يعتبر قمر الدولة الشيخ الصديق من همباتة الجيل الأخير المحترم الذي حافظ على قيم الهمبتة الأصيلة ونُظُمِها المتَّبعة، ويعتبر في جيله من وارثيها الكبار، فضلاً عن ذلك فهو شاعر فحل امتلك العبارة القوية والأسلوب الجَزِل والتراكيب الشعرية التي لن تجدها إلا عند الأوائل من شعراء الهمباتة الأفذاذ، أمثال ودضحوية والضرير وود المقدم وغيرهم من الفطاحلة، وقبل أن يستغرقنا الحديث عن الهمبتة في حياة قمر الدولة، يجب أن نذكر أنه ينحدر من بيت صوفي كبير، فوالده الشيخ الصديق بن الشيخ السماني الذي يتصل نسبة بالقطب الشيخ أحمد الطيب البشير، مؤسس الطريقة السمانية في السودان، وليس سراً أن نقول أن والد شاعرنا كان من أفراد الهمباتة، وكان رفيقاً وصديقاً للطيب ود ضحوية ومن مجموعته، كما كان شاعراً لا يُشَقُّ له غبار، وقد ذكره ود ضحوية في أشعاره كثيراً ، كقوله يخاطبه :
    الليـله البَرِقْ مِـن عَصْرُو عـمَّ الفِجَّه
    مافي مَضَاري غَير قِرَّه  وصَقِيعَه ولِجَّه
    فِـي شَانَ الزَّنازِين  وَالسِّجون والحِجَّه
    مـا بْنَخَلِّي يالصِّدِّيق مَرابيتْ قجَّـــه
    وبنهاية العقد الخامس وبداية العقد السادس من القرن الماضي وُلِد قمر الدولة لأسرة تنتسب لقبيلة الجموعية بقرية طابت الشيخ السماني الواقعة على الضفة الشرقية من النيل الأزرق بولاية سنار، ولد قمر الدولة مصاباً بجرثومة الهمبتة متلقياً إرثها القديم المحترم، وفي دواخله انتقلت صوفية البيت السماني الكبير التي قادته مؤخراً كما قادت والده من قبل إلى طريق الإقلاع عن الهمبتة، ولم تكن ذكرياتها وسجلها الحافل في صفحات ماضيه يؤرقانه بعد ما استقر آمناً مأموناً بقريته الوديعة، فقد كان يستعيد تلك الذكريات في جلساته بتلذذ، وينطلق إلى قصصها وحكاويها في صدق فريد وشفافية متناهية، ويُذكر أن لديه رفقاء أعزاء وأصدقاء مخلصين التقاهم في درب الهمبتة الوعر "كالعجبة" و"التاي" و"العبيد الشاعر"، وكانوا من مجموعته، وحدث أن قاموا بنهب عدد كبير من الابل يمتلكها أحد أثرياء الأبالة ويدعي "باقِرمة"، وحال وجوده بالسجن آنذاك دون أن يرافقهم في المهمة الناجحة، فقام إلى مخاطبتهم برسالة شعرية وهو يٌُمنِّي نفسه بعمل مماثل آخر ضد باقِرمه الذي اُشتهر بالبخل والتقتير:-
قُـول للعِجبَه والتَاي والعِبيد الشَّـاعِـرْ
هَنِيَّه عَليكُمْ السّفره ام سِـلاحاً هــادِرْ
اكّان المَوْلى هَوَّنْ بى ابْ ضُراعا ً قادِرْ
يوم بِنْزُرو باقِرمه أب قُرُوشاً  حاضِـرْ
    وحكي عن أحد الأبالة المتغطرسين ويدعى ود بشير، وكان يكن كراهيةً شديدةً للهمباتة، وكان شديد الثراء يمتلك عدداً وافراً من الإبل وعربتين كبيرتين كتب على ظهر إحداهما بخط واضح "الفزع ...!" ولا يَخْفَى ما في ذلك من تحدٍّ للهمباتة، وكان ود بشير يرتاد المجالس ويمنح الوقود من عربته هدية للغواني ليتقرب اليهن زُلفى، حتى يستطيع أن يتتبع الهمباتة وأخبارهم حرصا على ثروته الحيوانية الضخمة والعمل على حمايتها من اعتداءاتهم، وفي ذات يوم بمدينة الدامر كان قمر الدولة وبعض رفقائه في مجلس غانية تدعي "بت قلبوس"، فسألها عن الجالسين معها، فقالت له وهي تخفي حقيقتهم:- " ناس صعيد" فقال لها بصوت عالٍ دون أن يقدر للموقف خطورته: "لماذا تجمعين معك امثال هؤلاء العرب الرعاع؟" ومضى إلى حال سبيله، فأحس عندها قمر الدولة بالاهانة، فسأل بت قبلوس عن حقيقة الرجل، فأسرت له بأنه يمتلك مجموعة كبيرة من الإبل توجد بوادٍ بعينه قرب نهر عطبرة، فعزم قمر الدولة على نهب كل ما تقع عليه عيناه من إبل الرجل، فامتطى صهوة جمله "أب خـد" واتجه صوب الوادي الموصوف، ونجح في نهب عدد كبير من أجود الابل التي يمتلكها ود بشير، وقادها عبر الفيافي والوديان وتجاوز بها منطقة (المجيد) والأنهار حتى وصل بها إلى منطقة زبائنه الذين يعهدونه وباعها لهم.
وعن هذه الحادثة يقول قمر الدولة وهو يخاطب أب خد شريكه في العملية:
    يا أبْ خَـدْ وَدْ بشير  نضِّفْلُو مـاتَرْتَالُـو
    قَنْجِـرْ بيهُـو لي البَلَدَ البِبَشْتِنْ  حَـالُـو
    بَعَدْ خَتْمَ المَجَيَدْ وسوى البحور في بالـو
    عَمَلايَ البُـتاعْ مِـشرِّفِينْ لي  مـالــو
وكان ولع قمر الدولة بالهمبتة زائداً، بَيْدَ أنه مارسها وفقاً لأصولها ونظمها وأخلاقياتها وقيمها التي كادت تزوي مع الزمان، ووضع نفسه في أُتونِ صراعاتها المعروفة مع السلطة والبلايسة والأبالة، وتواترت أشعاره كثيراً في شأن هذه الصراعات، ومن ذلك مربعه الشعري الشهير الذي أنشأه عندما كان معتقلاً اعتقالاً تحفظياً بسجن رفاعة مع عدد كبير من الهمباتة ومن يمارسون أعمال السالف، وكان يأمل أن يقوم رئيس الجمهورية عمر البشير بإطلاق سراحهم، حيث أنه لم تكن هنالك تُهَم محددة في مواجهتهم، فوجه معاني مربعه للابالة في لهجة حادة وقال:
قاعدِين فوقْ رُفاعه مِحَسِّبينْ أَيـَّامْ
نَذَرْنا المولى والصَّادْقاب وَرَا وْقِدَّامْ
كان وَدَّ البَشِير صَبَّحْ عَفُونَا العَـامْ
الأبـاله بِنسِـيلُمْ  خَـرَابْ صَـدَّامْ
وقمر الدولة يعلم جيداً أن الأبالة خصم شرس، غير أنه يعتدي دائما على إبلهم وفقاً للمبادئ التي ينطلق منها، ووفقاًَ للمفهوم الراسخ في ذهنه، وهو أن شجعان الهمباتة سلطهم الله على الأبالة الذين لا يزكون أموالهم، وهو معنى ضمَّنه مربعاً شعرياً فيه يرد على تهديداتهم، يقول:
أَهَـلَ اُم قُجَّـه بسألو مِنَّنا وبتحـكُّو
كلْ واحِد فَراسْتُو قَدِيمه مَقْطُوعْ شَكُّو
حَـالْفِينْ قالوا إن  شَافونا مابتفكُّـو
نِحْنَا مَسَلَّطِين مِن الله  للما بِزَكُّــو
    واتخذ قمر الدولة ورفقاؤه في فترة معينة مناطق أعالي النيل ومناطق التماس الغربية الجنوبية مناخاً لممارسةِ أعمالِ الهمبتة، وَقَدْ أنشَأَ مُرَبَّعات شعريةٍ كثيرةٍ تحدث فيها عن تلك الفترة كقوله:
حِليل أُم تِقدَه والبَكَره ام وسِم رَطَّانـه
إدريس قولو سايْقِين أم قُرون فَتْرانَه
كان حَصَلَ القَـدَرْ بيْ  هَيْنَه مَابْنِدَّانى
إلا  المولى يِشْطُب خَزْنَتْاَ  ونيـشانا
ويقول أيضاً:
مُتـعـمِّمين بالآخـره  ما بـِـدَّبُّـو
شاقِّنُّو الصَّعيد ليْ حـدُّو ما بتنبُّّــو
على بَلَدَ البيعبُـد في الصَّنم زَيْ رَبُّو
خابتين رِزْقُو بيْ الظَرْفْ البِعَوِّقْ حَبُّو
    وعن انتصاراتهم وغنائمهم التي انتزعوها ببأسهم الشديد وأسلحتهم النارية في تلك المناحي يقول قمر الدولة:
    إندَرَجُـو الصَنَادِيـدْ الكِـلْمَتُنْ مَـلْيَانَـه
    قَطَعوا الحَدْ وغَززوا في العَبيد بيْ سَخَانَه
    بالجِـيم المَنَضَّفْ  وسِـيدُو مَـا بِـدانى
    سَايْقين كاره هازِّيـن فِي الرَشِيد وبهانه

    وكانت الهمبتة كثيراً ما تبتسم لقمر الدولة وتقذف السعادة بين جوانحه، وكان يتحيَّن الأوقات المناسبة لأعمال الهمبتة التي تزدهر أيَّامَ الخريف وزمان الأمطار، وهي أيام تسعده بالكسب وإثبات الذات، يقول:

سمحة الشّدّة فُوقْ ضَهَر السَّمِين مُو البَاطِلْ
وشينِه القعـده  والضَّحَوِي البِيِرْزُمْ هَاطِـلْ
البكـره السِّـيدا عَـاجْباهُو ومَسِيلا كناتِــل
دي بِنْسُـوقَا وكـان لَـمَّ الفَـزَعْ بِنْكَـاتِــلْ
ويقول:
    المـال المَدبَّتْ وبِلْعَبَ أبْ  جَـاعُــورَه
    ما بِنْسيبو يا حسين بي قصر بيْ طُولـه
    عـلى سِتَّ البنات البي الجَّـمال مَذْكُورَه
    دَايْرِين المَجَـالْ والسَّكْره عِنْ  مَقْبُولـه
    على أن أيامه السعيدة لا تستمر دائماً وينبت تواصلها عندما يقع في براثن السلطة، ويكون السجن مصيره المحتوم، وقد ذكر قمر الدولة أنه تذوق حلاوة الهمبتة مثلما تذوق مرارتها، فيقول:
ماني صُعلوك بِيُوت قاعِد قميصي  بجرُّو
يا ولد النَقَيب ضَايِق حـلــوه ومُـرُّو
على بسط البيضحك في الظَّلامات فـرُّو
كم خابِتْ جِمال ما قَيتْ قَبُل  ما انصرُّو
وفي سجنه يتذكر المحبوبة فيبثها شكواه، متمنياً أن يتبدل الحال ليخرج إلى الحرية، فيعاود عمله في الهمبتة من أجل المكاسب الكبيرة التي تتيح له الإغداق عليها، يقول:
    يا ماشي البَلَد أَغْرِي الصَّفِيَّه  سلامي
    قُـول ليهُم مَتَقَّلْ بي حَـدِيداً شَامِـي
    كان المَوْلى هَوَّن وحَرَكِنْ أقدامــي
    بي ضُراع نَقيب الصي بِجيك سوامي
    وقمر الدولة بما له من نفس قوية وشَجاعةٍ كبيرة لم يكن يأبه بالسجن ولا بأساليب المهانةِ فيه، ويؤمن بأنَّهُ ذاتَ يومٍ سَيَكونُ خارِجَ أَسواره إن لم يوافه الأجل، يقول:-
    السِّجِنْ والزَّنازِين أنا مِنَّهِنْ  مَبــسوطْ
    بَعَدْ ما عِصِينا ما بهدِّدْنا ضَرْبَ السّـوطْ
    عِقْدَ الجَوَاهـرْ الفَاصلِنو بالياقـــوتْ
    نَمْشِي مِشَنِقِينْ  غير يومْنا ما بِنْمُـوتْ
    وكسر قمر الدولة أغلاله الحديدية واسترد حريته، لتبدأ مرحلة مختلفة في حياته، فقد قرر أن يسافر إلى المملكة العربية السعودية ليبحث فيها عن عمل. وقد أوردنا أحداثاً وقعت له هناك من خلال قصة "ثورة المهاجرة الشعرية- قصة الوعد السراب" في الباب الأول من هذا الكتاب، إلا أن ما يعنينا هنا كيف كانت تبدو أحاسيس هذا الشاعر وهو في غربته، وقد فقد البوداي وابتعد عن الأهل والولد والأصدقاء ورفقاء الدرب؟ وهو سؤالٌ اكتشفنا الإجابة عليه من خلال المربعات الشعرية التي كان يرسلها من غربته، فمنها ما يشي بأشواقه للأهل والبلد، يقول:
برقـاً بِلَوِّحْ ذَكـرنا  فـي الـسعوديّـه
حِـليل كامْراب ووَدَّ الزّيـن والمَهريّـه
حِـليل البِكِرْمُوا الضّيفْ وبِكَـفُّوا  الميّه
حِـليل البى قفاهُنْ نـاس عِبيد والسَّيَّه

وكم كانت تؤرقه ذكرى أصدقائه رفقاء دربه من الهمباتة، يقول:

إتذكَّرْتَ رَبعـاي الــقِبيل خاتريــنْ
حِليل المِن ضُكُرْهُنْ ناس كُتال ظاهرينْ
حِليل الفوق عبوده بِقَرْقِرو الفورديـنْ
حليل الشّوفتُن ليْ ويلهـم كاسبِيــنْ
    ولم يكن قمر الدولة راضياً عن عمله المرهق في السعودية، فقد كان عليه بحكم عمله كراع للإبل أن يشرف وأن يعمل على غذائها في نهاراتٍ قائظة وفي ليالٍ بهيمة، مما جعله دائم الحنين إلى بلاده وقراها وأهلها، ويتصل حنينه بجمله الذي تركه خلفه. يقول:
    دِيما مَكَمّل الحَـرْ والنَّهارْ فوق راســي
    باخدَ اللّيل وبَقْسِم في الشُوار بي لبـاسي
    حليل كامراب وأبْ قَنْفَه البهيج  مُوحاشي
    إتذكَّرتَهـا القَـرِي وسـوباجو وناسـي
    غير أن نفسه كانت تهجس له بالصبر، فقد اغترب من أجل المال ليوفر لأبنائه العيش الكريم، فتمنى أن يحصل على ما يتمناه من المال ليعود به لأبنائه في أسرع وقت ممكن، فالحياة هنا لا تروق له لا في غذائها ولا في سكناها، وفي إشارة أدبية بليغة يقول لو تم له ما يريد سيعود لأبنائه وأذناه تحملان ذقنه المرسلة، وحقاً هي صورة شعرية غير مسبوقة تدل على خيال هذا الشاعر الخصب، ونستشف منها عزمه المكنون على التوبة، يقول:

أَكْلَ الفُول والجِبنه وقُعاد الخـيمـه
ما حقَّتنا ان شاء الله الكريم يغنيـنا
كان المَوْلى هوَّن وفي الرُّجال لمّينا
نَمْشي أولادنا ونشيل الدِّقِن باضنينا
    واهتم قمر الدولة في حياته اهتماماً كبيراً بالإبل، سواء في الفترة التي احترف فيها الهمبتة، أو عندما عمل بالمملكة العربية السعودية، أو عندما عاد منها حيث عمل على تصدير جمال السباق إلى الدول العربية، وقد أكسبه هذا النشاط اهتماماً بالغاً وحباً كبيراً لسباق الجمال، قال وهو يصف سرعة أحد جماله التي كان يدفع بها الى مضامير السباق:
وَسمَك العرج الوَرَقْ القَلمتو نَضِيفَـه
ورميةْ ضَنَبَكْ النّحَلَ الحَرَسْلُو خَرِيفـه
رشْحَةْ دومـك الجَبَنَه المِحاربه اللِّيفه
عندو سرعة الباص الشُّحُنْتو خَفِيفَـه
    ويقول في شأن السباق لجمله وهو يحثه على الإسراع ليتفوق على جمل المدعو حميد الذي كان يتصدر السباق، ويذكره بآبائه وجدوده الذين تميزوا بالسرعة حتى لا تكون نهاية السباق هزيمة لا يرضاها وتبقي شؤماً عليه. يقول:
    قِدَامَـكْ حِـمَيدْ بيْ جَـنا أبْ  قَـدُومْ
    كَتَّا قايـدو ساكِتْ لا سَرِجْ لا هـدومْ
    أكَّـان ما تجيب رَحيل  جدك المعلومْ
    الجايبِنُّو في المَيس كُلُّو فارط  وشومْ
وفي وصف قوي وطريف يقول عن جمل سباقه:
أشقى وبجري قاعد ماهو اللتيبْ ومكرّتْ  
أَفْـشَقْ شارِد الكيعان ولعَّـاب حَــرَّتْ
شبه البِمطِر  البَرْق أبْ سَحابةً جَــرَّتْ
فاجِر بَوشْ ضحيهو لِقالُو سيف وزَغْرَدْ

ولقمر الدولة مربعات شعرية في وصف الجمال، بها من القوة والجزالة ما يذكرنا بأشعار الفطاحلة من شعراء الدوبيت، انظر إلى قوله:
أمسى قَفاك بـي درب الدَلَمْ واتحـرَّتْ
هافا ضَميرو مِنْ جَبْدَ القُشاط واتخـرَّتْ
المَخْلُوفه جَضّتْ مـن جَريكَ وْصـرّتْ
يـا ضِـدَّ العَـتَامير السِمُومِن حَـرّتْ
وقوله:
         وَدْ جَمَلَ المَهـورَه اللّيهو القَبيله مْتالبَهْ
 أُمُّو  مداقمه من مفرودا للناس غـالبَهْ
     يا ضـدَّ اللَّهـوبات والسَّمـايْمَ القَالبَه
     دمُّو بِشيشو أزرقْ مِـن سبيب الطالبهْ
وهو يبدع عندما يتحدث عن الجمل أو إليه في إطار ثلاثية الدوبيت الخالدة، يقول:
يَهَدِر عَقَبْ اللّيل كُلُّو فوق أخفافــو
واقِفْ مـا بَرَكْ طارِي النَّجِيع ونَشَافُو
البِطْرِبْنِي أنا وجملي النبح سَرَّافــو
أتَّابل على المَريود ضَمانه أو صافو
ويقول:
يا أبو كريت  ضُراعك فِنَّ  ليَّ خَبيبـو
أضـربَ القِبله  والدَّرِب البِلَوِّم سِيبـو
عَلَيْ بَسط النَّزَلْ فوقْ للفَنِيده وَضِيبـو
عَرْكوس بَكَره مِن عِدَّ القَرَضْ بنجيبو
وقمر الدولة شاعر مجيد ومكثر في آن واحد، تفرقت أشعاره في أقانيم عديدة كأشعار الهمبتة والحماسة ووصف الجمال والحنين كما رأينا، وله أشعار دالة على صوفيته وأخرى دالة على تمسكه بالقيم وقيم الهمبتة على وجه الخصوص، كما له درر جميلة في الغزل والنسيب، والناظر لأشعاره ذات الأغراض المتعددة يظن أنها جزر متفرقة، ولكنه سرعان ما يدرك أن أرخبيلاً واحداً مزبد الأطراف يضمها.
    وفي أشعار غزله وجدنا أنه كالفراشة التي تنتقل من زهرة إلى زهرة أو كالطير من فنن يحل في فنن، اذ تتحدث غزلياته عن محبوبات كثر، فمرة تتحدث عن "عزيزة" وعن "صفية" وتارة عن "بت نصره" وعن "السكتولا" وطوراً عن "فريدة" وعن "اليمن" وغير ذلك من الاسماء العديدة التي زخرت بها مربعاته الغزلية " كالتاية " وبخيته" و"الرشيد" و"بهانة" و"الجنَّة" و"شَمَّة" و"مقبولة" و"نور" و"اليقين" و"عازَّة"، ولا بد لنا أن نعزو هذا السلوك الشعري الغزلي إلى حياة الهمبتة التي عاشها قمر الدولة، وهي حياة لا تعرف الاستقرار بقدر ما تبحث عن الانطلاق في سماوات الحرية الرحبة، والتطلع إلى السعادة بين أكناف الغواني وستات الأنادي وشيخات المجالس، يقول في مربع غزلي بديع دون أن يسمي -كغير عادته- مقصودته:
برق القِبله رَفَّ وكَـبَّ فَوقْ سَـافِلنا
ذكرني البِتِّلْ إيـدو وبِخَـربو فِـكِرنا
شَبَاب كَـرْكوج والزولْ القَبُل كاتِلنـا
سمحه قَنَايْتُو مِن غير الدَّلال والحِنَّه

ويقول عن اليمن بت شمَّة في إطار من النسيب غير المسبوق في معناه وأسلوبه:
كـان شُـفْتَ اليـَمَنْ بت  شمَّــهْ
الجَاكْ قال لَيْ نَشّابات عُيونا مُسِمَّه
تِريِّعَ الفَارِس الطَّرَّقْ بَعَدْ ما  سمَّى
أَصـلا تصدُفْ اللَّجَـل المَحَدَّدْ وتَمَّه
وقال عن بت نصرة الجميلة:
    بِت نَصره الجّميله وحَالتِكْ عَاجْبانـي
     مِهيره مَعَبَّده  ماخده البِرِنْجي وتَانِـي
     كـان المَوْلى هَـوَّن والكَريم جَلسَه خَلاَّنـي
     ناخُد فِي  كَرْكوج معايَ أَخواني

وإلى زهرة أخرى ينتقل قمر الدولة فيتحدث عن فريدة قائلاً:

الدَّايْـرَ الجَّمَال يِقْطَع بَحَرْ ليْ فَريـده
راسـية أَديبه قَـدَّاله وقَـلِبنا بِـريدَا
حافْظَاهو المَجَال بي رِقَّه ما هَا بَلِيـدَه
كاتلَه جَمَاعَهْ مَادَامَ القِويشْ فوق إيدَه
وفي فنن آخر يحط قمر الدولة فيقول عن عزيزة:-
عَزِيزه العَزَلَتْ جَمَلِي الجَرِيدْتُو نَجِيضَ
عَزيزه التَّمَّتْ الكيف والحُظُوظ بىْ إيده
عَزِيزه السَّاكنه كَرْكوج وقَلْبِي بريـده
عَزِيزه المَنْقَه فُوقْ فَرَّاعا فَدْ وَيحيـده
    ولقمر الدولة كثير من المربعات الغزلية عن غانية تدعي "السكتولا" وكثيراً ما شبهها بمهرة دنقلا، ومن العجيب أنه عندما تحدث عنها في أحد مربعاته تلك أعلن فيه عن حبه للمدعوَّة "الجنة"، غير أنه وفي إطار تعبير لطيف في نهاية المربع قرر أنه مغرم أكثر بالسكتولا. يقول وهو يحكي عن تباريح الزمن وطول السفر ويبث شكواه لصديقه ودجولا:-
    خَانَتْنَا الظُّروف والخَتْرَه طالت طَـولا
    هفَّتْ لَيَّ وطِريتا اللّيله يَـا وَدْ جـولا
    عُقُب الجنَّه فكَّت فـي القَلِب صاموله
    لكن الوِرَشْ والعَمره عِن سَكَتَولا ..!    
وكثيراً ما يخالل قمر الدولة في اشعاره ما بين الغزل والحماسة كقوله:
يا حسين يبقى البَنَاتْ شِـنْ سَــوَّنْ
يِخُتَّنْ في الوَدِعْ جُـوَّه الكُبادْ بِتْكَـوَّنْ
ونحنا أرْواحْنا قابضات الغِفارْ بتهوَّنْ
سَكَلْ  كُرْباجْنا فوق اللّيْ الدَّنادِرْ نَوَّنْ
وبقدر ما يكشف لنا شعر قمر الدولة عن نفس لاهية وحياة لا تعرف الاستقرار، يكشف لنا أيضاً عن تمسكه بالقيم والنأي عن الغدر والخيانة، وهذه معانٍ يكشف عنها مربعه التالي:
ما صَعْلُوك بِيُوت النَّاسْ بِتَكْرَهْ جَيْتِي
ما بَدَّبَّى للسَّاحَـه وبَخُـونا وَليتـي
أسألوا مِنِّي النَّاسَ البِعَرْفُوا مَزِيتـي
بازِلْ قِرْشي للأخوان جميله حقيقتي
كما تكشف أشعاره عن صوفيته القائمة في كيانه، فكثيراً ما ترد أسماء الأولياء الصالحين وصفاتهم في أشعاره، وكثيراً ما يعبر عن أشواقه إليهم، وفي تقديرنا أن ما تلقَّاه شاعرنا من تربية صوفيةكانت السبب -كما أسلفنا- في استقراره واعتزاله لأعمال الهمبتة، ولا شك أننا نحس بذلك من خلال مربعه التالي:
    إِتْلَوَّمْتَ يـا قلبي وحَـاشاكا اللّـومْ
    قِدَّامَك رجـالاً بِكـشِفوا المكـتـومْ
    الـرِّزِق المَحَـدَّدْ للعَـبِدْ مَقْســومْ
    لا بِنْجيبوا بى سيف لا كِلاش لا قومْ.!
وعن أشواقه لأهله أصحاب التصوف يقول وهو يخاطب جمله "ابوكريت" طالباً منه أن يقله إلى عمِّه الزاهد الورع الشيخ زين العابدين الشيخ الرفيع ود الشيخ البشير فيقول:
    أبوكـريت أَرَحْ خَتِّرْنا ليْ عَـابدِيـنْ
    نَزُور وَدَّ القَلْبَهِنْ للخَصـِمْ سِكِّيــنْ
    زَمَنَ الجُّوع جِدُودو مِسَكِّتِين وَاحْدِينْ
    طَوَّلْنا وخَلاصْ ليْ شُوفْتُو مُشْتاقِيـنْ
وشاعرنا قمر الدولة الذي حذا حذو الأوائل من الهمباتة، يظل رمزاً للجيل الأخير الذي احترم نظم ومبادئ وتقاليد الهمبتة، وهو بلا شك حلقة شعرية قويَّة ربطت جيله بالأجيال الشعرية السابقة والسامقة، وكان آخر الهمباتة وشعرائهم


اسعد العباسي [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]