت إنس وجان.
‏ـــ أنا مرسل ليك يا (أم شوايل).
‏ـــ منو الرسلك؟
‏ـــ ما مهم تعرفي، ولكن مرسل ليك عشان أجيب ليك لبن فيهو ملح.
‏ـــ طيب ما تمرقني من هادا البكان اللرضة أكلت هدومي وأكلت شعري.
‏ـــ وكت مروقك لسه ما جا يا (أم شوايل) لكن بمرقك إنسان بتمرقي يا (أم شوايل) بإذن القادر الكريم بس أصبري وداومي على صلاتك يا بنية.
‏ـــ خايفة من الدعت القاعد يحوم بى جنبي دا.
‏ـــ ما في دعتة لا عقرب ولا دابي بهبشك.
‏(3)
وضعت (أم شوايل) كفها فوق جبينها لتحجب شيئا من الضوء لتستبين لها الرؤيا بشكل أوضح وهي ما تزال خائفة، فرأت الخفافيش السوداء تتطاير وتغادر البئر ورأت محدثها بجلباب أبيض يشع منه النور وعمامة ناصعة البياض ووجه صبوح كالقمر، ومن أردانه تنتشر رائحة أحالت رائحة البئر طيبا وشذى.
ثم سمعت الرجل المجهول يقول لها وهو يسقط لها حبلا دقيق الفتل مذهب يحمل إناء فضيا:
‏ـــ أمسكي يا بنية الكورية دي فيها لبن فيهو ملح إن شاء الله ينفعك.
بدأت (أم شوايل) تشرب من اللبن قليلا قليلا حتى أتت على ما في الإناء وغادرها العطش والخوف. فقال لها الرجل بصوت ندي ورقيق:
‏ـــ رويت ولا أزيدك يا (أم شوايل).
‏ـــ رويت يا الفضيل إن شا الله ربي يجازيك من فضلو وإحسانو.
فقال لها وهو يجذب الحبل والإناء إلى أعلى:
‏ـــ طيب يا (أم شوايل) مع السلامة أنا بمش وبجيك باكر إن شاء الله. ودعتك الله يا بنية.
‏ـــ مع السلامة يا الفضيل يجزيك ربي ثواب ويباركك فوق رزقك.
‏(4)
أحست (أم شوايل) أن الحياة بدأت تدب في جسدها الناحل من جديد فرفعت يديها وأخذت تحمد الله وتدعوه قائلة:
ـــ الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، الحمدلله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه غير مودع ولا مستغنى عنه ربنا، اللهم أطعم من أطعمني واسق من سقاني، اللهم هيأ لي من أمري رشدا واجعل لي مخرجا آمين يارب العالمين إنك مستجيب الدعاء يا أكرم الرازقين.
 تيممت (أم شوايل) وصلت ثم نامت لتجد نفسها تسبح في بحر عريض وقد فقدت قواها، وبدأت تغرق فرأت حوتا ضخما يتجه نحوها ثم يغوص تحتها فيضعها فوق ظهره ثم يرتفع بها ويسبح بها نحو البر وهي تتشبث بظهره وبزعانفه إلى أن قذف بها فوق رمال الشاطئ فهبت من نومها مذعورة وهي تقول:
ـــ اللهم أجعله خيرا.
ظل الرجل المجهول ذو الجلباب الأبيض لا يخلف وعده ويأتي إليها يوميا بلبنه المالح وينشر عطره الشذي في البئر قبل أن يودعها، غير أنه تخلف ذات يوم ولكنها سمعت في ذلك اليوم صوته يأتيها من بعيد ويقول لها:
ـــ الليلة اللبن يا (أم شوايل) بتشربيهو بره البير إن شاء
الله.