إن ذائقة الشعر القومي في كردفان لها نكهة خاصة وطعم مختلف، اذ تنتسم بالعفوية المرفوعة على سرر التعابير البدوية الشامخة والموضوعة على أكواب النبرة الكردفانية المحببة، وارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالبيئة العامرة، حيث كانت بوادي كردفان مرتعاً للأرائل ومسرحاً للغزلان ومأوىً للأيانق الأصيلة، وعلى صفحات رهودها يسبح الوزِّين ويرقص، وعلى رؤوس أشجارها الملتفة والمثمرة تهدل الحمائم وتغني الأطيار، فكان حريَّاً بها أن تنجب لنا شعراء سليمي الوجدان رقيقي المشاعر كعبد الباقي أحمد البشير الملقب بود أم سيالة، هذا الغَزِل القادم من قرية " أم سيَّالة" بريفي مدينة "بارا" إحدى حواضر إقليم كردفان الشهيرة. ففي حوالي عام 1947م بقرية أم سيَّالة صرخ عبد الباقي صرخته الأولى، وترعرع بين بواديها المخضرَّة ووديانها المنسابة، ونشأ وحوله وجوه حرائرها الحسان، فأغرته الماء والخضرة والوجه الحسن إلى ذلك الغزل العفيف، وأسلمه للمناجاة من تحت المطر ومن خلف الغيوم، فتميز عن غيره من شعراء دار حامد وديار الكبابيش في كرفان بغزلياته المنداحة من قلبه العاشق، ووفقاً للنظرة التراتبية فإنه يجري في قرن مع أفضلهم فهو شاعر ذليق، سهل النظم، استطاع أن ينسج بينه وبين المتلقِّي بساطة المعنى وتلقائية الاستيعاب، قال عندما تأوبته أطيافها:
وَين المَخروطْ ضَمِيرو ومتبورْ سَاقُو
دَابـــو اللّيلـه إبْتَلُوا بالنَّويحْ عُشَّاقُـو
أَبو فماً عكَّـه النَّحــَلَ  الدَّلـق شَقَّاقـو
رِيقــو  يْسَوِّي لَهـابةَ الكبِـد للضَاقـو
وعندما وخزته الذكرى وأَخَذَتْهُ تباريح الهوى أخذ يقول:
لَمْحَةْ فاطـرِك البَرِقَ النَّسيمُو بِسِــرْقُـو
زَيْ ما أطـراها تَجْرَحْ لى فُؤادي تْحَرْقُو
الزّراعـنو في الجَـمــَام  يِقْلِبْ عِـــــرْقـو
عَــــــامو عُشَّاقوا وَرَاهُو لامِـنْ غِـرْقُـو
ولم يخرج شاعر نا عبد الباقي أحمد البشير عن العرف الذي اتبعه من قبله شعراء الدوبيت، وظل وفياً له راضياً بأوعيته، فرأيناه وقد ولج ثلاثية الدوبيت الخالدة دون أن يتخلى مع ذلك عن أحلامه الكبرى في أشعار الغزل المجردة، وهي أحلام تجاذب إطارها السهولة في النظم والقرب من نفس المتلقي والجدة في التعبير.
دوماتَكْ على الرَّسَن المِعَنْقِل جــَمَّـن
وإدياتك وزازيـن اللِّضي اللِّتْحـمّــــَنْ
قصبةْ مَنْصَحَ الوِدْيان محل ما اتلمَّنْ
لاباعـوها لاخلولهـــا راغـباً  تمَّــنْ
ويقول وهو لا يبرح الثلاثية:
أخــدر لونـو مـن  قـفاهـو مَفَـقَّـلْ
سِمِعْلوا كَشِيشْ صَرَّ ضِنيبو المَعَرَّص ووقَّلْ
على مكنونةْ أُمَّهـا البـيْ خِفَّه مابْتِتْهَبَّـلْ
        ن َـوي بـيْ لَحُوقـاً  خَداماً  لِبِسلو جَنْقَل
وشأن شاعرنا عبد الباقي شأن شعراء البادية الذين اتَّخذوا للمطايا في نفوسهم مكانة عالية، فرأينا في أشعاره وصفاً للجمال، وهو يرى أن امتطاء صهوات الإبل متعةٌ لا تدانيها متعة في هذه الدنيا، يقول:

وسنرى كيف مرت على شاعرنا مواسم الهجرة إلى الشمال، وكيف كانت لهذه المواسم من آثار على أشعاره، على أنه حمل في قلبه مع هجرته حباً عميقاً لكردفان، وبقيت في ذاكرته كشامة لا تنمحي، فغنى لها ولوديانها ولظبائها.
بقيتي زَيْ شامْةَ العَقُلْ أَصْلِي مَا نَاسِيكِي
ومَعَ لَوْحَةَ البُروق مَاكان  بِسِيل وَادِيكي
ليْ زَمَناً  قَـريبْ  الصَيد يِفِرْ ويجِيكـي
حِليلِكْ ياكُرْدُفان بَلَدِي وبَغـَنِّي عَليكـي
ولا يفتأ عبد الباقي يقول عن كردفان التي احتضنته كأم رؤوم أشعاراً يكاد يبكي معها، يقول وهو يبتدر مربعاً بذكر صيدها ونعامها:
كَـم لله للصّـيـد والنّـعــام رَتعــتي
وكَــم لله يالرَّبايـه مــا ضَيّـعْــتي
كان ماني خايْفَ الفَضيحه وأشَنِّي  سمعتي
أَبْكـي عـليكي يـاكردفان  بي  دَمْعَتِـي
ويظل هذا الوفاء لكردفان متصلاً بوفائه لقريته أم سيالة الواقعة في بواديها يخالطه هوىً وعِشق قديم.

يا حِليل ام سَيَّاله وياحليل ناساً قريب في جوارا
حـليل عـانس أم سومري أل للوضيب تلالا
راسـْيه أديبه مـاجابت حـديس  بيْ قوالـه
ظـاهره وبينه زي أبـوزيـد فريد في هِلاله
ولا تنى ذكريات العشق لدى شاعرنا الغَزِلْ ود ام سيالة تتدافع إلى جوانحه ومخيلته متمازجة مع صور قريته وواديها العظيم، فتنبعث الاشواق في قلبه ويجد بالتذكار جرح، ويقول:-
حليل شِـقْ أم سـيالـه ده  السَـفلانـي
فيهو فلانه زَي ديفةَ أُم حَـقو البتقانــي
العجب العجيب كان جات  مارقة بالسيتاني
دَبوره ومَقص تَجيب حَديث  شَـي تانـي
والحقيقة الكبري أن ود أم سيالة يملك قلباً لا يقوي على الفراق ولا يحتمل آلامه، فعندما حمل ذلك القطار في جوفه حبيبة القلب وسار بها بعيداً عنه، أخذ يقول في أسىً شفيف ويشدو شجواً:
قَـطـرْ السَـبِتْ يَـــوم شَـــــالْ
شَال المنقه وبركَـب في السطوح نَشَّـالْ
ديف أُمات حَقو المِـنَ الأنيس جَفَّـــالْ
عليهو بسوي قوقايَ القُمري في الجوكَالْ
على أن هذا الشدو لم يسعفه ولم يهدئَ خواطره، فلجأ إلى الشيخ الولي الصالح "حجير جبرة" علَّه يجد في روحه الطاهرة ما افتقده من سلوى ومن عون، بعد أن أطاح القطار بآمال عشقه وقد حمل عنه محبوبَتَهُ إلى مجاهل بعيدة:
حِجير جـبره أبوي الليله أَقِيف و اتْشَمّرْ
ليْ نخل الرَوبو  جَرْجَرْ شال ثمار واتعمّرْ
مــكْلوف دُنْقُـلا الخَلاَّ القَلِبْ يتهمّــرْ
أَخَدَر لونو أَدْعَجْ ومِن  فُؤادو مَضَمَّــرْ
غير أن الفراق كان يتجدد دائماً بعد كل وصال قصير، فيعود شاعرنا ليلوذ من جديد بشيخه حجير جبرة ويقول:
حِجيرْ جبَره أَبُوي مَرَاكِب سَبْعَه شَالَنُّو وجَن كاتَّاتْ
وجَــوز الوز رَطَــن في غُــرَّة  المـوجاتْ
يا حِجيرْ جَبْرَه أَبـوي مـَـوز الجَنَايـِــن فاتْ
وجُروح الكَـبْده  متباريه ودَمِيــها شَتَـــاتْ
وتبلغ مأساةُ شاعِرِنا في الفراق حداً بعيداً بلغ بِنا بِه قمَّةِ أشجانه وهو يصف ثم يستحلف الأشجار متسائلاً عن الحبيبة التي غابت، ولكن كيف ترد القول لحاء الأشجار وهل تفهم حزنه وإلحاحه.
إيــدك  تَسَـوِّي قَـلــوبـــا
وعينِكْ حاكَـتَ الكَشَّـافه بالبادَوبه
سألتِك بالإله الليــله يـا لالوبَـه
سَأَلْتِك بالإله عَلَوِيَّه  وين رَحَلوبَـه
وعندما رجع اليه صوته الحزين مع الصدى ويئس من الإجابة، بدأتْ تَغْشَاهُ مَوَاسِمُ الهِجْرَةِ إلى الشمال، فأسرج رَحْلَهُ صوب المدينة، وترجل عن صهوات الإبل ليعمل على ظهور العربات التجارية، قبل أن يستقر به المقام ليعمل بالتجارة البسيطة بسوق ليبيا بأم درمان، ولم تمر تجربة عمله في العربات كمساعد للسائقين دون أن تترك آثاراً في أشعاره، ومن ذلك نورد له النموذج التالي:
مـلا تَنكيهـو ولسـاتكـو مُـتَــانْ
مَسَكْ السـكه أَخَّـر  بادية العُـرْبـانْ
السَّايْفون كَتَمْ والكوزْ كَتَّر الجَضَضَـانْ
والسَّوَّاق قَدير بِعْرِف مَشِي القيــزانْ
وتتوالى تجارب شاعرنا الجديدة من خلال مهنته التي وسَّعت مداركه ومعارفه الجغرافية خارج حدود إقليمِهِ، ومنحته الفرصة ليختلط بأنماط مختلفة من الناس، إلا أن ذلك لم يُنسه إرثه القديم وغزلياته الرقيقة، بل أضافت إليه أبعاداً مرحة وإن طرأ تغيير على تراكيبه الشعرية، فبدت أحياناً تبتعد عن المفردة البدوية وتقترب من الحضرية أو تزاوج بينهما كما يستبين في مربعه التالي:-
يـا حِـليلو الشَّغَلْني بي  نَظراتُــو
يِسْعِدو الله بالهنا وَالسُّرور في حَيَاتُو
الخَلاَّني دِرْويشـاً  ضَـرَبْ  نوباتُـو
الأُمُّـو زُلَيْخه وأبوه يوسِفْ زاتـو!
ولعل روح الطرافة كانت من آثار تجاربه الجديدة كقوله:
لَحْظــة عــيونا جـمالها  شــديـدْ
وكـان أكَّدتها كُـل يـوم  جَمَالها بزيـدْ
الـزّول حَــقُّو يِسْأَل والبِسْأَلُوهُ يفـيـدْ
أَهَلكم في النّشوق قاعْدين يِلاقو الصّيدْ؟!!
وقوله:
خـدار التَّـاكــا جَــوُّو ربيــعـي
ومَحْظور مِنّو ماخْدِين  بَصْمَتِي وتَوْقِيعي
إِنْتِي يـا المَحَبوبـه لا بِتْحِنِّي لا بِتْطِيعي
وأَهَلِكْ مِعْلِنين حالةَ الطَّواري طَبيعي ...!
وتستمر هذه الروح مع شاعرنا وهو يواجه المدنية، ومن لطائفه السائرة في هذا المنحى عندما أخذ يحذر فتاته من تناول الوجبات السريعة والجاهزة في المطاعم المتناثرة في العاصمة، وكان هذا التحذير ضمن نصائح ظل يسديها لها من خلال المربع التالي:
المَضْغوط مـع التِّريفيرا حَـاجه لَطِيـفــه
ما تجالسي الأَرامِـل وما  تَبْقِي ليَّ لَفيـفـه
لَمْحَـةْ فـاطـرك البِلَيـلْ تجـيب الزِّيفــه
ما ألقاكِ في الأنْدَلُس مِنْشَبْحَه ماسْكه رَغِيفه..!
وكل ذلك لم يفقد شاعرنا قدرته المتميزة في الوصف ولغته القديمة يقول:-
الخَـلاَّني دِرْوِيشـاً رَبَـطْ كَـرابَــه
وين قَصَبَةْ مَنْصَحَ الوادي الطَّلَقْ هَبَّابه
عَماهـا الوَضـيب واتْفَدَّعَتْ قادلابـه
جـرى مِدَّلي ضـرياً نِعَامْتُو سَحَابـه
ويظل عبد الباقي يذكرنا دائماً برقته وحنينه وضعفه أمام الفراق، ولكن من خلال لغته الجديدة. يقول:

يــا مَشْتول جَـنَايْنَ السَّــاحــلْ
أبْكو عَليهو بَاكِر مِن دِيَارْكُمْ رَاحِــلْ
الخَلاَّني أنُوحْ  ودِيما عَلَيَّ مِساهِــرْ
الخَجَـلَ السَّـكنْ حَدق العُيُون الكاحلْ
هذا الشاعر الأمي أكسب نفسه معرفة حضارية غير قليلة، عندما انسجم مع المدينة وبدأ يستوعب تلك المعرفة في أشعاره بطريقة جيدة ومدهشة، ولعل أبرز ما يمكن أن نورده كنموذج متطور في هذا الشأن قوله:
إسـمِك مَـاسْـكو لَـيْ  تَعْـوِيــزه
ونهدك إس تِزِنْ زَيَّ  الهَرَم في الجيزه
لو دافنشي شافِكْ ماكان  رَسَم مُوناليزا
سـفراً فـي عينيك مِنْ  دون فِيــزا
تَبْقى نِهايتو عِـندِك يا العليَّ عَزيـزه
وهذا بلا شك نموذج للدوبيت الحضري الخماسي، ويختلف في شأنه كثيراً عن خطاب ود أم سيالة الشعري القديم الذي كان يميل به نحو المفردة البدوية والصرامة الشكلية فقد قال قديما وهو يصف محبوبته:
أَخدَر لونو مـن القام  جبالو دخَخَّـنْ
أَزرق دِيسو من العوكولِنْ  ورخـَّـنْ
لونو حَمامْ في حَيشان وضُلو مَتخَّـنْ
نَفَس الجَاهله  بَلحاً بَاتْ ولَبنَو مَسَخَّنْ
وكان عبد الباقي مواكباً للمعطيات الحضرية، فاستجاب لشركات الإنتاج الفني التي هرعت إليه، فأنتج معها عدداً من الالبومات بعد ان أغرتها أشعاره المموسقة وتطوره المستمر وصوته العذب الرخيم، وقد لاقى هذا الإنتاج نجاحاً كبيرا، بيد أن عبد الباقي كان أكثر اعتزازاً بأعظم إنتاجه على الإطلاق... بناته الثماني...! غير أن هذا الزخم الحضري الذي أحاط بشاعرنا عبد الباقي لم ينزع من قلبه الرقيق وذاكرته الحاضرة ماضيه الماثل، فكان هنالك دائماً ما يشده إلى مظاعنه الأولى حيث شذى الذكريات وأريج الأرض ونوح الهوى، وما فتئت تلك الأيّام تجرفه بعيداً بعيداً بتيارات الأسى والفراق المر، وهو يأبى السفر ويخشى لواعجه، وقد نأت صاحبة السفر ولا يتوخى العودة إلى مواضٍ تترائى له كالسراب، فالعود ليس أحمد، غير أن قريحته تدمع كل يوم تنادي أشجاراً لا تنطق، وميتاً لا يستجيب، وقطرات الدم تقودنا إلى كبد مقروحة، وقلب مزقته ملامسة الأشواق وغرست في أشلائه لحوناً موسقت في جوانحنا خُطاهـا، فأدركنا أن هذا بعض مما اشتعل في روح شاعرنا من أحاسيس الوجد والغرام، فاتخذ ومـازال يتخذ الغزل عنواناً له.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.