الهمباتة هم ناهبوا الإبل أصحـاب القيم الخاصة ، كانوا قبل أن يتواروا خلف ظلمة السنين يتسمون بالحزم والعزم والشجاعة المنقطعة النظير، كأنما قلوبهم قدت من الصخر، عاشوا حياتهم التي تمددت فوقها ظلال إرث قديم أطلق في أعمـق أعمـاقها سـهام الصعـاب والمغـامرة فتأرجحت حياتهم المتقلبة أصلاً ما بين إملاق عابر يخشـونه ويتفادونه بركب الصعاب وثراء يقصدونه قصداً وينتزعونه إنتزاعاً فترضى عنهم تلك التي تقبع في قلوبهم الحمراء.

كَمْ شَدَّيتْ عَلى التِلِبْ الكُزَازِي أَبْ دَوْمَه

وُكَـمْ قطَّعْتَهِنْ مِنْ سِنْجَـه طَالبَاتْ رَومَه

الـرُوحْ مَا بِتْفَـارِقْ الجِتَّـه قُبََّـالْ يَومَا

يَـا رَيـتْ كُلُـو نَسْـلَم مِن فِلانَه ولَومَا

مرتقاهم صعب وجبلهم لا يتسلقه إلا الأقوياء، يفتحون صدورهم لسهام الموت ويضعون أرجلـهم في مستنقعه ويقـولون لها من تحت أخماصك الحشر.

الوَلـَد البِدُور الشَّكْـرَه يابَا الشَّينَه

يِبْعِد رِدُّو كَـوْ يَنطَـح بَوادِي جُهَينَه

أَمَّا نْجِيـبْ فُلُـوساً تَبْسِطْ الرَّاجِينَا

ولاَّ امْ رُوبَه لا حَولَينْ تَكَوفْتُو عَلَينَا

نفوسهم طليقة كـما هذا الهـواء، صرختهم داوية كما تلك الرعود، أهل فطنة, وأريحية، رماحهم شرع وسيوفهم مـواضٍ قطـع، يسومون دماءهم عندما يحمي الوطيس، ويبذلون أموالهم من أجل حبيبة القلب وضيف الدار والفقير المستجير.

قُولْ لَلمَلْكًه مَا تْجِيبِي المَبَشْتَنْ حَالُو

إِلا الوَالْدُو مِـن مِيَّـه عَازِلْ خَـالُو

عَـارْفَ المَوتْ فَرِضْ مَبْدِي مِن قَبَّالُو

يَـومْ الوَاجْبَـه مَالُو ودَمُّو مَا بِرْتَالُو

تتحكم في فعالهم قيم موروثة وفضائل محسوسة، فنوالهـم كمـاالغمام، وقلوبهم خلت من وجلٍ أو روع، تقع الخيـانة في وجـدانهم في مواضع البغض والكراهية، لا يعتدون على أنثى ولا صغير أو فقير ولا جار ولا صديق.

نِحْنَا المَا بْسَمُّـونَا العِرَيبْ وَين جِيتُو

نِحْنَـا البِنَرْكَبْ الدُّرْشِي البِجَابِدْ خَيتُو

نِحْنَا عَشِيرْنَا مَا بنُخُونُو ونَخَرِبْ بَيتُو

نِحْنَـا عَدُونَا بِنَعَصْرُو وَنَطَلِّـعْ زَيْتُو

ينهبون الإبل ويسلبونها ولا يعتدون على غيرها وفقاً لتقليدهم القبلي الموروث الذي صار عرفاً يجب إتباعه وواجباً يتحتم أداءه.

الـوَلَدْ البِخَـافْ مِن القَبِيلَه تْلُومُـو

يَخَلِـفْ سَاقُو فَوقْ تَيساً رَقِيقْ قَدُّومُو

أَمَّنْ جَـابْ رِضْوَةْ البَهَمْ البِنَقِّرْ فُومُـو

وَأمَّـا إتْخَامَشَنْ قَـدَحْ الرَّمَادْ حَرُّومُو

لا يرضيهم التقاعس ولا يسـرهم البقاء بين الدور عـاطلين عن الرزق، فيعتلون الحدبات والقيزان، وينزلون الأودية والوهاد، ويجتازون السهوب والسهـول، ويهزمون الغابـات والوعرات، ذلك درب الـرزق العسير وطريق الغنيمة المحفوف بالمخاطر.

 

واحْـدِينْ دِيمَه حَارْسِينَ البِيُوتْ مَا اتْعَدٌّو

وُوَاحْـدِينْ سَاقُوا بِالحَدَبْ المِفَاسِحْ وُمَدُّو

لَفَحُـوا السَّرْجْ عَليْ ضَهَرْ المِفَونِقْ وُشَدُّو

وَصَرَفُوا أَبْ مَارْكَه لِلْبَهَـمْ المَزَوَّقْ خَـدُّو

على صهوات أيانقهم وعلى ظهور مطاياهم يهاجرون لأمكان بعيدة من أجل الكسب، فيغازلون الغفار ويتزملون بالصحراء، ليعودوا غانمين لمثوى الأحبة وديار الغرام.

يَومْ بِنْكَامِنْ السَّادْرَاتْ صَعِيدْ وحُدُودْ

وَيَومْ نَاوِينْ كَجَوجَاً غَادِي مُو مَرْدُودْ

يَومْ بِنْكَرْبِجِنْ فَوقْ العَـوَاتِيْ العُـودْ

وَيَومْ بِنْجَالِسْ الدَّعْجَا امْ بَرَاطْماً سُودْ

يملكون نواصي الكلم ويصطادون شوارد القوافي ويشيدونها على الإيقاع واللحن الفريد فيغنون للرواحل والكواحل.

أَحْــدَبْ مِـنْ قُــدَّامْ قَفَـاكْ مُنْضَـمْ

أَفَـزَرْ سَاقَكْ رَدِيْحْ كُرْعَيكْ مُوَاقْعَ النَّـمْ

السَّبَبْ اليَبَّسْ لَهَاتَكْ وَاخْفَافَكْ مَلاهِنْ دَمْ

بَـلا الـزَّولْ المَرشَّـمْ فَوقْ فَرِيقْ الشَّمْ

بينهم وبين الجمال إلفة ومحبة وأسرار فهو نجيهم في الفلوات وحامل أثقالهم ويودعونه أسرارهم العاطفية ويخاطبـونه ويغنون له ويعظمونه.

وَدْ جَمَلَ المَهَورَه اللَّيهٌو القَبِيلَه مِتَالْـبَه

أُمُّو مِدَاقْمَه مِن مَفْرُودَا لِلْنَـاسْ غَالْبـَه

يا ضِـدْ اللَّهَوبَـاتْ وَالسَّمَـايِمْ القَالْبَـه

دَومُـو بَشِيشُو أَزْرَقْ مِن سَبِيبْ الطَّالْبَه

يتدفقون فتوة وحماسة ولا يذعنون لقوة أو سلـطة، هاماتهم بالعزة مرفوعة، وأياديهم بالنوال ممدودة، يركبون الصعاب والمخاطر وقـت ما شاءوا وكيفما بدت، فيا طرقي كوني أذاة أو نجاة أوهلاكاً.

سَمْحَه الشَدَّهْ فَوقْ ضَهَرْ السَّمِينْ مُوْ البَاطِلْ

وُشَيـنَه القَعْـدَه والضَّحَـوِي البِيَرزِمْ هَاطِلْ

البَكَـرَه السِيْـدَا عَاجْبَاهُـو وُمْسِيلَـهَا كَنَاتِلْ

دِي بِنْسُوقْـهَا وُكَـانْ لَـمَّ الفَـزَعْ بِنْكَاتِـلْ

للهمباتة قلـوب ترق حين تعشق وتترنم بأحاسيس عشقهم شفاههم وألسنتهم، معبرين بنظم بديع يؤطرونه بتراكيبهم الشعـرية الرائعة، غير أن ما ورثوه من تقاليد وقيم حكمت أن يأتي قولهم في التعبير عن العشق على أشكال تقع على تخوم الرمز ويخالطها الإلماح الوجداني.

سَنَامَـكْ حَـدَّرْ الطَّـافَه وُجَرِيْـدَكْ نَوَّه

كُورَكْ سَـالُو مِزِّيـقَه وُرُطَـانَه وَعَوَّه

الْخَـلاَّنِي بَيْ نَـارْ أُمْ لَهِيـبْ أَتْكَـوَّى

النَّومْ شُفْتُو يَا سَاحْرَ الغُرُوبْ شِنْ سَوَّى؟!

يجيدون الوصف ويستحيلون عنده إلى شياطين شعر إذا ما استحال عندهم الوصف.

غَنَّايـِكْ وَقَـفْ عِنْـدَ العِيـُونْ غَلَبَـنُّو

وُعَاقْدَاتْ حَاجْبِكْ آ الدَرْعَه الكَلاَمْ خَلَبَنُّو

مَا دَامْ عَقْـلِي شِلْتِي وَقَلْبِي مَـافِي لأَنُّو

عِنْدِكْ مِنْ زَمَانْ عَـادْ الوَصِـفْ كَيفِنُّو؟!

لا يخشون السـجن الذي ترتـعد منه أو صال الرجـال، بيد أنهـم يستدعون اليقين الكامن في قلوبهم فيرضون عن واقعه المستبد الذي ينعدم فيه الزمان والمكان ويقاومونه بوجدانهم القوي وصمودهم العجيب.

الْبِرِيـْـدُو المَـوْلَـى لَيْـنَا كُلُّـو نِحْنَـا نْرِيــدُو

قُــولْ لَيْ فْـلاَنـَه مَقْطُـوعْ العَـشَمْ مِنْ سِيْـدُو

سِـجْنَ النُّـوبَه قَـامْ لَـيْ رَمَـادُو لَيْ تِهْـدِيـدُو

نِحْنَا جَرَارْقُو يَا امْ قَرَّانْ نَلُوكْ مُرُّو وُنْلاَكْمُو حَدِيدُو

وتختلط فلسفتهم في السجن بحكمتهم وأماني عشقهم وتعبر عن معاني صمودهم وتحديهم لتلك الأسوار الحجرية العالـية والأبـواب الحديدية الصلدة..

السِّجِنْ أَبْ حَجَرْ وَالقَيـدْ المَبَرْشَمْ دَقُّـو

مَا بَجِيْـبُو حَـاجَه لِلـزَولْ المِوَدِّرْ حَقُّـو

يَا مَاشْ ارْبَعِينْ قُولْ لَيْ فَاطْنَه بِتْ البَرْقُو

نِحْـنَـا مَرَقْـنَا وَالبِتْقَـانَتُو اللِنْشَقُّـو

يحنون وهم في محبسهم للمغامرة وتكتوي قلوبهم بنيران فراقها فيتذكرون أيانقهم القوية وصهواتها المسافرة عبر أطياف ليلية تخترق الأبواب الحديدية وتعتلي الحوائط الأسمنتية.

الزَولْ العَلَيْ جَدْيَ البَرَارِي مَخَلَّـقْ

نِحْناَ فَرَقْنَا مِنْ رَكْبَةْ تُيُوسْنَا الشُـلَّّقْ

قَفَلَونَا فَـوقْ بَابـاً حَدِيْـدُو مَطَرَّقْ

مِنْ ضُهْراً كَبِيرْ لاَمِنْ حَمَارْنَا اِتْشَرَّقْ

يرسلون من السجن رسائلهم التهديدية لأعدائهم من الأبالة ومن تسببوا في محنتهم فتخرج هادرة ومجلجلة.

اللَيـلَه السِـجَنْ كَتَـمْ عَدَمْلُـو هَبُـوبْ

وَابْ قَلْـباً خَفِيـفْ فِيهُـو زَيْ مَرْقُـوبْ

نِحْنَا انْ مِتْنَا فِي شَـانْ الله مَافِي عِيُـوبْ

ونِحْنَا انْ عِشْنَا وَآسَهَرَ السَّعِيْ امْ عَرْقُوبْ

هكذا عاشوا بين جدرانه العالية وزنازينه الضيقة الموحشة وقيوده المثقلة على أعضائهم وخالطوا فيه من لا يحبون ونأوا عن ديار الأهـل ومثوى الأحبة فلم تسقط من أعينهـم قطرة ماء ولم تثقل أجفانهـم دمعة أسى، ولكنهم أخرجوا لنا شعراً سارت به الركبان وبقي خالداً كأنشوطـة على عنق الزمان.

رحم الله أفذاذ الهمباتة النبلاء من مات ومن كـان حيا وشعرائهـم الفحول أمثال طه الضرير، وأبوجيب ابوزيد، واحمد تيراب، ويوسف ود عاب شبيش وقمر الدولة الصديـق، وشـرف ود المِحِـرب، وعبـدالله ود المقدم، وموسى ود كوكو الهبابي وصديق موجو.. ورحم الله أميرهم وأمير قوافيهم الطيب ود ضحوية، فقد أحبـو الحياة وأحبتهم وسلس لهم الشعر فأعطاهم من قياده ما تمنوه، وعندما عسعس ليلهم وتنفس صبحهم وأقعدهم الكبر عن مواصلة مغامراتهم ورحـلات عشقهم فإنهم يعودون إليها تحت إلحاح ذكريات الأيام الخوالي التي استوعبت أحداثها ومضت بعد أن دفعت بالسعادة بين جوانحهم، فتعود السـروج إلى ظهور النوق وتنتزع الأوتاد والشايات وترتد من جديد أسلحتهـم إلى قـرابها وتبرز أشواق بعيدة ويشمخ البعير لمغامرات جديدة، بيـد أن إيغال العـمر فيهم يأخذهم إلى تلمس الصوفية المؤتلـفة في دواخلهم فتأخذهـم إلى دروب التوبة وعندها يصبح ماضيهم ذكريات تروى وحكايات تحكى.

اسعد العباسي [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]