كما عهدناه فإن شعر الدوبيت السوداني معين سوداني لا ينضب، بقدر ما هو إثراء وجداني وثراء عقلي عظيم، فقد سجل لنا الخبر والقصة والطرفة والحدث التاريخي وغير ذلك من المعارف، وكل ما اتصل بحياة البادية من معلومات، وكان حاضراً عندما شكلت ملاحظات البدو العميقة وتجاربهم المتوارثة الكثير من الدلالات التي أعانتهم على التعامل مع الطبيعة، سواء في إنتاجهم الاقتصادي من زراعة ورعي، أو في أمر أسفارهم وترحالهم وإقامتهم عندما جعلوا من النجوم دليلاً لاتجاهاتهم عبر المكان حينما يدلجون، واتخذوا من حركتها المدارية نظاماً لضبط الزمن، وذلك برصدها عند الظهور والتحول والاختفاء، وهو نظام لا يعرف الخطأ ولا يستبد به التبدل، فأضحت أشعار الدوبيت وثائق حضارية يلجأ إليها المتلقي عندما تعوزه المعرفة، ويستنجد بها الدارس عندما ينشد العلم، ويستفيد منها المتخصص في علوم الجغرافية والفلك.
وارتبط علم النجوم كعلم تبادله الأعراب منذ عهودٍ بعيدة بالظواهر الطبيعية التي تحدث في مناحيهم كل عام، مثل هطول الأمطار وحركة الرياح وأنواعها واتجاهاتها، وبرودة الطقس وحرارته واعتداله، وقصر الليل وطوله من النهار، وتعاقب الفصول وكافة الظروف المناخية، وما يتصل بذلك من مواعيد الزرع والحصاد وتحديد المواقيت اليومية. وحدد العرب ثماني وعشرين (عِينةً) للسنة الميلادية البسيطة، كل عِينة تمتد لثلاثة عشر يوماً عدا عينة (الجبهة) التي تستمر لأربعة عشر يوماً، وقسمت هذه العين على فصول السنة الأربعة، لكل فصل سبع عِين، وكل عِينة ترتبط بنجم معين يظهر في اتجاه معين من السماء وتتابع هذه النجوم بانتظام دقيق من الشرق إلى الغرب، ويدل ظهور كل منها على هذا النحو على بداية فترة العِينة المحددة، وكل فترة من فترات هذه العِين تحمل ملامح مناخية خاصة. وينتقل القمر في كل يوم ليرافق إحدى هذه النجوم الثمانية والعشرين كما يبدو للناظر أو الراصد، لذا عرفت هذه النجوم بمنازل القمر. والعِينة في الاصل العامي تعني منازل نزول الأمطار وفيضان النيل وهي (الضراع) و(النترة) و(الطرفة) و(الجبهة) و(الخيرصان) و(الصرفة) و(العِواء). وقد تعني العِينة السحابة الممطرة والمطر والبرق الذي يسبق المطر، وتطلق العينة كذلك على منازل الشتاء والربيع والصيف، وعين الشتاء هي(السِماك) و(الغفر) و(الزبنان) و(الإكليل) و(القلب) و (الشولة) و(النعايم). وعين الربيع هي(البُلدة) و(سعد ذابح) و(سعد السعود) و(سعد الأخبياء) و(سعد بُلع) و(الفرق المقدم) و(الفرق المؤخر). وعِين الصيف هي(الحوت) و(النطح) و(البِطين) و(التِريا) و(الدبران) و(الهكعة) و(النكعة).
يجدر بنا أن نشير وقد أوضحنا عين كل فصل إلى ثلاثة أمور، أولها ما لاحظناه من ترتيب غير صحيح لبعض العِين والتسمية الخاطئة لعِينة (القلب)، وذلك في ما ورد في بعض المصادر الأدبية، إذ وجدنا بقاموس اللهجة العامية في السودان أن عِينة (الضراع) وضعها المؤلف كآخر عينة من عين الصيف تارة ووضعها كأول عينة من عين الخريف تارة أخرى، وأشار إلى أن (الغفر) هو ثالث منازل الشتاء وكذلك أشار إلى (الزبنان) أيضاً كثالث منازل الشتاء ولا يخفى ما في ذلك من تعارض كما وجدنا في كتاب (الشعر القومي في السودان) للأستاذ الكتور عزالدين إسماعيل وفي كتاب (فن المسدار) للأستاذ الدكتور سيد حامد حريز أن أول عِينة من عِين الشتاء هي (عريج) وقد بدت لي هذه التسمية غير دقيقة وإن ثبت تداولها، وعندي أن التسمية الصحيحة هي (القلب) ويقال لها ايضاً قلب العقرب حيث أن (عريج) نجمة تظهر في آخر منازل الخريف وهي ليست من منازل القمر، هذا فضلاً عن الترتيب الخاطئ لبعض العِين التي وردت في المؤلفين المذكورين عندما جاء (الإكليل) محل (القلب) واحتل (القلب) مكان (الغفر) وجاء (الغفر) في موضع (الزبنان). الأمر الثاني يتعلق بعِين الربيع، فالمعروف أن المناخ السوداني لا يعرف فصل الربيع، غير أن ما ورد من تقسيم وبموجبه تم تخصيص سبع عِينٍ للربيع، ما هو إلا تقسيم وفد إلينا وتوارثناه بعد أن نشأ في عصر النهضة الإسلامية، و قد اعتمدناه وكرسناه لدواعي التوازي والحساب الرياضي، وإن رأينا إشارات للربيع في الدوبيت السوداني. والأمر الثالث هو أن تداخل الفصول وما أصاب المناخ عالمياً من تغيير بما في ذلك المنظومة المناخية السودانية التي لا يمكن ضبطها بدقة حسابية لتشمل مساحة السودان الشاسعة التي تبدو كالقارة، جعل من أمر تحديد العِين لكل فصل من الفصول  غاية عسيرة المنال، خاصة في بداية ونهاية كل فصل. ولا يفوتنا في ذلك أن نضع في اعتبارنا ما يسمى بـ (سبعات الدرت) وهي أيام تفصل بين فصل الخريف والشتاء مستغرقة بذلك فترة ثلاثة عِين تالية. رأينا حسماً للتعقيد الذي رافق تقسيم أو تصنيف العين الثمانِي والعشرين على مدار الفصول الأربعة، على النحو الذي لمسناه أن نعتمد التقويم الميلادي في حساب كل عينة، فتسهل بذلك معرفة مواضع العين من الفصول بشكل أكثر دقة، وذلك مما رجحناه من تقويم ومما استحسناه من ترتيب يتلاحق إبتداءً من عين الخريف السبع، احتراماً لهذا الفصل الذي له وقع خاص في نفوس البدويين ويعتبرونه ملك الفصول، على أنه لا بد لنا أن نبرز رأي الدكتور عون الشريف قاسم الذي رأى أن عِين الخريف استهلالاً بعينة الضراع تبدأ في الثاني عشر من شهر يوليو، وهذا يخالف ما اعتمدناه من تقويم، حيث رأينا أن عينة الضراع تبدأ في التاسع من يوليو، وهو تقويم اقتنعنا بدقته عبر مصادر محلية مختلفة، وهذا لا يعني أن نطرح التقويم الذي إرتآه أستاذنا وأستاذ الأجيال الدكتور عون أو نقطع بصحة تقويمنا، خاصة أن فرق ثلاثة أيام بين التقويمين غير ذي أثر في حساب الفصول. ولعل هنالك من سيأتي ليرجح بين التقويمين أو أن يثبت صحة تقويم آخر بانتهاج وسائل علمية أدق ليست متاحة لنا في خضم اهتمامنا بالبحث في مجال الأدب الشعبي.
ظلت النجوم والكواكب بألقها المستمر ومداراتها اللا نهائية مصدر إلهام كبير لشعراء الدوبيت، وألقت بظلال كثيفة من الجمال على أشعارهم، ولما كان شاعر الدوبيت لصيقاً بمجتمعه وبيئته وقد امتلك رؤىً فنية وأخيلة بديعة، تمكن من خلالها أن يسافر عبر الزمن وأن يرتحل على مدارات النجوم وتلمس طريقه بمعالم أوجدتها العين ومواقيتها وهو يحمل عشقه وأشواقه وذكرياته. وهي ليست رحلة خرافية لأن حقيقتها المادية تبرز في ما يلحق بروح الشاعر العاشقة والمحبة من آثار تنجم دوماً عن ما يخلفه تعاقب العِين ومواقيتها على بيئته وعلى الطبيعة من حوله، وعندما يرصد النجوم يذكره ذلك بالأحداث العاطفية التي حدثت في أوقات مماثلة، فيسلمه ذلك إلى ذكرى أيام الوصال فتنبعث في روحه شذى الأيام وأريج العشق، فتثور انفعالاته وتسلك الرحلة الزمانية في شعاب نفسه وذرات كيانه، وتتفتق قريحته عن أشعار العشق والشوق والهيام والذكريات، فأية ذكرى ملتهبة وجميلة تلك التي يجددها ذلك الميقات الليلي المتأخر في نفس شاعرنا الرائد الحاردلو، عندما انحدرت مجموعة كواكب الخيول خلف مجموعة النعام.
البَارِح أنا وقصـبةْ مَـدالقِ السيلْ
في ونسة وبسِط لامِن  قسمنا الليلْ
وكتين النِعـام  إشقلبنبُو الخيــلْ
لا جادتْ ولا  بِخـلَتْ علي بلحيـلْ
وقد ترتبط أشعار العشق في رحلة الزمان بكافة العِين التي تستغرق عاماً كاملاً كما تناهى إلينا في مسدار النجوم لشاعرنا المبدع عبد الله ود حمد ود شوراني الذي انتظمت مربعاته لتشمل العِين الثماني والعشرين، أو في مسدار شاعرنا الطيب مصطفى الذي شمل كافة العين عدا عينة القلب، أو كمسدار الشاعر أحمد محمد دفع الله الزمزمي الذي شمل أيضاً كافة العين. وكان الشاعر منهم يذرف دمعة عندما تذكره عِينه بفراق محبوبته، ويطلق زفرة عندما تذكره أخرى بوصالها، ويفتر ثغره عن بسمة عندما تذكره ثالثة بعذوبة صوتها وألق عينيها، ويسعد عندما تذكره رابعة بجمالها وحسنها. وقد ترتبط أشعار الدوبيت بعِينة معينة أو أكثر  لما تثيره هذه العينة أو تلك العِين المحددة في نفسه من ذكريات أو أشجان. وقد اتَّخذ الكثير من الشعراء العين محلاً لتشبيهاتهم في أغراض شعرية أخرى. ومن ذلك ما قاله شاعر الدوبيت الواعد سليمان على عجيمي ذو الواحد والعشرين ربيعاً، يقول وقد كان سجيناً:
في لحظة هُيام مزوزا جاتني حزينَه
زَي برقاً مِحَرْقِصْ في سِماك العِينَه
قالت لي متين تمرُق تضوق تنعيما
الخدو ساده وسـر جمالها  جبيـنا
ولا ينفك شعراء الدوبيت يصفون ما يصاحب هذه العِين من ظواهر طبيعية. وسنرى الآن كيف أن شاعرنا ود شوراني أخبرنا بقصر النهار وطول الليل الذي يصاحب عينة أو نجم النطح الذي تشتد فيه الحرارة غير أنَّه لم ينس محبوبته. يقول:
غاب نجم النطح  والحر علينا أشتدَّ
ضَيقَّنا وقصر ليلو ونهـارو امتـدَّ
نظرة المـنو للقانون بقيت اتحدَّى
فتحت عندي منطقة الغُـنا اللنسدَّ
وعلى ذات النهج يقول ود شوراني وهو يتحدث عن عِينة الغفر:
دخل نفس الغفر سارق نسيم  وهبيِّبْ
جاي يعـور الجرح القبيل مو طيـِّبْ
لجَّت عيني  حار بيا الدليل يا  مصيِّبْ
من اللدعج الفوق ريدو أصحى وأغيِّبْ
وعندما واتاه نجم البُلدة وهو يحمل له برداً ذكره بحبيب نأي فقال:
بعد رُقـنا وعِقلنا ونمنا واستهديـنـا
عُقُب البُلده فكّت زيـف  صِقُوتا علينا
الليـله البتشفي سقمنا ويـنا وويـنا
جدية صي ومهرة نيم ولبخ وجـنينه
وعندما ترسمنا خطى مسدار الشاعر الطيب مصطفى وجدنا فيه ما وجدناه من النهج الذي سار عليه شاعرنا عبد الله حمد ود شوراني، ورأينا فيه ذات الأسلوب البنائي، بيد أن لكل شاعر منهما طريقته الخاصة وذائقته المختلفة. يقول الشاعر الطيب مصطفى وهو يتحدث عن عِينة الزبنان:
الزبنان دخل من العصُر بي نسيـمو
ذكرني البيضوي الضَّلمه بي تبسيمو
يا مولاي علَي النوم كِتِر تقسيـمـو
هذا ما راد الله والأمـر ترسيمو
وفي مربع آخر جمع فيه الشاعر الطيب عِيَن الصِرفة والعِواء والسِماك يقول وقد عانى من الهجر:
الليله السرِف غَرَّقو العِواء بِى صَبِيِبْ
عندك في السِماك معشوق عليلو بِطيبْ
يـا ريـح الجُنب ما شفتيَّ ليَّ حَبيـبْ
رَبِّ هَجَرَتْنِي والهجر انكتب ليَّ صَعِيب ْ
ولم يختلف الشاعر أحمد محمد دفع الله الزمزمي عن سابقيه، وهو يرتحل عبر الزمن في مسداره الذي امتطى فيه ابتداءً صهوة نجم الحوت ليحط منه من بعد على صهوةٍ إثر صهوة. والزمزمي الذي ولد شمالاً بالجزيرة المروية، وهاجر غرباً إلى كردفان حيث ديار الكبابيش إستطاع أن يودع في لغته الشعرية جمال المفردة والتراكيب البطانية وخاللها بالذائقة الكباشية  والمفردة الكردفانية، فخرجت أشعاره مزيجاً خاصاً وبديعاً. عندما أوصلته الرحلة الزمانية إلى نجم الدبران والذي يعرف بأب ريَّا قال:
دَاكْ أبْ رَيَّا حَارعَصْرُو ومَطَرْتُو فَرِيدَه
إنْحَرَقْ القَلِبْ والعَينْ جَفَاهَا غَمِيدَا
سِتْ السَابِلْ  القَطَعْ  المَعَالِقْ رَيدَا
مولايا بَرِّدْ حَرَّها نَارُو جوَّه شَدِيدَه
وعندما وصل إلى نجم النترة قال:
نجـم النَتْرَّه طلق زيفو وسحابو اللَّمَّه
العين ساهره ديمـه  والكـبد مِنْسَمَّه
سيد أُم قُجَّه مـن درب الوكر ما هَمَّه
خلف الساق على ضهر المِزَاوِلْ ونمَّ
وعند الطرفة قال وقد تأثر بالفراق: -
نَجم الطَرْفَّه جَـاب زِيفُو  وطَلَـقْ عَجَّاتُـو
فَرّوا اهل الحصاد والمعشوق بِزِيدْ حَسْرَاتُو
ويـن أهـل المعاني الشَيَّل بَدُوهِنْ وفَاتُـو
خَـلُّو العَـين تَـلِجْ والقلِبْ طَبَقْ عَبَرَاتُـو
غير أن البرد الذي رافق نجم الشولة قد أسقم كبده بالعشق المقيم، وأجج نار أشواقه لحبيبة دونها حُرَّاسٌ  وحُرَّاسْ، فقال:
نجم الشوله صَبَّ صقيعو جاب الفُـوفْ
بَرَّدُو النَزِيلْ مـا بدفِّي  مِنُو الصُـوفْ
الخـلاَّني مَرضـان و الكَـبِد  مَلهوفْ
شتل الحاكم  الواقفين عساكرو صُفوفْ
وهاهو سعد السعود بنسيمه العليل ينكئ الجراح فتنهض آلام الفراق المُر فيقول:
سعـد السـعود  طلَّق علينا نسيـمُو
طرَّاني الفَرْقُو نيران والجنان في لِيمُو
لمعان البروق ماخُوده مِن  تَبْسِيـمُو
محروق أم رَشَومْ يا ربي أفرِّج ضيمو
ولعلنا الآن نكون قد رأينا كيف تتحقق الرحلة في الزمان، ولمسنا المنهج والأسلوب والشكل   
الذي عبر عن هذه الرحلة الزمانية المنسحبة إلى دواخل لشاعر الدوبيت ووجدانه.   

اسعد العباسي [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]