ظلت الشعراء والمطايا والحبائب يشكلون ثلاثية خالدة وأزلية في شعر الدوبيت السوداني، خاصة في أشعار الغزل والنسيب. وقد نشأت هذه الثلاثية في كنف وظل الوشائج المتينة التي جمعت بينهم، وإذا كانت الوشائج بين الشعراء والحبائب ينسجها الشعور الإنساني الطبيعي والمألوف، فالجمل كحيوان أليف أحبه الإنسان وقربه إلى نفسه واستأنسه لما له من مزايا خاصة. وقد أبان لنا شعر الدوبيت السوداني هذه المزايا، وأفصح لنا عن عمق علاقته بالابل ومكانتها السامية في نفسه. وليس أدل على ذلك أكثر من أنه قد ناصف مربوعته الدوبيتية الغزلية بين الجمل والمحبوبة، وجاء وصفه للجمل في مساديره ليفوق وصف المحبوبة فيها، وخصص للجمل منفرداً في أشعاره كماً هائلاً من الرباعيات، وقد ارتفعت علاقة الشاعر بالجمل لمكانة سامقة وتجاوب نفسي عميق، بل أن هذه العلاقة تمتد بامتداد العمر، وتسلك في صداقة تفوق كل تصور وخيال، فالإبل تتسم بصفات إنسانية، فلها حنين غير مسبوق، وتوقها للحن والغناء لا يرقى إليه أدنى شك.

أحدَبْ مـن قُـدام قَفَـاكْ مُنْـضَّــمْ

أفَزَرْ سَاقَكْ رَدِيحْ كُرعَيكْ مُواقْـعَ  النَّمْ

     السَّبَبْ اليَبَّسْ لَهَاتَكْ واخْفَافَكْ مَلاهِنْ دَّمْ

     بلا الزَولْ المَرَشَّمْ فَـوقْ فَرِيـقْ الشَّمْ

ويقولون:

وَكْتَ الليلْ بَرَدْ  ونَجْمُو الكُبَارْ إتبنَّت ْ

حِليَتْ نمَّتي وقَعَـدْ الجَمَلْ يتْصَـنَّتْ

        وفائدة الجمل بالنسبة للإنسان البدوي معروفة، فهو حامل أثقاله ووسيلته في التنقل لما له من مقدرة على السير لمسافات بعيدة، وتحمل العطش لفترات طويلة. وتعتبر الإبل معياراً للثراء ومصدراً للرزق لدى أهل البادية، فهم يبيعونها ويستفيدون من أوبارها في صنع الشمال والأغطية والأفرشة والأبسطة والمساند، ويستغلون جلودها في صنع الحبال والسياط، ويتغذون على لحومها وألبانها، وقد قال سبحانه وتعالى وهو أصدق القائلين: (والأنعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَاِفــعُ وَمِنْها تَأْكُلُون وَلَكُمْ فِيهَا جمَِالٌ حِينَ تُرِيحونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتحَمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ) .

        وقد أعطانا العلم الحديث تفسيراً للمقدرة الفائقة للإبل في تحمُّلِ العطش، إذ أُثبِت أن عملية التنفس لديها تخلو بنسبة كبيرة من بخار الماء الذي يخرج عادة مع عملية الزفير، كما أن تجويف أنفها يحتفظ بكميات كبيرة من الشعيرات التي تعمل على تكثيف بخار الماء وإعادته للجسم ماءً عند عملية الشهيق، كما تعمل كُلاها بفعالية كبيرة، فتقل نسبة البول عندها. وكما هو معروف فإنها تحتفظ في أمعائها بمخزون مائي تلجأ إليه عند الحاجة، وقد قال أصدق القائلين رب العالمين في محكم تنزيله:(أَفلا يَنْظُرُونَ ِإلى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) لذا احتفى بها أهل البادية أيما احتفاء، وأولوها عناية خاصة ومتميزة كالغذاء الجيد والرعاية الصحية الممتازة، ويضعون عليها القلائد والحرير بغرض الزينة والأوراق والأحجبة للحماية، ويبدأ اهتمام البدوي بالإبل منذ الولادة إلى آخر طور من أطوار نموها وهي تسعة أطوار، فوليد الناقة يسمى (حوار) حتى يكمل عامه الأول ويسمى (مفرود) عندما يبدأ عامه الثاني، ويليه (ود اللبون) ثم  (الحق)، ويليه (الجضع) ثم (التِني) و(الرباع) و(السديس )، وهي المرحلة التي تكتمل فيها قوة البعير ثم يصير  (شاق) أو (ناب). والأطوار المذكورة تتوالى عاماً بعد عام. ونجد أن هنالك أسماءً أخرى تطلق على المراحل العمرية للجمال كالحاشي واللقي والقعود والبكرة والبازل، وهنالك أسماء تدل على صفات معينة كالجقة وهي الناقة المسنة السمينة، كما نجد تسمية جقلة التي تطلق على عموم النوق. ويحرص البدوي على وضع علامة معينة أو وسماً يدل على ملكيته لهذا الجمل أو تلك الناقة، وقد يكون الوسم دالاً لملكية قبيلة معينة أو فخذاً معيناً لهذه القبيلة أو فرعاً لها، ويكون الوسم عن طريق الكي بالنار بأداة تسمى (المحور) وهي قطعة حديدية ملتوية وذات مقبض يرسم بها على جلد البعير الوسم المحدد، وقد وجدنا أن هنالك أشكالاً عديدة للأوسام تبلغ المئات، ومنها ما يسمى بالشعبة والعرج والقلايد والشخلوب والجعبة والحلقة والمطارق والهلال والسامع والدامع والباعج والقرقور والعمود والعقال، وغير ذلك كثير.

        وللجمال نفسها أنواع، أهمها فصيلتان هما الصهب والعربيات، وللصهب نوعان متميزان هما العنافي والبشاري، والعنافي عنيف عند السير، ولعل تسميته جاءت من هذا العنف. وواضح أن البشاري منسوب لقبائل البشاريين في شرق السودان، وهما يتميزان بالسرعة، أما العربيات فتستخدم لحمل الأثقال، وقد تواضع البدويون على تسمية أنواع المشي لدى الجمال إبتداءً من أقل أنواع المشي وصولاً لأقصاها سرعة، والأسماء تبدأ بالطرقة ثم الخب ثم الكربتة أو الحوارية، فالقربة وهي أقصى أنواع الجري.

        والبعير مدعاة فخر وتباهٍ، ونجد ذلك أوضح ما يكون في منافسات سباقات الإبل، وهي رياضة وهواية يميل إليها البدو ميلاً شديداً، وفيها حماسة منقطعة النظير، ويبذلون لها الأموال ويخصصون لها الجوائز، وتسمى الجائزة التي تمنح للجمل الفائز بالزينة، وفرحة الفوز بها لا تعادلها فرحة، وهي مناسبة يكيل فيها صاحب الجمل الفائز الثناء عليه وعلى سلالته وأوائله.

يقول ود الرضي:

أَبوك تَيس قُنَة الصَيْ المَعِيزُو رَوِيْـنَه

وجَدَكْ فَورُو أوْشَكْ مِنْ صَبِيبْ العِيْـنَه

حَبُّوبتَكْ مِنْ قِبَيلْ مِدَّرِّعَاهَـا شَنِيْــنَه

وأمُكْ مِـنْ سَبَايْكَ الخَيلْ  بِتَاخْدَ الزِيْنَه

ويقول الشاعر مصطفى أبو الشيخ:

أُمَـكْ طَـافْـرَه مِـنْ مَـرَابِيـتْ بَـازَه

وحَبَوبْتَكْ في الجَرِي لا بْتِنْطَقْ ولا بْتِتْقَازَه

           حَيْلَكْ شِـدُّو جَـاتَكْ  وِدْيَـانْ وعَـزَازَه

كـَرْبَ القَرْبَتِيتْ جَابْ فَوقْ قَفَاكَ نَـزَازَه

        وقد نقل لنا شاعر الدوبيت صور السباق والمنافسة للفوز بالجائزة، كقول الشاعر محيي الدين محمد شريف الشيخ الصديق الذي قال: 

بِشيلْ الفَاتْحَه تَلْقَاهُـو انْطلَقْ وانْصَـرَّه

وبْدَافِرْ في الجُمَالْ سَالْهَا الحَقَارَه مَضَرَّه

وَكْتَينْ قَـارَبَنْ  مَيْسِنْ جَرِيهِـنْ حَـرَّ

حَاكَـا سَـرَاعَةْ النَجْمَ البِضَوِّي وخَـرَّ

وفي مربع شعري آخر يقول شاعر بدوي يصف جمله الذي انتصر على كل جمل نافسه في السباق:

الكايـِسْ زُبَاكْ ومِـنْ  صَبَاحُو مِْبَـدِّرْ

أسْقَيْتُو المَـرَايـِرْ الحَالَتِـنْ بِـتْكَـدِّرْ

بالجّدْعَ المِفَاسِـحْ والجَـرِي المِتْحَضِّرْ

فَـرْطَ  اللِّيْـدُو نَفَايَةْ الهَوا البِســدِّرْ

ومن تلك الصور التنافسيَّة صورة شخصها لنا الشاعر الكبير عبدالله حمد ود شوراني الذي أبدع حينما قال: 

اللخَـدَر عَـنَانِيف الـجَـري الـنُّدَّارْ

جَنْ جَارْيَاتْ ورَاكْ دَايْرَاتْ خَلاسْ التَّارْ

            وَكْتَينْ جَرَنْ وَصَلَنْ مِيسْ العِنَادْ الحَـارْ 

            جِيتْ وَشَّكْ خَلاَ وضَهَرَكْ وَرَاهُـو  كُتَارْ

        ومن خلال علاقة البدوي أو الشاعر بالجمل التي ترقى إلى درجة الصداقة تنهض قيمة الوفاء، فيأسون غاية الاسى إن أصابه مكروه، فعندما تلفت عين جمل الشاعر الطيب ود ضحوية قال: 

مَا تِسْتَاهَلْ العَـوَرَه  وخَسَـارْ العَـينْ

وكَمْ مِنْ قُجَّه فَوقْ ضَهَرَكْ مِحَلْحِلْ دَينْ

كَتِيرْ مَنْ فَارَقْ النُزْهَه ورِضَى الوَالدَينْ

البَاقي الله يَا هَـجَّامْ فَـرِيقْ أُمْ زَيـنْ

        كما إنهم يحزنون حزناً شديداً عند موته، فعندما قضى أحد جمال الشاعر عبد الله ود شوراني نحبه رثاه بقصيدة طويلة نجتزئ منها:

رَقَدْ المِقْدِرْ بَيْ جَـرِيْــدتُـو إتبيَّنْ

كَـمْ للهِ للتِيـْه والعَتَامِـيرْ هَيَّــنْ

زَمَنُو العَالِي سَرْجُـو القَارْتَيْتُو مَعَيَّنْ

المَطْمَرْ مَلانْ لَىْ عَـلُوقُو مَا  بْنِدَيَّنْ

ويقول فيه أيضاً:

إنْكَسَرْ العَـزِيزْ وَدْ المَهَـورَه القَـاصِعْ

أقْنَفْ لَيْهُو  فَطْسَّه وسَدْرُو جَايِرْ ووَاسِعْ

مَنْسُولْ الشَدَايِدْ  الحُورِي جِـدُو التَاسِعْ

جَايْبُو تَعَبْنَا وأُمُو المِي دَشَرْ لَىْ مَا صِعْ

واختتم ود شوراني هذه المرثية الطويلة بقوله:

سَفَـرَاً بالرَدِي الكُرْبَاجُو فَوقُـو بْجَوِّدْ

يَا عَبْدَ الله سَــاقِي عَلَيْهُو مُو مُتْعَوِّدْ

البَهَجِمْبُو سِتْ الرَيـدْ فِـلانَه مْهَـوِّدْ

إدَمْدَمْ رَقَـدْ مِـينْ غَيْرُو الله  بْعَوِّضْ

        ولعل التوافق النفسي العجيب ما بين الشاعر والجمل شكل اللبنة الأولى في عمارة الثلاثية الخالدة في شعر الدوبيت، التي تكاد تستغرق غالبية أشعار الغزل والنسيب في الدوبيت السوداني، فالجمل لم يكن دعامة اقتصادية للشاعر، ولم يكن نجيه في الفلوات أو حامل أثقاله فحسب، إنما اتخذه الشاعر مستودعاً لأسراره العاطفية، يبثه شكواه وأشجانه، ويحاوره ويسمع منه ويقول له. وكانت الحبيبة في هذا الإطار محوراً ثالثاً وأساسياً لا تغيب عن تلك العمارة، وتكون حاضرة دائماً في قلب الحدث الشعري بأطيافها التي تحملها الخواطر، وبأوصافها الملتصقة بالذاكرة والوجدان. وهاهو الشاعر الطيب ود ضحوية يخاطب جمله وجمله يرد عليه في أنس جميل لا يتوقع حدوثه إلا بين البشر، وفي حوارهما تبرز الحبيبة بصفاتها وأوصافها لتمثل الضلع الثالث في الثلاثية الخالدة.

قَـالْ لِـيْ الجَمَـلْ لا تْكَتـِرْ الوِلَيـفْ

وبِتْهَادِدْنِي بَىْ جَـمْعَ العَتَـامِيرْ كَيـفْ

قَـرَّبْتَ لَىْ بَلَدْ الزَولْ أَبْ جِلَيدَاً هَـيفْ

وقَالْ لِيْ وَصَلْنَا دَاكْ جَبَلْ أَبْ عَصَاةً سَيفْ

ومثل هذه الحوارية نجدها أيضاً في مربع للشاعر ود حيدوب الذي يقول فيه:

قَالْ لَيَّ الجَمَلْ  يَا سِيدِى أَرْخِي رِسَينِي

وانَا عَارْفَ الطَرِيقْ باللهِ مَا تْوَصِيـنِي

لَيْ أُمْ زَينْ الحَبِيبَه لَيكْ بَصَلْ في حِينِي

وإنْ  بَطَّلتَ بُكْرَه السُوق عَصُر وَدِينِي

        ومن الحواريات التي وقعت في إطار الثلاثية الخالدة، ما قاله الشاعر الصادق حمد الحلال الملقب بود آمنة في مربعه الذي ورد في مسداره قوز رجب والقائل:

تَقَـايْ المَفَلَّخْ شِلْـتُـو  فـي مُشْوَارَك ْ

           جُـوطْ واجَّوجَى لا هَسَعْ بَعِيدْ مُتْـرَارَكْ

قَـالْ ليَّ الهَسَالْ كَانْ تَرْخِي مِنو يَسَارَكْ

بـَورِيكْ أَدْعَجْ النُقَـعْ  الفَـتَقْ نَوسَارَكْ

        والثلاثية تحمل أحياناً في مضمونها الشعري بالإضافة لأوصاف المحبوبة وإبراز الأشواق، مناداة الجمل وحثه على الإسراع للوصول إلى ديار المحبوبة، ومن ذلك قول ود المشمر:

اللَيلَه أَمْسَيتَا عَلىْ التِيهَا ومَشِى الرُقْرَيْقَه

وعَجَلَكْ تِرُو خَلِّى الكُـورْ ضَرِبْ مِزِيْـقَه

السَبَبْ الخَـلا سِيدَكْ  مَـا اتْلَقَتْلُو حَقِيقَه

ضَـامِرْةَ الحَشَا المِـنْ  المَتَانِي  رَقِيْـقَه

        وقد تحمل الثلاثية للجمل تنبيهاً من الشاعر لطول المسافة أو وعورة الدرب الذي سيسلكانه عندما يقصدان ديار الحبيبة، وهذا ما سنراه حالاً في مربع الشاعر احمد عوض الكريم أبو سن القائل:

بَيْنَكْ وبَينْ بُـلُودْ العِنْدُو فَوقْـنَا حُـقُوق ْ

جَاكْ صَــيَّاً مِفَاسِحْ وفي  وَطَاتُو شِقُوقْ

عَلَىْ سُكَرْ نَبَاتْ الفِي  العِـلَبْ مَدْقُــوقْ

قَمَارِي الجَالْسَه خَلَيْتِنْ يِسَـوَّنْ  قَــوقْ

        وقد تحمل إعجاباً ووصفاً لسرعة الجمل كقول ود السميري الفادني الذي ضمنه رغم ذلك طلباً للجمل للمزيد من السرعة.. يقول:

خَـبِيْبَكْ للـدَرِبْ كُبَــارْ ومَـوَاسَـا

وإيدَيكْ يِقْطَعُوا الفَرَقَه وبِعَرْفُو قِـياسَا

أفُـرْق إيدَيكْ الضَّلْمَه جَـانِي دَمَاسَـا

يَبْقَى اللَيلَه شَتْلَةْ نَامَه بَرَعَتْ رَاسَـا

        وهذا المنحى انتحاه الشاعر أحمد عوض الكريم في مربع يضج بالموسيقى والرنين العالي يقول فيه:

كِتَيرَاتاً بِبيِنَنْ عِـنْ حَـفِيرْ النُّـصْ

جَاهُنْ كفُّو زَيْ مَكنَ الخِياطَه يْـرُصْ

عَلىْ المُرْنَاعْ بِرَيْرِيبْ اللرَايلَ  الحُصْ

عَجْلَكْ تِرُو عَينَكْ  في الشَقَيقْ لا تْبُصْ

        والجمل في ثلاثية الدوبيت الخالدة يبعث في نفس الشاعر الطمأنينة، فعندما تهب رياح الشوق والعشق يمتطي الشاعر صهوة جمله، وهو يثق أنه لن يخيب له أملا، وسيجمعه في أقصر وقت بمحبوبته. وهذا ما يؤكده لنا الشاعر عبد الله ود شوراني في مربعه التالي:

طَلَعَ الفَجُرْ والنَاسْ أَغْلَبُنْ مَاحَـسَّـه

وانَا سَاهِرْنِي فَرْقَ الرَيْدُو مَا بِنْدَسَّـه

مَا دَامْ عِنْدِي تَيْسْ قُنَه المِقَاشْرَ اللَّسَّه

الله انْ رَادْ مَعَ قَافي الهَوَيْدْ بَتْمَـسَّى

        وسرعة الجمل واجتهاده واخلاصه تزيد ثقة الشاعر به ويصيبه ذلك بيقين للقاء المرتقب مع المحبوبة، يقول ود شوراني:

العُقَدْ الحُمُرْ جِيْتِنْ مَشِـيْكَ  شُـرَادْ

شَقَيْتِنْ مِـشَوِّشْ ولَهْـسَالَكْ شَـادْ

بَعَدْ دَومَكْ بَكَى وخَفَيْتْ وجِنَّكْ  زَادْ

يِقِنْ غَيْرْ فِلانَه الفَاهْمَه مَافي رُْقادْ

        ويأخذنا شاعر الدوبيت في الثلاثية الخالدة إلى مناحٍ  تشعرنا أن الجمل ينوب عنه أو يشاركه حب محبوبته، مما يقوي لدينا إحساسنا بالعلاقة المتينة بين الشاعر والجمل، وكأنهما في إطار وحدة نفسية سعيدة ومنسجمة. ونرى هذا في النموذج التالي للشاعر أحمد عوض الكريم الذي يقول فيه:

إِجَّـمَعْ بَعَـدْ شَـرَفْ الحِرَيْحِيـرْ طَــارْ

دَانَى بَعِيدُو بَيْ المَصََعِي  وجَرِى الحَارْحَارْ

عَلَىْ جِرَيْعةَ البِنَونِي ومِسْـكَةْ أَبْ مَحَـارْ

لَولَـحْ رَاسُو واتْمَرْعَفْ بـَلا السَّــحَّارْ

ونلتمس هذا أيضاً في ما قاله الشاعر محمد شريف العباسي في المربع التالي:

للـوَزَرْ المَعَـاكْ  اللَيلَـه مَـاكَا مِرفِّـقْ

وجَنْحَاتَكْ بَـلا الدَغَـشْ البَلَيْبُـو بْصَفِّقْ

شِنْ جَـابْرَكْ عَلَىْ الوَعَرْ الدَبِيْبُو  بِشَفِّقْ

غَيْرْ زَولاً وَشِيْهُو مِـنْ  المَلاحَه  بِدفِّـقْ

وتتضح ذات المعاني في مربع الشاعر الشيخ الصديق الشيخ السماني الذي يقول:

عـِنْ وَدْ مُوسَى قَـرْعَـبْ  وتَـاتَـا

خَرَتْ الدَرْعَه خَلا الدَومَه تَجْرِي شَتَاتَا

عَلَىْ امْ دِيـساً مَبَرَّعْ وغَلَّـبْ المَشَاطَه

                كِتـِرْ لِفَيْتُو هَجْلُـوبَا لِقَـالُو سُـوَاطَه..!                

        ما أتينا به من نماذج لا يُعدُ سوى مؤشرٍ إلى أكبر وأجمل جزيرة من جزائر بحر الدوبيت السوداني، إنها جزيرة ثلاثية الدوبيت الخالدة المضلعة بالشعراء والمطايا والحبائب، وهي جزيرة تمرح فيها الأيانق، ويغني فيها الشعراء وسط حدائقها ذات الأفواف المنوعة والأنسام المضوعة التي تختلط بشذى حسناوتها وعبير عذراواتها. وإن كنا قد اكتفينا بما ذكرناه عن هذه الثلاثية الخالدة، فحسبنا من القلادة ما أحاط بالعنق.

 

اسعد العباسي [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]