[عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
الحلقة الثانية
‏ (1)
كانت (أم شوايل) تعلم أن ضياع تلك الشياه الخمس من قطيع والدها الذي ترعاه لهو أمر يجر لها غضب والدها، ولكن لم يكن في حسبانها أبداً أن غضبه سيبلغ درجة أن قتلها لذا بقيت (أم شوايل) في مناحي المرعى تبحث وتبحث عن الشياه الضائعة بحثت عنها في ذلك الخلاء كثيراً قطعت عدة أميال شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً بحثت في قطيع الرعاة الآخرين فربما إنضمت لها الشياه الضائعة ولكن دون جدوى، وعندما مالت الشمس لمغيبها إستسلمت (أم شوايل) لقدرها وقررت العودة إلى الحلة ببقية قطيعها وهي تبكي ولا تدري كيف سيكون عقابها وعلى كل فإن (أم شوايل) لا تعرف الكذب ولم تنطق في حياتها بكلمة غير حقيقية نعم أنها نامت فقد كانت مرهقة ومتعبة وأثناء نومها فقدت الشياه الخمس وقد يعتبر والدها أن هذا إهمالاً وقد يعاقبها بالضرب، ولكن لابد أن تقول له الحقيقة، وكانت تأمل أن تجد الشياه الضائعة سبقنها إلى الحلة وإن لم تجدها هناك ستفزع في أثرهن من جديد عند الفجر ولكن (أم شوايل) لن ترى الفجر بعد ذلك لأربعين يوماً متتالية.
‏(2)
خاب ظن (أم شوايل) فلم تجد شياهها الضائعة في الحلة أو في داخل الزريبة فجاءت لوالدها بعينين دامعتين وقالت له:
‏ـــ آ يابا (الحميرا) و(البيضا) و(المغوفة) و(أم قرن) فقدتهن وما لقيتن وسط البهم.
فقال لها والدها وقد بدأت على وجهه أمارات الإنزعاج:
‏ـــ وين مشن شالن شيطان؟
‏ـــ ما بعرف يابا كنت تعبانة وأخدت لي غفوة ولما صحيت مالقيتن.
تحول الإنزعاج الذي كان بادياً على وجه والدها إلى غضب فوجه إلى وجهها صفعة أسقطتها على الأرض فقالت وهي تمسح من خديها ما تبقى من دموعها المتطايرة:
‏ـــ بفزعهن فجر وان شا الله بلقاهن.
فقال لها وهو يتجه بغضبه نحو الصريف ليستل منه عوداً جافاً:‏
‏ـــ وين تلقيهن تاني يا خيوبة وهو إنتي بتعيشي عشان تلقيهن.
 وعندما رأت (أم شوايل) العصا في يد والدها وهو يتقدم نحوها بعينين تقدحاً شرراً قالت له متوسلة:‏
‏ـــ عليك الرسول يا يابا خلني بجيبن.
 وكررت (أم شوايل) توسلاتها دون فائدة فقد بدأ والدها يضربها بعنف وهي تصرخ وتبكي. ‏‎ ‎
‏(3)
ويوم الكارثة الغرد بوما سرحت في أحلاما الوردية..
وراحن منها خمسه نعاج  وفاكره الشغله تكون عادية..
وقاتلو يا يابا نعاجي إنطلقن وفجأة إنطلقت في النارية..
وكشر وحمر ودنقر وصنقع وكنها قاتلو رميتلي جنية..
قفل الكرنك وكتف أقداما سرتلو قناية وطاح في عضاما..
كسر فوقا قنايتو وناول عنجاويهو بلاهو قوية..
ريا تكورك يابا بجيبن..‏
هردت قليبي يا يابا بجيبن..‏
قطعت قليبي يا يابا بجيبن..‏
قصيت ضهري يا يابا بجيبن..‏
تف عضاما.. يا يابا بجيبن..‏
وحت سنونا سليق قداما.. يا يابا بجيبن..‏
وكنها ما حتيتة كبدو يقطع فيها بلا حنية..‏
هكذا صور لنا الشاعر (بشرى) توسلات (أم شوايل) وذلك العذاب الذي سامه والدها لها دون رحمة ولأجل ماذا؟ لأجل خمس نعاج ضاعن منها في ذلك الخلاء الفسيح ولم يشفع لها ذلك الحب الذي تكنه له والخدمات الجليلة التي تؤديها لأجله.
(4)
أدماها الضرب واختلطت دموعها بدمائها وتهدجت أنفاسها وظنت (أم شوايل) أن هذا آخر العذاب والعقاب، ولكنها كانت واهمة فإن ما كان ينتظرها لهو أكثر هولاً وأعمق إيلاماً فعندما قال لها والدها:
ـــ إستعدي للموت يا بنية.
قالت له (أم شوايل) التي لا تعصي لوالدها أمراً:
ـــ حاضر يابا البتقولو كلو يمشمي..!
في تلك اللحظة الكئيبة كان الكون يغرق في الظلام و(أم شوايل) تتحسس جسدها المهدود وثوبها الذي مزقه الضرب وتقول لوالدها:
ـــ عل يابا العيال كان شافوني بى هادي الحالة بيضحكوا فوقي.
ــ قت لك إستعدي يابنية للموت قسم عل ألحقك أمك الليلة.
ـــ قت لك مستعدة يا يابا سو فيني شن ما تدور.
 ثم إنخرطت في بكاء مر لم يلين معه قلب والدها المتحجر ولم يفل عزمه الآثم لقتلها وكأنه حيوان أتى لتوه من غابة موحشة.
(5)
قال لها وقد تمكن منه الشر والغضب إلى أبعد الغايات وهو يخرج سكينه من جفيرها:
ـــ يا بنية الليلة الموت راجيك بدوري تموتي كيف يا الشوم أقطع لك راسك ولا أرميك في البير.
ـــ أرحم لي البير يا يابا أرمني فيها والله بسامحك يا يابا.
ولما خلاس الحيلة انهدت وبقيت بين ميتة وحية..
قالت لو: يابا هدومي إنشرطن وخايفة اللولاد يضحكوا فيا..
وقف إنسند وعينو شراره..
فرحت يمكن سن قراره..‏
فل سكينو ولسه بجوط..
و خيراً بين الموت والموت..‏
أتكيك يا الشوم وأقطع لك راسك..؟!
ولا أرميك في البير يا بنية..؟!
رفعت شوفا على نعيجاتا وسالت وجفت دمعة سخية..
وقاتلو كما إسماعيل لى بوهو: سوي الدايرو تراني ضحية..
إلا البير يا يابا أرحم لي إمكن ربي يضاري عليا..‏‎
بعد ذلك بدأت أعجب وأقسى رحلة أب يحمل طفلته الممزقة الثياب والدامية الجسد والدامعة العينين نحو بئر مهجور خارج القرية ليرسلها إلى قعره.
‏(6)
كانت البئر على بعد من القرية إنها مسافة تهدئ النفس وتبعد الغضب غير أن والد (أم شوايل) لا يهدأ ولا يرضى ويصر على عزمه و(أم شوايل) على أكتافه التي إمتلأت من دموعها وهي تخلل بأناملها الصغيرة شعر رأسه وتوسع عنقه بالقبلات..!
وكانت تنظر إلى ناحية الأغنام فإن بينها وبينهم مودة وإلفة وهي تلوح لها بإشارة الوداع من كفيها، كانت السماء ثوباً أسوداً مرقعاً بالنجوم ووالد (أم شوايل) يطأ الأرض الرملية بقوة وسرعة و(أم شوايل) تهتز في ظهره وتمسح من ملابسه دماءها التي تدفقت عليها وهي ترجوه أن يسامحها لأنها تسببت في إتساخ ملابسه:
ـــ أبوي مليتلك هدومك بالدم أعفالي..!
وكانت (أم شوايل) تشعر بأنها حمل ثقيل على أبيها فطلبت منه بنبل غير مسبوق أن يقيلها عن ظهره، وأن يرتاح قليلاً من رهق المسير وأنها تستطيع بما تبقت لها من قوة أن تسير إلى جانبه فما زالت البئر بعيدة..!