1ـ2

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ينتمي الصادق حمد الحلال شاعر الدوبيت الفذ والملقب بالصادق ود آمنة إلى قبيلة الشكرية، ويعتبر من شعرائها المرموقين، ولد في العقد الأول من القرن الماضي بمنطقة الصفيا، ونشأ بينها وبين منطقة ريرة وأقام بالعريض ناحية حلفا الجديدة، وتوفي في منتصف ثمانينيات نفس القرن عن عمر يناهز الثمانين عاماً، وللصادق مدرسة متميزة في نظم الشعر، ويتميز بموهبة شعرية ضخمة وقدرة عالية في الأداء، ومقدرة عالية على الإلقاء، وتشاكل أشعاره السهولة والسلاسة، ونعده أحد أضلاع المثلث الشعري الكبير بأرض البطانة الذي يمثل ضلعيه الآخرين الشاعران أحمد عوض الكريم أبو سن وعبد الله حمد ود شوراني.

أحب الصادق السفر والتنقل على صهوة الجمل، وكان يتنقل به بين كسلا ورفاعة وشندي

والدامر والخرطوم، ومن جماله الشهيرة التي كان يتنقل بها جمله المسمى "القدين". وولعه بالجمال معروف، ويتضح لنا ذلك في مسداره الشهير"قوز رجب"

ومن السمات الواضحة التي تميز أشعاره، الحنين المستظهر والوجدانيات الآسرة التي يؤطرها في تراكيبه الشعرية البديعة، ويزينها بالرنين المموسق والجرس العالي.

ومن أشهر أشعاره الجيدة تلك التي أنشأها عندما تم تهجير أهالي وادي حلفا إلى حلفا الجديدة في سهل البطانة، وسنتعرض لهذه الأشعار خلال هذه الدراسة.

وكان شاعرنا ود آمنة مكثراً في شعر الغزل، ولكنه نظم في كل أبواب الشعر، كما برع في وصف الطبيعة وفي الفخر والحماسة والمدح وشعر الفكاهة وغير ذلك من ضروب الشعر، وكان رائعاً ومتميزاً عندما ساجل الكبار من أبناء جيله من الشعراء وهي مساجلات كتبت على صفحة التاريخ بأحرف من نور.

وكان الصادق مخلصاً في انتمائه إلى طائفة الختمية، وهذا ما يفسر لنا اندياح روحه الصوفية في بعض اشعاره، وبروز رموز هذه الطائفة في بعض قوافيه ولجوئه إليهم ريث وثبة كل مصيبة أو خبوء أمل. ولعل الكثيرين لا يعلمون أن شاعرنا ود آمنة الذي قذف بالسعادة إلى قلوبنا بإبداعه الشعري وسموه الفني كان يفتقدها، فقد عاش ومات عقيماً، وكانت أعز أمانيه في الحياة أن يرزق أبناءً يحملون اسمه ويرثون ماله ويستقوى بهم على صروف الزمان، ولكنها أمنية أجهضها الدهر، وتأبى بها القدر، وسنتعرض إلى ما قاله من شعر مؤثر في هذا الشأن.

وود آمنة من الشعراء الذين أحبوا أرض البطانة حباً نبع مـن صميم فؤاده وسويداء قلبه ومجدها كثيراً في أشعاره وأجاد وصف طبيعتها وبكى على أمجادها القديمة ورموزها التاريخية، وكان أكثر الناس اعتراضاً على إنشاء مشروع مدينة حلفا الجديدة وما تبعها من قرى، ومشروع خشم القربة الزراعي، على ارض البطانة. والمعروف أن ذلك تم على إثر الإتفاق التاريخي الذي أبرم بين حكومة السودان في عهد الرئيس إبراهيم عبود، وبين الحكومة المصرية التي كانت تزمع إقامة السد العالي. وبموجب الاتفاق المذكور بدأ تهجير أهالي مدينة وادي حلفا الواقعة في أقصى شمال السودان على شرق النيل إلى أرض البطانة في بداية العقد السابع من القرن الماضي، إذ أن تنفيذ السد يعني إغراق هذه المدينة العريقة، وهذا ما حدث بعد أن تم إجلاء سكانها على كاهل التعويض الذي دفعته الحكومة المصرية للحكومة السودانية، كما قضى الاتفاق بينهما والذي استثمر في إنشاء المدينة الجديدة وقراها ومشروع خشم القربة الزراعي، وذلك لاستيعاب هذه الهجرة القسرية والتوطين الطارئ، غير أن هذا الاتفاق وتنفيذه ألقى بظلالٍ اجتماعيةٍ كثيفةٍ على أهل حلفا القديمة وأهل البطانة على حدٍ سواء، فما أقسى على الإنسان أن يترك بغير رغبته موطنه وموطن آبائه وأجداده، إلى أرض غريبة وأجواء مختلفة وجيران لم يألفهم. وتبعاً لذلك تغير سلوكهم الاقتصادي وتبدل مزاجهم الاجتماعي، حتى أن بعضهم عاد إلى مدينته القديمة منضماً للذين لم يغادروها ليجاورها معهم، وهي تقبع في قاع النيل غير آبه لأية آثار.

وفي المقابل فإن إنشاء مدينة في هذه البادية كان ظاهرة حضارية لم يألفها أهل البطانة، فعانوا كثيراً من آثارها، إذ ساهمت في الحد من سيادتهم ومن حريتهم في التجوال والترحال، وقلصت نفوذهم القبلي، وجلبت لهم الكثير من التقاليد والعادات غير المألوفة لديهم، ويزعمون أن هذه الهجرة كانت مدعاة لنشر الكثير من الأمراض كالملاريا والبلهارسيا وأمراض الحيوان، ففقد الكثيرون ماشيتهم، كما اهتزت هويتهم البدوية اهتزازاً شديداً، إذ أصبح بعضهم عمالاً ومزارعين ينتسبون للمشروع الزراعي، ومن ثم رحلت الكثير من الأسر من بواديها لتسكن أرض المشروع في استقطاب غير مسبوق.

كل هذا كان كفيلاً بأن يجعل العديد من شعراء البطانة ورجالاتها ثواراً على هذا الوضع الجديد الذي لم يرضوا به ولم يشجعوه، واستحال عليهم أن يندمجوا فيه، ومنهم شاعرنا الصادق ود آمنة الذي عبر عن التحول الاجتماعي الذي أصاب تلك الرقعة بكثير من الحزن والأسى الذي خالطه التغني بأمجاد البطانة، كما كان يعيب على أهله العمل بالزراعة وترك حياة البادية، وقد عبر لنا الصادق عن شعوره هذا عندما رأى بعض أفراد قبيلته ينتظرون أمام مكتب المؤسسة الزراعية لعدة أيام لاستلام حواشاتهم، وعندما بدأ المطر يهمي جهة سدر الشيخ النعيم هزَّه المشهد فأخد ينشد:

أَهَـلِكْ شَالُوا فَـوقْ ضَهرَ العَواتي ونِيبْ

وسَدر الشيخْ نَعِيمْ نَزَلُوا المقَامُو قَريبْ

نَاسـاً مِنْ ضِرُوع الصُهُبْ ضَايقَه حَلِيبْ

للحَـواشَـه كَـيفِـنْ نَـفْسَهُـمْ بِتْطِيبْ

فما كان من أصحابه وقد سمعوه إلا وأطلقوا جمالهم من عقالها تاركين الحواشات وكشف التوزيع. وساء ود آمنة أن المشروع قد تسبب في انسياب الماء من ترع القربة إلى منطقة الإيديات وتم قطع سروبات الحسن، وأرانب الشقلة أصبحن يبكين الإبيتر ذلك الناظر الذي لو كان حياً لمنع قطع الشجر الذي كانت تأوي إليه تلك الأرانب، كما استهجن شاعرنا منظراً رأى فيه رمزية الاحتلال، وذلك عندما اعتلى ديك من ديوك أهالي حلفا قمة جبل المعيقل وأخذ يصيح وكأنه الوارث لهذه الأرض وجبالها، فقال في كل هذا:

سَروبَاتْ الحَسَنْ كِمْلَنْ خَـلاصْ وانجَزّنْ

وتُرع القِـربه مَاهِنْ في الإيديَاتْ خَـزَّنْ

أَرانبَ الشِقـله لـيْ مِيتَه الإِبيتِر عَـزَّنْ

ودِيك نَاس حَلفا فَوقْ رَاسْ المِعَيقِلْ أَذَّنْ

واتخذ ود آمنة من الإبيتر وهو الشيخ عوض الكريم ذلك الناظر القوي الذي مضى، رمزاً للقوة التي فقدت وللسيادة التي سلبت، فأخذ يقول بأن ما حدث من تخطيط لجعل منطقة اللرايروب الخلوية منطقة سكنية وزراعية، ما كان سيحدث في زمان كان فيه هذا الناظر القوي على وجه البسيطة. يقول:

اللَيـله اللَّرَايـرُوبْ قَـدَدَولُو مَطَـايبُـو

وبِقَى حَيضَانْ فِجِـلْ كُـلَ الثِمـارْ الجَايبُو

فـي زَمـنْ اللِبَيتِر كَـلَ مَـاصِعْ هَـايْبُو

وَينْ ما يهِيجْ فَحَلْ بِكسِرْ ضُراعُو ونَايبُو

وامتد أسى شاعرنا كثيراً بسبب هذه الهجرة وآثارها على أرض البطانة، وهو أسىً أوحى له بالكثير من الأشعار الجيده كما رأينا في النماذج السابقة التي نختتمها الآن بالنموذج التالي:-

حِلَيلِكْ يَا أمْ هَبَجْ وَكْتاً رُكُـوبْ فُرَاسِكْ

رَاتعـاتْ هِـن وبَعَامْ الوَحَشْ بَلاسِـكْ

بولِيسِك حَلَقْ مَنَعْ البِعَـرفُوا دُوَاسِـكْ

الدَينكا ونِويـرْ كَبَّواالعَفَنْ فَوقْ رَاسِكْ

ويقول الأديب السفير جمال محمد إبراهيم عن البطانة وأهلها وعن الصادق ود آمنة عندما زارها برفقة عالم إجتماع نرويجي قولا يشي بمكانة الصادق الشعرية وقيم أهل البطانة النبيلة وما إنداح من آثار الهجرة النوبية لأرض البطانة:

(زرت أرض البطانة في منتصف السبعينات ، برفقة الباحث عالم الإجتماع النرويجي قونار سوربو . نزلنا ضيوفا على أهل قرية " ريرةالجديدة " . أسبغ علينا أهلونا هناك ، كرما عربيا بدويا حاتميا كنت أجد معه عسرا في إقناع " الخواجة " الذي أرافقه ، أن وجودنا و إقامتنا مع هؤلاء القوم لا تشكل عبئا يذكر عليهم ، بل هو في نظرهم أمر تفرضه قيم راسخة ، و عادات أصيلة تجعل إكرام الضيف ، من أي بقعة جاء ، " خواجة" كان أو "ود بلد " ، من الأمور التي لا تقبل المجادلة أو المساومة . لم يكن كرما فحسب ، بل هو كسب لعادات جديدة كان لزاما علينا أن نكيف نفسينا ، أنا و "سوربو" على تحملها ، و ربما احتمالها . كنت أسترق النظر ل"سوربو" النرويجي و هو يتلقى كوب الحليب الرابع و ربما الخامس ، في صباح باكر قبل بدء عملنا . و هكذا غرقنا في بحر كرم أهلنا الشكرية أياما طويلة و كسبنا ودهم و نلنا حظوة لدى قيادة القرية فكان ذلك من أسباب فلاحنا في عملنا الذي كان يتصل بالتعرف على سمات التغيير و اتجاهات التحول المتوقع في مجتمع أحدث معه تهجير النوبيين من الشمال إلى سهل البطانة ، هزة عظيمة في السائد من النظم الإجتماعية و سبل المعيشة . مشروع إقتصادي مقيم في بيئة بداوة و ترحال . يناقض نظام الرعي عند أهلنا الشكرية ، نظاما جديدا يقوم على حرفة الزراعة المقيمة ، أعتمدت للحلفاويين في مشروع خشم القربة ، والذي صاحبه قيام مركز حضري جديد ، تطور ليصبح مدينة جديدة هي " حلفا الجديدة " . كان عملنا يتصل بالتعرف على مؤشرات هذا التضاد بين ثقافتين ، إحداهما رعوية و الأحرى زراعية . أقرأ معي ما كتب "قونار سوربو " ، في رسالته الجامعية التي قدمها في جامعة بيرجن :

" لقد تميزت السنوات الأولى بالنسبة للحلفاويين بالخوف و التردد و ضعف الثقة . و كان النوبيون يحسبون الرشايدة و البجا ، جماعات منغلقة غير قابلة للتطور . إنهم بدو في نظرهم ، يمتشقون السيوف و المدى و ينهبون البهائم بليل، و يخادعون النوبيين المقيمين الذين يستأجرونهم للعمل في حواشاتهم ضمن المشروع " . . و يمضي "سوربو" ليقول ، إن أوامرًا قد صدرت من بعد تمنع الرحل من امتشاق الأسلحة البيضاء عند دخولهم القرى النوبية ، و أن تلك هي ذات النظرة التى يرى بها النوبيون عرب الشكرية المسالمين، الذين يساكنونهم السهل ، و هو في الأصل مقام تقليدي للشكرية .

تلك خلفية لا بد منها ، حتى أبين لك عزيزي القاريء ، كيف قابلت الشاعرالراحل البدوي المجيد الصادق حمد الحلال ، أو الصادق ود آمنة .

كان للشاعر الصادق حضور قوي ، و نفس شعري مبهر . لم يكن في كامل أرض الشكرية من يجاريه ذلك الزمان الذي أحدثك عنه . رجل فارع الطول ، دقيق الملامح ، منشرح الأسارير . هاديء مثل نسمة تأتيك بعد نهار مطير ، لكنه يخفي توترا يعتمل في دواخله مما لا يخفى على من يجالسه لساعات مثلما فعلت أنا و الباحث النرويجي " سوربو " . القلق الذي يفيض من وجه الصادق حمد الحلال ، هو قلق الفنان ترهقه إلى جانب الحساسية المفرطة ، المعاناة يكابدها في بيئة تترصد الأصول و الأنساب

ترصدا مهلكا).....نواصل.