كان شاعرنا محمد سعيد العباسي مولعاً بحياة البادية ويحمل نفساً تعلّقت منذ نشأته الباكرة بكل ما يتصل بالحياة الفسيحة المبرأة من القيود والأسوار، فأحب التنقل والأسفار، وعشق الفروسية، ومارس الصيد فاقتنى كلاب الصيد الجيدة، ومنها (ام سُوق) التي جاءته هدية من صديقه شيخ العرب السير علي التوم ناظر عموم الكبابيش، فبقيت معه ورعاها ورعى سلالتها على مدى عشرات السنين، ومن أشهر سلالاتها الكلبة (دولات) التي ذاع صيتها في منطقة الريف الشمالي، وقد كان العباسي فارساً يحب الخيل ويمتلكه، ولعل مهرته الرشيقة (كيلوباترا) التي كانت تحوز قصب السبق في المضامير أهم وأشهر ما امتلكه من الخيل، أما الأيانق فكان لها في قلبه مكانة لا تعدلها إلا مكانة المودود والمحبوب، فهي رفيقته ونجيته في الفلوات وحاملة أثقاله وعلى ظهورها يسافر ويقطع السهوب والوديان وينزل الوهاد ويعتلي النهاد الى حيث الأحبة وديارهم وريح الصبا، يدفعه الشوق وتحمله متون المطايا.
وتحيةً حملتها ريحَ الصبا * ممزوجةً برقائقِ التشويقِ
ما البانُ إما بنتمُ بانٌ ولا * ذاك العقيقُ المشتهى بعقيقِ
أوطانكم وطني وإنَّ فريقكم * أفديه دونَ العالمين فريقي
ياهل تهب لديَّ من تلقائكم * ريحُ الرضا ونسائمُ التوفيقِ
فأروح أدَّرع الفلاةَ يقودني * شوقي الصحيحُ وفعلُ أيدي النوقِ
وأفيق من جهد الصبابة مبرداً * منكم غليلَ فؤاديَ المحروق
وفي ذات يومٍ أسرج العباسي رحله صوب (مليط) تلك المدينة الدارفورية وحاضرة قبيلة (البرتي) التي يشقها واديها العظيم الذي تنساب إليه المياه من مرتفعات مدينة (كُتُم) وتلتقي بمياه الوديان الصغيرة المنحدرة من جبلي (كَلُّوْ) و(كَلُّويَاتْ) المشرفان على بوابة المدينة الشرقية وسد وادي مليط الحجري، وعندما حط رحله فيها راعه منها جمال الطبيعة، وقبل أن ينيخ بدار مأمورها وصديقه (نصر بن شداد) بعد سير شاق وسفر طويل ألجمه حسنها وألهمه سحرها، فبدت مليط في تلك اللحظة تتهيأ لوعدٍ مع التاريخ والخلود متزينة بكثبانها العفر ونخيلها الباسق ومياهها الجارية ورمالها الناعمة وظلالها الوارفة ويماماتها الهادلة والمغنية ونسائمها الغادية والرائحة.
حيَّاكِ مليطُ صوب العارض الغادي * وجاد واديك ذا الجنات من وادِ
فكم جلوت لنا من منظرٍ عجب * يشجي الخلَّي ويروي غلة الصادي
أنسيتني برح آلامي وما أخذت * منا المطايا بإيجافٍ وإيخادِ
كثبانك العُفرُ ما أبهى مناظرها * أنسٌ لذي وحشة رزق لمرتادِ
فباسق النخل ملء الطرف يلثم من * ذيل السحاب بلا كدٍّ وإجهادِ
كأنه ورمالاً حوله ارتفعت * أعلام جيش بناها فوق أطواد
وأعين الماء تجري من جداولها * صوارِماً عرضوها غير أغمادِ
والورق تهتف والأظلال وارفة * والريحُ تدفع ميَّاداً لميادِ
لو استطعت لأهديت الخلود لها * لو كان شيء على الدنيا لإخلادِ
وفي جنان مليط أطربت الحمائم العباسي وأشجته وقذفت به الى اتون السعادة والهوى، هوى الأوطان، وهوى النيل.
فاقتادت اللبَّ مِني قودَ ذي رسن * ورقاءُ أهدت لنا لحناً بتردادِ
هاتي الحديث رعاك الله مسعفة * وأسعدي، فكلانا ذو هوىً باد
فحرّكت لهوى الأوطان أفئدة * وأحرقت نضو أحشاءٍ وأكبادِ
هوىً الى النيل يصبيني وساكنه * أجله اليوم عن حصرٍ وتعدادِ
وحاجةٍ ما يعنيني تطلبها * لولا زماني ولولا ضيق أصفادي
أي حبٍ هذا الذي يسبغه العباسي على الأشياء من حوله، وأي جمال هذا الذي تهتف به نفسه من أغوارها، وأي استبطان رائع للوفاء ودواعي الصداقة التي يكنها هذا الشاعر في أعماقه.
أنت المطيرة في ظل وفي شجرٍ * فقدت أصوات رهبان وعُبادِ
أعيذ حسنك بالرحمن مبدعه * يا غرة العين من عينٍ وحُسادِ
وضعت رحلي منها بالكرامة * في دار ابن بجدتها نصر بن شداد
وحتى هذه الورقاء التي دخل عليها في كنفها ففزعت منه خاطبها مخاطبة لا تقع إلا بين أنيس وأنيس.
ورقاء إنك قد أسمعتني حسناً * هيا أسمعي فضل إنشائي وإنشادي
إنا نديمان في شرع النوى * فخذي يا بنت ذي الطوق لحناً من بني الضادِ
فربما تجمع الآلام إن نزلت * ضدين في الشكل والأخلاق والعادِ
لا تنكريني فحالي كلها كرمٌ * ولا يريبك اتهامي وانجادي
إنه يبث شكاته لورقاء في ربوع ملهمته مليط، وبث الشكاة للرفقة الأنيسة وغيرها تخفف من ربقة الهوى وسطوة الفراق وعذاب النأي وإلحاح الأشواق المقيمة، وهي المتنفس عندما تعانق النفوس وتمازجها وطأة الآلام وهي تعاقر المنى المستحيلة والأماني البعيدة والعسيرة المنال، والعباسي عندما أعادته هذه الورقاء إلى حالةٍ شعورية وعاطفية عميقة خاطبها مخاطبةً أعادت إلى أذهاننا ما قاله الشاعر القديم الطغرائي بن الحسين بن محمد الأصفهاني الذي ارتفع بنا إلى آفاقِ من الشجو الجميل، وهو يخاطب حمامة نائحة أشعلت ما خبا من نار أشجانه وجددت فيه وجد الموثق العاني. يقول:
أيكية صدحت شجواً على فننِ * فاشعلت ما خبا من نار أشجاني
ناحت وما فقدت إنساً ولا * فجعت فذكرتني أوطاري وأوطاني
طليقة من إسار الهم ناعمة * أضحت تجدد وجد الموثق العاني
تشبهت بي في وجدٍ وفي طربٍ * هيهات ما نحن في الحالين سيانِ
ما في حشاها ولا في جفنها أثر * من نار قلبي ولا من ماء أجفاني
يا ربة البانة الغناء تحضنها * خضراء تلتف أغصاناً بأغصانِ
إن كان نوحك إسعاداً لمغتربٍ * ناءٍ عن الأهلِ ممنىً بهجرانِ
فقارضيني إذا ما اعتادني طرب * وجداً بوجد وسلواناً بسلوان
ما أنت مني ولا يعنيك ما أخذت * مني الليالي ولا تدرين ما شاني
كلي للسحب إسعادي فإن لها * دمعاً كدمعي وإرناناً كإرناني
إن المعالم والمواضع والأماكن التي اختزلناها في مقالنا إلى كلمة المدن ما هي إلا قصص إلهام وحكايات حب وحديث وفاء وصدق عند العباسي كما أوردنا، وعندما يضع العباسي رجله في ركابها تتقافز لتخطو إلى مناح أخرى تتعلق كما أبان قبلنا الدكتور حسن أبشر الطيب في كتابه (العباسي التقليدي المجدد) بما يتصل بآماله وأمانيه وعقيدته الدينية والسياسية أو شكواه من الزمان واقفاً موقف الفخر والاعتزاز هاجياً خصومه. يقول في ذات قصيدته مليط وقد أدركه فيها العيد وانتابته الهواجس وذكريات سنة 1924م، وكيف أخرج الإنجليز الجيش المصري من السودان، وقد كان به ضباط مصريون من الطراز الأول علماً ومعرفة وأخلاقاً، وللشاعر صلة بهم ترجع إلى سنة 1898م عندما كان تلميذاً بالمدرسة الحربية.
وأنت يا عيدُ ليت الله أبدلني * منك الغداة بعوادٍ وأعوادِ
مالي وللعيد والدنيا وبهجتها * وقد مضى أمس أترابي وأندادي
أولئك الغر إخواني ومن ذهبت * بهم مواسم أفراحي وأعيادي
مضوا فهل علموا أني شقيت * بمن ألبسته ثوب إعزازٍ وإسعادِ
وتتصل شكوى العباسي وهو بين رُبا مليط حينما حنَّ الى تلك الأيام التي لم يخش فيها بأس القاهر العادي، أيام كان الشمل مجتمعاً وهو يرى اليوم ما تفعله العداوة والأحقاد وما ينتجه التفريق والإبعاد.
تحية الله يا أيام ذي سلم * أيام لم نخش بأس القاهر العادي
أيام كنا وكان الشمل مجتمعاً * وحيُّنا حيُّ طُلابٍ وقصادِ
فإن جرى ذكر أرباب السماحة * أو نادى الكرام فإنا بهجة النادي
لنا الكؤوس ونحن المنتشون بها * منا السقاةُ ومنا الصادح الشادي
واليوم أبدت لنا الدنيا عجائبها * بما نقاسيه من حربٍ وأحقادِ
وما رمى الدهر وادينا بداهية * مثل الأليمين تفريق وإبعادِ
مليط أعادت للعباسي وجدان المقاومة، مقاومة المستعمر الإنجليزي الذي كان يكن له كراهية شديدة وقد جاء في كتاب (العباسي التقليدي المجدد) أن من الأسباب التي ربما جعلت العباسي مفتوناً بالبادية ما رآه في البدو، وما يكنون له من محبة وثقة، جماعة مؤمنة يمكن أن يستنهضها ويكون قائد لوائها في محاربة المستعمرين. وهذا القول يسانده مساندة كاملة ما ذكره الشيخ الشاعر الورع العالم ضياء الدين العباسي في مقاله: (من حياة والدي) الذي نشر ضمن كتاب (نظرات في شعر العباسي) الذي صدر عن جماعة الأدب المتجدد، إذ يقول [والشيء المعروف أنه كان يهيء الأذهان ضد المستعمر ولكنه كان يبالغ في كتمان ما أضمر، والشيء الذي حصل فعلاً ان الانجليز بعثوا بقوة صغيرة بقيادة أحد المفتشين لتترسم خطى العباسي، فوجدوه بين قبيلة حمر ودار الكبابيش في جمع كبير فأحضروه الى الخرطوم ثم اعتقلوه اعتقالاً تحفظياً ببلدته]. ولعلنا واجدون في قصيدته سنار التي تعد من اهم قصائده إشارة واضحة وجلية ورغبة جامحة في جلاء المستعمر وهو يخاطب المهندس الانجليزي (جبسن) باني خزان سنار كما سنرى من خلال استعراضنا لقصيدة سنار باعتبار ان سنار من المدن التي ألهمت الشاعر، وسنار مهد صوفية الفونج التي لونت المزاج الديني السوداني تعتبر وصاحب الربابة الرمز الذي رجع إليه شعراء السودان في القرن العشرين على اختلاف أيديولوجياتهم.
كعادته يبهرنا العباسي بديباجة غزلية رفيعة المستوى في قصيدته (سنار بين القديم والحديث) ولا يقدح في معناها الغزلي الشفيف الرمزية التي تكفلت الحاشية الأولى بشرحها وردتها الى أنها أبيات تقرر حال القائمين بالأمر بالسودان وبين الشعب، فكثيراً ما أعطوا الشعب العهود والوعود بأنهم سيسيرون به إلى طريق الحكم الذاتي وطريق الحرية، وعلى كل سنورد ما سنختاره من الديباجة وليغني كلٌ على ليلاه.
خان عهد الهوى وأخلف وعدا * ظالم أحرق الحشاشة صدا
ماطل لا يرى الوفاء فإمَّا * جاد يوماً أعطى قليلاً وأكدى
إن سألت النوال ضنَّ وإن * غبت تجني تيهاً وإن زرت صدا
من معيني؟ هذا الحبيب جفاني * ومعيري ثوب الشباب استردا
أنا وحدي الملوم أنزلت آمالي * بمولى لم يرع مذ كان عهدا
خل هذا الصدود وأدن أحاجيك * ومهلاً زين الملاح رويدا
قلت عندي روض هو الخلد يؤتي * أكله طيباً ويعبق رندا
ورحيق خبأته لك مما * كان قِدماً الى الخواقين يهدى
هاته انه المنى واذقني * إن تفضلت من ثناياك بردا
انا رق الهوى وبي ظمأ بَرْحٌ * وشوق ابلي اصطباري وأودى
يجيد العباسي فن التخلص في القصيدة الواحدة أيما إجادة، فينتقل من غرض شعري فيها إلى آخر بتسلسل منتظم وانسياب لطيف، فحينما يرتقي بالمتلقي من مرتفع إلى قمة أو عندما يهبط به من سهلٍ الى وادٍ لا ينتابه شعور الارتفاع ولا تتبعه أحاسيس الهبوط، فكأنه مُساق وسط دائرة شعرية تعرف جيداً مناطق انعدام الوزن، ففي ديباجة سنار الغزلية يستمر العباسي ليقول لمحبوبه:
فتعجل لا تشمتن بي فتياناً * بذاك الحمى بهاليل لُدَّا
كان لي عنهم نزوع * لم أجد يا بدر الدجى عنه بُدا
ثم بعد حين يعود ليتخذ من أولئك الفتيان البهاليل -يقصد بهم ملوك سنار في الزمان الأول- مرتكزاً يتغيّر به غرض القصيدة من الغزل إلى ذكر التاريخ والعلائق التي أحالته إليها وقفته بأطلال قصرٍ كان يسكنه ملك سنار (بادي أبو شلوخ) فتذكر فضائلهم على أوائله وأياديهم البيضاء ومنزلة جده الولي الصالح الشيخ أحمد الطيب البشير في قلوبهم وكيف أنهم أقطعوه أراضٍ كثيرة.
يا رفاقاً فديتهم هل معيد * لي منكم ذكرى خليطٍ أجدَّا
وربوعاً أحالها عنت الدهر * مَراحاً للحادثات ومغدى
أسعدتنا فيها الغداة دموع * لم تخنّا بالأمس في دار سُعدى
ويميناً لو استزادت لزدناها * قلوباً تسيل كالدمع وجدا
وتستمر أنشودة الوفاء عند العباسي وسنار ترفده بمزيد من الإلهام، وهو يصف ما علق بنفسه في زيارته لها عندما يقول:
زرت سنار والجوانح أسرى * زفرات هدَّت قوى الصبر هدَّا
إن محا الدهرُ حسنها فقد كانت * مُراداً للمعتفين وخُلدا
كم لها في الرقاب منا ديون * وعزيز علىَّ ألا تؤدى
وجميل لأهلها عند أهلي * ويد بالصنائع الغرّ تندى
فافعل الخير ما استطعت تجده * سبباً جاعلاً من الحُرِ عبدا
نقف هنا لنستمر في حلقتنا الأخيرة في هذا المقال مع العباسي في مدينة سنار وسدها العظيم وقصته مع بانيه المهندس الإنجليزي (جبسن) وقوافيه عن داره الحمراء ووادي الربدة ووادي هور وعن ذلك الحب القوي والعنيف الذي نبت في قلبه بدار الكبابيش كما قال صديقه الأديب حسن نجيلة في كتابه (ذكرياتي في البادية).
*********

اسعد العباسي [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]