إنّ تخليد ذكرى شاعر الصولة والجولة وباعث نهضة الشعر العربي في السودان الشاعر المقدم والضخم محمد سعيد العباسي كانت من الأهداف التي احتلت صدارة أجندة مركز محمد سعيد العباسي الثقافي الذي أسسته في فبراير من العام 2005م بجهد أعانني عليه نفر يحملون في قلوبهم وفي عقولهم مشروعاً ثقافياً برّاقاً، وفي إطار هذا الهدف أشار إليّ الصديق الشاعر المرموق محيي الدين الفاتح - باعتباري الأمين العام للمركز - أن نقوم بشرح ديوان العباسي شرحاً وافياً على أن يقع على أجزاء متسلسلة تستقل كل حلقة منه بغرض من أغراض العباسي الشعرية تسهيلاً لهذا الجيل ليكتسب وجداناً كالوجدان الذي اكتسبته الأجيال السابقة، خاصة وأنّ هذا الجيل بدأت اهتماماته تتضاءل بالشعر العربي والأصيل، وأخذ يتخبّط تخبّط العشواء وهو يبحث عن مناهل تتسق مع حالته الانزوائية بسبب مؤثراته الواقعية. وهذه الحالة لم تُصب هذا الجيل وحده من أبنائنا، وإنّما أخذت تحتوش القارئ العربي على وجه العموم، وبدأت الهوة تزداد اتساعاً يوماً بعد يوم بينه وبين قراءة الشعر، وهذه مأساة حقيقية لأنّه بدون الدربة العالية على قراءة الشعر وابتكار طرق جديدة لإضاءته وتحليله لن نرى العالم رؤية شعرية، وسيظل المجتمع قاصراً في مناطق حيوية من حياته، وسيفقد الطاقة المتخيّلة والفاعلة، وسيظل أسير الواقع يضغط عليه بمنطقه القاسي فارضاً عليه توفير إجابات لمتطلبات الحياة وبالتالي لن يسيطر على واقعه وسيعجز عن توجيه مسار مستقبله، وهنا أسأل وبكل أمانة من يقرأ الشعر في عالمنا العربي؟ باستثناء فئة قليلة أقول وبكل أسف لا نجد هناك من يعتد بقراءة الشعر، وأقول من يعتد بقراءة الشعر؛ لأننا نجد هناك من يمرون على صفحات دواوينه ملتقطين بيتاً أو مقطعاً شعرياً يرددونه بأخطاء أو دون دوافع شعرية ودون أن يفعل الذي التقطوه شيئاً مما ينبغي للشعر أن يفعله في النفس، مشكلين بذلك خطراً على الشعر وعلى أذهان الناس فنحن لسنا بحاجة لهؤلاء ولا لأولئك الذين يقتنون دواوين الشعر لتزيين دورهم وليس وجدانهم أو عقولهم، ويستصحبون أهل الشعر ويحضرون جلساته مباهاة وفخراً وتعوزهم المقاصد الشعرية، إنّما نحن بحاجة لمن يعتقد في قيمة الشعر اعتقاداً مبنيّاً على المعرفة والقدرة على قراءته وتحليله، فالشعر منتوج إنساني داخلي معقد ومدهش؛ ذلك لأنّ صانعه قد لا يملك من الوسائل المادية أكثر مما يملكه أغلب الناس من أبناء عصره، وقد لا يعرف من الحقائق أوفى مما يعرفون، ولكنه حين يؤلف بين هذه وتلك ينشئ قولاً فذاً لا يستطيعه غيره وهذا التميز لقوة مفرطة في الإحساس وبصيرة نافذة في الرؤية وخصوصية خاصة في اللغة وشمولية في التصدي، وهذا ما دعا الأديب الفرنسي شارل بودلير لأن يقول إنّ الشاعر كأمير الغيوم الذي يطارد العاصفة ويهزأ من رامي النبال.. وللعرب القدامى اعتقاد حيال الظاهرة الشعرية فقد اعتقدوا بدور الشياطين في عملية الإبداع الشعري وعبر عن ذلك أبو النجم العجلي بقوله-:
إنّي وكل شاعر من البشر ** شيطانه أنثى وشيطاني ذكر

والذي يقرأ التاريخ سيعلم أنّ هذا الاعتقاد انسحب على (إفلاطون) الذي أخرج الشعراء من دائرة جمهوريته الفاضلة، وأوصى بإبعادهم عنها ونظراً لهيامه بأشعار (هوميروس) خاصة والشعر عامة كان يظن أنّ الإبداع الشعري ليس من إنتاج الإنسان بل تحركه قوة إلهية عظيمة توحي إليه كل ما يكتب أو ينطق من شعر لأنّ الشاعر كائن أثيري مقدس، وهذا القول الجميل الذي يسمى شعراً ليس من صنع الإنسان ولا من نظم البشر ولكنّه سماوي من صنع الآلهة.
إن كان الأستاذ الشاعر محيي الدين الفاتح قد ألقى علينا بهذه الفكرة فقد ظلّ أستاذي وصديقي الشاعر والأديب الأريب كامل عبد الماجد أحمد زين يرسخها في أذهاننا دوماً بقسوة شديدة عندما يقول إنّنا أمة لا تعظم مبدعيها وفي بعض من ذلك أشار إلى العباسي.
وتلبية لهذه الآراء نتحدث اليوم عن المدن السودانية في شعر محمد سعيد العباسي مبتدرين ذلك بتعريف عن هذا الشاعر الفحل فهو العباسي بن محمد شريف بن نور الدائم بن أحمد الطيب البشير منشئ الطريقة السمانية بمصر والسودان، ولد بعراديب ولد نور الدائم في العام 1880م وتوفي العام 1963م. وعندما شبت الثورة المهدية انتقل به والده إلى قرية جده الشيخ الطيب (أم مرحي) بمديرية الخرطوم شمالاً، وأدخله والده خلوة عمّه الشيخ زين العابدين الشيخ أبي صالح عندما بلغ من العمر سبعة أعوام، ثمّ خلوة الشيخ عوض الكريم الأزهري، وتنقل بين الخلوات حتى بلغت العشرين عداً، وفي التاسعة كان يحفظ القرآن الكريم كاملاً وكان والده محمد شريف أستاذ الإمام محمد أحمد المهدي يأمره بحفظ متن الآجرومية ويحثّه على قراءة متن الكافي في علمي العروض والقوافي، ويجلب له بعض العلماء فيأخذ منهم ما تيسّر. وبعد استرجاع السودان ودخول الجيش المصري طلب كتشنر باشا من والده أن يلحقه بالمدرسة الحربية المصرية فدخلها في 28 مارس من العام 1899 وبعد انتظامه فيها لعامين قدم طلباً للاستعفاء منها وإن كان أول الناجحين في الامتحانات، والسبب كما يقول العباسي أنّ نظام الترقي للسودانيين هو الأقدمية لا بالتفوّق العلمي كنظام التلامذة المصريين. تأثّر العباسي بأستاذ اللغة العربية بالمدرسة الحربية وهو الأستاذ عثمان زناتي الذي أهدى إليه ديوانه فيما بعد وقال عنه: -
فيا رحمة الله حُلِّي بمصر ** ضريح الزناتي عثمانيه
غذاني بآدابه يافعاً **
وقد شاد بي دون أترابيه
ويا شيبة الحمد إنّ القريض**
أعجز طوقي وأعنانيه
أعِرني بيانك أسمع به ** الأصم وانطق به الراغيه
وعثمان زناتي من رجالات التعليم الكبار في مصر ومن أدبائها الكبار وشعرائها المرموقين، وقد سارت الركبان بأبياته الرائعة التي يقول فيها-:
أرقت وأصحابي خليون نوم ** فما أنا ذو ثأر ولا أنا مغرم
ولكن هماً بين جنبي هاجه** ذوي القربى، عفا الله عنهم
هم ثلموا عرضي لغير جريرة**
سوى أنهم مني وأنا منهم
وينكر أدناهم عليّ فضائلي** وما ضرني إنكاره وهو يعلم
أوطئ أكنافي لهم وأحوطهم**
من الدهر لا أشكو ولا أتبرم

عاد العباسي للسودان مخيباً ظن الإنجليز فيه، وعند وفاة والده في العام 1906م خلفه في السجادة السمانية إلا أنّ دراسته بمصر تركت أثراً عميقاً في نفسه صاحبه طيلة حياته، ثمّ غزاه حب البادية وعشقها فأخذ في اجتياب سهوب غرب السودان وكردفان على ظهر ناقته فينيخ في مواضعها ومدنها وادي هور، وادي الربدة، الأبيض، مليط، النهود، دارة الحمراء، ومنها يعود إلى سنار، وقد كان لهذه المدن والمواضع حظها الماسي عندما وقعت بين يدي العباسي وفي هواه فأصابها منه الخلود عندما أجزل لها عطاءه الشعري بمحبة ومودة وقد ألحّت عليّ قصائده في هذه المدن إلحاحاً شديداً لأجعلها إحدى الحلقات التي أشار اليها الشاعر محيي الدين الفاتح، وأخذت تلح عليّ أكثر بعد أن كتبت في مقالٍ سابقٍ عن الشاعر محمد الواثق وهجائه للمدن السودانية، فكلا الشاعرين يحبان وطنهما كل بطريقته الخاصة، وقد قال الشاعر والناثر العملاق نزار قباني إن    ّ حب الأوطان هو الدرس رقم واحد في مدرسة الحب ومن لا يحب وطنه فهو أمي ولم يدخل المدرسة!
المعروف أنّ العباسي تقليدي النزعة في تراكيبه الشعرية، ويبدو للناظر التزامه الصارم بشكل القصيدة العربية الأصيلة غير أنّ مبعث ذلك لم يكن من نظره إلى الأوائل إنّما كان من شكل حياته التي عاشها بين البوادي والتي تشبه في بيئتها بيئة الجزيرة العربية، فعندما يتحدث العباسي عن الناقة يتحدث عن تجربة حقيقية وليست مجازية أو تقليدية فقد كانت الأيانق هي وسيلته في التنقل، وقد مازجت تجربته الشخصية الأطلال والأطيار ووعورة الدرب، ولعلّ الأستاذ الناقد عبد القدوس الخاتم تحدث بإفاضة في شأن هذه التجربة وقد عدّ الأستاذ مصعب الصاوي العباسي شاعراً محدثاً وليس تقليدياً وعلى كلٍ فإنّ العباسي في شأن تجربته الشعرية عن المدن تتعدد أغراضه في القصيدة الواحدة وكثيراً ما تصاحبها ديباجات عند الإفتراع والإبتدار متفق على قوّتها وعلى جزالتها وروعة نسيبها وغزلها. يقول في قصيدته النهود-:
باتت تبالغ في عذلي وتفنيدي ** وتقتضيني عهود الخرد الغيد
وقد نضوت الصبا عني فما أنا في ** إسار سعدى ولا أجفانها السود
سئمت من شرعة الحب اثنتين هما ** هجر الدلال وإخلاف المواعيد
لا تعذليني فإني اليوم منصرف ** يا هذه لهوى المهرية القود
لم يبق غير السرى ما تسر له ** نفسي وغير بنات الصيد من عيد
المدنياتي من رهطي ومن نفري ** والمبعداتي عن أسري وتقييدي
أثرتها وهي بالخرطوم فانتبذت ** تكاد تقذف جلموداً بجلمود
تؤم تلقاء من نهوى وكم قطعت ** بنا بطاحاً وكم جابت لصيخود
نجد يرفعنا آل ويخفضنا آل ** وتلفظنا بيد إلى بيد
وشد ما عانقت بالليل من عنق ** يضني ومن حيف أخدود فأخدود
معالم قد أثارت في جوانحنا ** شوق الغرير لمهضوم الحشا الرود
استغفر الله لي شوق يجدد ** ذكر الصبا والمغاني أي تجديد
وتلك فضلة كأس ما ذممت لها ** طعماً على كِبرٍ برح وتأويد
وبعدها يبرز العباسي في معاطف عمرو بن أبي ربيعة فيدهشنا بما لم يأت به الأوائل.. يقول:-
إن زرت حيّاً أطافت بي ولائده ** يفديني فعل مودود بمودود
وكم برزن إلى لقياي في مرح ** وكم ثنين إلى نجواي من جيد
لو استطعن وهن السافحات دمي ** رشفنني رشف معسول العناقيد
يا دار لهوي على النأي أسلمي وعمي ** ويا لذاذة أيامي بهم عودي
المدينة عند العباسي إلهام وعشق ومحبة وكنز لا يفنى من الذكريات والهوى، ورهط من الأصدقاء والمحبين فلا يقع نظره فيها إلا على الحسن والجمال بأنواعه جمال الوفاء وجمال الطبيعة وجمال الكرم. وقد قال العباسي عن عروس الرمال (الأبيض) في الحاشية الأولى لقصيدته (عروس الرمال) :-
عروس الرمال هي مدينة الابيض لأنّ أرضها بيضاء رملية وأجمل ما تكون في أيام الخريف بعد نزول الأمطار فتخضر الأرض وتنبت بها الأعشاب ويكون لأشجارها خصوصاً التبلدي جمال وروعة. يقول العباسي في عصمائه عروس الرمال وذكرياته فيها: -
أرى النوى أكثرت وجدي وتذكاري وباعدت بين أوطاني وأوطاري
وألزمتني عن كره مصائرها هذا الترحل من دار الى دار
فارقت بالأمس فتياناً كأنهمو في الجود إما تباروا خيل مضمار
كأنّما أرضعتهم أمهاتهم غيظ العدو وبر الضيف والجار
أفدي الأبيض أفدي النازلين بها مثوى الأكارم أشياعي وأنصاري
شادوا بذكري ولولاهم لما عشقت هذي المحافل آدابي وأشعاري
من كل ندب كريم الطبع ذي خلق سمح وليس بنمام ولا زاري
أوفي الأخلاء في الجلى يضاق بها ذرعاً وإن هيج فهو الضيغم الضاري
شروا من الحمد ما يبقى وغيرهم باع الكرامة عن زهدٍ بدينار
لو كنت كابن الحسين اليوم صغت لكم ما قد أفاء على بدر بن عمار
إنّ الذي قد كساكم من صنائعه ثوب الفضيلة عراكم عن العار
ثم ينزلق العباسي إلى ذكريات حملت من العشق والغزل والوله فألبسها ثوباً شعرياً منمقاً ومموسقاً يطرب له الوجدان وتهتز له الأفئدة ففيه من صور التشبيه وإفصاح المباشرة الكثير والعجيب وهو يتحدث عن ليلى تلك السيدة المهذبة والأديبة التي التقاها بالأبيض حيث موطنها كما يقول في قصيدته وفي إحدى حواشيها يقول:-
هل من رسولٍ إلى ليلى فيبلغها عني تحيّة إعظام وإكبار
لم أنسها إذ سعت نحوي تودعني أستودع الله منها خير مختار
في ليلة لم ينم إلا الخلي بها ألقت على الناس والدنيا بأستار
سعت إليّ وفي لألاء غرتها نور ذممت لديه الكوكب الساري
فيالها زورة جاد الحبيب بها وساعة تشتري منه بإعمار
ورد حبتنا به الجنات مؤتلقاً من صنع ربك لا من صنع آذار
وقد ظلمناه إن جئنا نشبهه بفارة المسك أو بالمندل الداري
يا قبلة ما أحيلاها بهمهمة فيها معاني ابن زيدون وبشار
فهل لليلاي أن تولي الجميل بها ولو كنغبة عصفور بمنقار
مُنىً قضينا ولم نظفر بها ولقد كانت ترى وهي منا قيد أشبار..
ونلتقي مع العباسي ومدنه مليط، سنار، وادي هور، دارة الحمراء والربدة وهي قصائده التي تُحدث كل واحدة منها الأخريات عن روعتها، وجمالها، وفيها يظل العباسي متشبثاً بغزله، ونسيبه، فالقصيدة العربية تمتاز دون غيرها من قصائد الغزل، فمنذ الجاهلية وحتى فترة متأخرة من تاريخ تطورها كانت تأبى على الشاعر أن يذهب إلى موضوعه دون أن يبدأ بالغزل أو بالأحرى بالوقفة الطللية المرفقة بالغزل أو النسيب وقد روى ابن رشيق القيرواني في كتابه المهم (العمدة) أنّ الشاعر المعروف (ذو الرمة) سئل كيف يعمل إذا انقفل دونه باب الشعر؟ قال كيف ينقفل دوني باب الشعر وعندي مفتاحه وهو الخلوة بذكر الأحباب.
اسعد العباسي [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]