عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
    عُنيت العربية بالكلام المقفى منذ أقدم عصورها وهي ميزة إتخذتها لنفسها كأداة تفوقت بها على غيرها من اللغات السامية التي لم نعرف لغة منها كان فيها للقافية ما كان لها في العربية وليس أدل على هذا مما حفلت به لغة التنزيل من أفانين السجع والمزاوجة أو سفر العرب الذي حفل بأمتع الفنون القولية الموشاة برنين الوزن ونغم القافية، وهذا التفوق جعل في نصوصها مسالك تلج بسهولة ويسر وإمتاع الى أتون الذاكرة ومناحي الوجدان خاصة فيما يتعلق بضروب القافية الدامعة ووصف العاطفة الملتهبة وهو شأن يبرز بجلاء في شعر العاشقين فعندما تأخذهم تباريح الهوى كل مأخذ ويصيرون نهباً لآلام الفراق تتناوح عنادل شعرهم بألحان الفراق الأليم وتسِح جفونهم بماء الدمع السخين ومن الصور الرائقة التي تلح علينا بإيرادها هنا في معنى الفراق وسطوته الأليمة قافية ذلك العاشق القديم التي جاءت مُختالة في حُللٍ من حُسن الصوغ وجمال الصنع وقوة التأثير يقول:
ولما تنـــادت للرحيــل جمالنا
وجدَّ بنا سيرٌ وفاضت مدامـعُ
تبدت لنا مذعورة مـن خبائــهـا
وناظِرها باللؤلؤ الرطب دامـعُ
أشارت بأطـراف البنان وودعــت
وأومت بعينها متى أنت  راجعُ
فقلت لها الله ما من مسافرٍ يسيرُ
ويدري مـا بـه اللهُ صانــعُ
فشالت نقاب الحسن من فوق وجهها
 فسالت من الطرف الكحيل مدامعُ
وقالت إلهي كـن عليه خليفــةً
ويارب ما خابــت لديك الودائعُ
المتأمل لهذه الصورة يدرك أن ما فيها من الصمت هو شلال من الإيحاء إذ حوت حواراً صامتاً جاء كمناجاة بين روحين في مواطن الوجد والجمال وعلى صمتها ترن موسيقاها الحزينة وإيقاعها الملتاع وهو معنى وقع عليه أيضاً الشاعر عمر بن ابي ربيعة في بيتيه القائلين:
ومما شجاني أنها حين ودعــت
تولت ودمعُ العينِ في الطرف خائرُ
فلمـــا أعادت من بعيد بنظرةٍ
 إلىَّ التفاتـــا أسلمتـه المحاجرُ
هذا التصوير الرائع الذي أشجانا به عمر بن ابي ربيعة هو من الفنون التي أجاد العزف على قيثارها والضرب على أوتارها ولا غرو في ذلك إذ إنه أحد الأفذاذ الذين صعدوا بفنهم الأدبي إلى ذُرى المجد وتسلقوا بعبقريتهم الشعرية على معارج الشهرة والعظمة والخلود.
وللفراق لوعة أخرى أكثر غوراً عند أهل العشق والصبابة إن كان الفراق أبدياً فدمعة العشق الحرَّى التي ذرفها الشاعر العباسي (ديك الجن الحمصي) الذي عشق جاريته (ورد) حد الوله فخانته فقتلها وظلت تلك الدمعة تنساب من على عينيه وتنسال على محاجره مدى حياته ضارباً صفحاً عن أسباب الصبر ووسائل السلوان في محاولة في واقعها لن تجدي شروي نقير أو مثقال قطمير فنسج موسيقاه الحزينة عندما حكى قصة مأساته من فتائل الأسى والأسف على شاطيء اللوعة البالغة بقافية دامية تتقطع معها نياط القلوب وترج الوجدان رجاً إنه عاشق أفناه برج النوى وأضناه الفراق الأبدي.. يقول:
يا طلعة طلع  الحِمَام  عليهـا
وجنى لها ثمر  الردى  بيديهـا
رويتُ من دمها الثرى ولطالما
روى الهوى  شفتيَّ من  شفتيها
حكمت سيفي في مجال خناقها
ومدامعي تجري  على خديـها
فوحق نعليها وما وطيء الحصى
شيء أعـز علىَّ مـن نعليـها
ما كان  قتليهـا لأني لم أكـن
أخشى إذا سقط  الغبارُ عليـها
لكن صننتُ على العيون بحسنها
وأنفت من نظر الحسـود إليها    
ليس ألم الفراق وحده عند العاشقين ما يجعل أعينهم تجود فعصف الذكرى يردهم إلى المورد نفسه ويسلمهم إلى دموع سابلة وقواف حزينة ولنرى ذلك في قول عاشق آخر يقول:
وبدا له من بعد ما إندمل الهوى برق تألق موهناً لمعانه
يبدو كحاشية الرداء ودونه صعب الذرا متمنع أركانه
وبدا لينظر كيف لاح فلم يطق نظراً إليه وصده أشجانه
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه والماء ماسحت به أجفانه
وهذا للناظر إنعكاسة لما يعتلج بين الجوانح أو ما يشب بين الضلوع من أوار شمله اسلوب يميس في برود الإبداع والجمال وإن إمتزجت خيوطه بأصباغ حالكة السواد.. فالعشق وماء المآقي في قوافي العاشقين اهون المصارع التي تكمن وراء الشوق والذكرى وهذا ما حمل شاعرنا شمس الدين محمد التلمساني الملقب بالشاعر الظريف الى مخاطبة رفيقه المحب الباكي والعاشق الكتوم بقوله:
لاتُخف ما فعلت بك الأشواق
واشرح هواك فكلــنا عُشاقُ
قد كان يخفي الحب لولا دمعك
الجاري ولولا قلبك الخفــاقُ
لا تجزعن فلــست أول مغرم
فتكـت به الوجنات والأحداقُ
فسوف يعينك  من  شكوت له
الهوى في حمله فالعاشقون رفاقُ
واصبر على هجر الحبيب  فربما
عاد الوصال وللهـوى أخلاقُ
إن بث الشكاة للرفقة الأنيسة تخفف من ربقة الهوى ووطأة ذكراه وإلحاح أشواقه، وقد جنح كثير من شعراء العشق عندما تمازجهم هذه الآلام وتعاقرهم المنى إلى مخاطبة الرفيق مهما بدا وكيف كان كما فعل الطغراتي الحسين بن محمد الأصبهاني الذي ارتفع بنا إلى آفاق من الشجو الجميل وهو يخاطب حمامة نائحة فقال:
أيكية صدحت شجواً على فننٍ فأشعلت ما خبا من نار أشجاني
ناحت وما فقدت إنساً ولا فجعت فذكرتني أوطاري وأوطاني
طليقة من إسار الهم ناعمة أضحت تجدد وجد الموثق العاني
تشبهت بي في وجد وفي طرب هيهات ما نحن في الحالين سيان
ما في حشاها ولا في جفنها أثر من نار قلبي ولا من ماء أجفاني
وعندما يشتف الحب مشاشة العاشقين وتورق شجرة الوعد عن ثمر لا يسلم من جوانح الزمن تتفجر أعينهم بالدمع وتهطل من المحاجر تهنانها كما تبرز ذلك صورة بن زريق البغدادي الشاعر العباسي المعروف الذي يقول:
استودع الله في بغداد لي قمرٌ
بالكرخ من فلك الأزرار مطلعهُ
ودعته وبودي لو يودعني
صفو الحياة وأني لا أودعهُ
وكم تشفع بي أن لا أفارقهُ
وللضرورات حال لا تشفعهُ
وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى
وأدمـعي مسـتهــلات وأدمعـهُ
فأماني الوصال المتعثرة تدر الدمع أيضاً عند الشعراء العاشقين ومنهم الشاعر النابه والناظم الساحر والناغم المؤثر بشار بن برد الذي اكتوى بحب عبيده التي قال عنها:

نظرت فأقصدت الفؤاد بلحظها
ثم إنثنت عنه فظل يهيمُ
ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت
وقع السهام ونزعهن أليمُ
وفي وصله المتعثر قال:
أبيت وعيني بالدموع رهينة
وأصبح صبّاً والفؤاد كئيبُ
ألا ليت شعري هل أزورك مرة
وليس  علينا  يا عُبــيدُ رقيـبُ
ومن صور الشعر الحديثة في معنى العشق المعبر عنه بالقوافي الدامعة ما قال به في انشودة مطره الشاعر العراقي المحدث بدر شاكر السياب في معنى لا يخلو من الطرافة يقول:
أتعلمين أي حُزن يبعث المطر
وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر
وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع
بلا إنتهاء كالدم المراق كالجياع
كالحب كالأطفال كالموتى هو المطر
مطر مطر مطر
ومقلتك تطل مع المطر
مطر            مطر          مطر
وكم ذرفنا ليلة الرحيل من دموع
ثم إعتللنا خوف أن نلام بالمـطر
وفي زهر الكلمات قصيدة شاعرنا الذي يحلو لي أن أقول إنه سوداني محمد مفتاح الفيتوري يقول في قافيته عن دموعه:
لم أجد غير نافذة في سمائك مبتلة بدموعي
فألصقت عيني فوق الزجاج لعلي أراك
لعلك تبصرني وأنا هائم مثل سرب من الطير
منهمك في مداك...
هذا ما كان من شأن النماذج التي ألحت علينا واجتذبناها من فصيحتنا وهو شأن له مقابلة في الشعر القومي السوداني (الدوبيت) لايقل تاثيراً وأثراً عن ذلك الذي اوردناه من العربية الفصيحة وقد ذكرنا في غير ذات مرة ما اشار إليه استاذنا الدكتور عز الدين اسماعيل بأن فن الدوبيت تتوافر له كل مقومات الشعر العربي الفصيح من وزن وتقفية وأخيلة وتركيز للمشاعر والمعاني وشكل بناني علم محدد, والإختلاف الوحيد الذي يختلف به الدوبيت عن الشعر الفصيح هو اختلاف شكلي محض وهو أن لغة الدوبيت لغة غير مُعْرَبة, وفي هذا السياق أرجو أن ننتبه إلى الفرق بين اللغة غير المُعْرَبة واللغة اليومية أو السوقية, فلغة الدوبيت وإن تكن غير مُعْرَبة ما تزال لغة شعرية من الطراز الأول, بل أكثر من هذا يمكننا أن نقرر بكل اطمئنان أن مفردات الدوبيت في معظمها فصيحة بل عريقة في هذه الفصاحة, وأن ما يبدو منها غريباً علينا لايعدو أن يكون لهجة من اللهجات العربية القديمة. ومعنى  كل هذا أن الدوبيت فن شعري ناضج, ولا يمكن أن يعد مادة فولكلورية لمجرد خلوه من الإعراب أو استخدام الشاعر فيه بعض المفردات بلهجتها العربية القديمة, وهذه الأسباب نفسها التي نفينا بها أن يكون الدوبيت مادة فولكلورية تؤكد لنا من جهة أخرى أن هذا الفن الشعري فن قولي له أصوله ومقوماته التي لا تختلف كثيراً عن الشعر العربي الفصيح ولكن الحقيقة التي لا يمكن انكارها كذلك هي أن هذا الفن يتمتع في السودان -بواديه وحواضره- بشِعبيه لا يتمتع بها الشعر الفصيح بل لعلنا لانغلو في القول حين نذهب إلى أن الأغلبية - بما في ذلك المدنيون والمتعلمون - ينفعلون بهذا الفن الشعري أكثر من إنفعالهم بالشعر الفصيح . إذن فالقومي لقادر على النهوض بذات المعاني التي ينهض بها الشعر الفصيح وأن الشاعر القومي لجدير بأن يعبر ذات التعبير الذي يفصح عنه الشاعر الفصيح كما يتراءى لنا في هذه المقاربة حيث سنسلك الآن في نماذج شعرية قومية بها ما بها من ماء المآقي المندلق على قوافي العاشقين ونبدأ بقول الشاعر الكبير عبد الله حمد ود شوراني الذي وصف معشوقته وهي تخطو في تثنٍ ومياسةٍ كغصن بانٍ يتأود وقد حفها الجمال وملأ كل جوانبها حتي حسدنها الحسان وسارت بسيرتها الركبان فناح قلب الشاعر وبكت عينه وذرفت الدموع وقال:
بالتاء تتاتي في المشيـه وتموح متاكـيه
حاويه جمال وذوق واندادا منها شاكيه
سمحه الفي السير بيها المجالـس حاكيه
لي عليها قلباً نــاح وعينـاً باكـيه
وفي مربوعة أخرى يوضح لنا ذات الشاعر أسباب البكاء وانسياب الدموع من مآقيه العاشقة ويقول:
الخلاني انوح واقــلي وحياي ممزوع
لابسه هيبه القــايد  اللوا ومتبـوع
فرقو سقاني مراً لي غيري مو مجـروع
ابكي وابكِّي واطفّي النار عليهو دموع
كما وقعنا على مربع شعري لشاعرنا الفذ أحمد عوض الكريم أبو سن وفيه رأينا كيف أن مآقي العاشقين الباكية تحمل في أحداقها دموعاً كالحصى لمعشوقةٍ جميلة الخد والقد رائعة العينين والشعر. يقول:
الحويتو رب  الناس  و ابـن قُصَيْ
سهران منو رايغ في موايقي حُصَيْ
خدو وسيم وديسو معمعِم النُّصًّيْ
قوامو قوام جَنيَبَه وعينو ظبية صَيْ
وهاهو شاعرنا الصوفي العاشق محمد شريف العباسي يعبر تعبيراً رائعاً عن ماء المآقي في عيون العاشقين ويقول:
القــفْ  الظليطـــو   مقرَّن
جَنو الليله  مُتباريات   تُعولا  خرَّن
الودّعنا بالعَبره ام  عيــوناً  درَّنْ
طلقْ في جوفي وَجَاجْ السمايمَ الحرّنْ
وشعراء الوجدان في الدوبيت السوداني يغرقوننا في لجة أشجانهم ودموعهم, يقول الشاعر الشكري :
قلّت   المُقَل من   السُهاد   اتكَفَّنْ
عُقبان يالقلب  رنَّات نغيمك هفَّنْ
علي بُرَّيبة  الدعكن   قصيره وقفَّنْ
الشوق حدُّو فاتو والدموع اتصفّنْ
ويقول آخر كأنما وقع على مجاراة سابقه:
القلب   زادو  لمّاع   البروق   الرفََّنْ
وحرَّك ساكن الأشواق بعد ما ركَّنْ
يا لتيبة   الوخري   السحابو   مدفَّنْ
عليك النوح مطوِّل والدموع ما جفَّنْ
وأخيراً نقول إن القوافي الباكية تجدد رؤاها على الألسن العاشقة القديمة والجديدة لأن الهوى في كلِ قلبٍ نَابِضٍ قدَرُ الإنسانِ مُذْ كان الأزَلْ.
أسعد الطيب العباسي.