بسم الله الرحمن الرحيم

salah osman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
مرت أحقاب على العالم الاسلامى اعتبر فيها الفكر الدينى ثابتا لا يعرف التغير بسبب الخلط الذى وقع فيه الدارسون فى عصور التدهور و كان السقوط الحضارى الذى أحكم أسره فى القرن السابع   الهجرى عندها تدهور الفكر انطباقا مع الواقع بمختلف مكوناته وجفت ينابيع الابداع وتخلق الدارسون على مصادر العلوم الاسلامية يشرحونها تارة ويلخصونها أخرى ويحشون على الشروح ثالثة ، ويعكفون فى كل حال على      الالفاظ يديرون عليها  ضروبا من المهارات الشكلية جردت الفكر من حيويته و العلم من نفاذه ومضائه . وأصبح أقصى ما ينتهى اليه أحدهم الاستشهاد بقول مأثور أو الاحالة على عالم قد قبر . وعلى هذا النسق حل المنقول محل المعقول والاجترار محل الاجتهاد ، فانكمشت الثقافة الاسلامية . وفى القرن التاسع غشر قامت حركة احياء اتصلت بتحقيق النصوص و بالقيم وبالمناهج فكانت منطلقا لمرجعيه نقديه صائبه         و لاعمال ابداعية مستحدثة ولمواقف اجتهادية رائدة . واهتدت نخبة من علماء الدين آمنت بأن الانكفاء على  الأقيسة المكرورة لا يعدو أن يكون انسحابا من الحاضر وانكارا للمستقبل واجحافا بما يقتضيه من احياء وتجدد  ،   ويبدو لى أن السيد  الامام انطلق من هنا ومن حقه ، فالدين ثابت ومطلق بينما الفكر الدينى متغير ونسبى لانه تعامل مع النص بالتفسير أو التخريج أو التأويل المجازى . وليس المقام هنا مقام تفصيل وانما أردت من وراء  ذلك الاشارة الى الذى دار فى برنامج ( حتى تكتمل الصورة  ) حول الموضوع أعلاه . الامام الصادق له رؤيته وربما يعتقد أن هذه الرؤية القصد منها مرجعية لمن ينشد من الاشقاء الاصلاح والتجديد وربما يرى فى تواصلها وتجدد تطبيقاتها أنها على منهج قويم يتضافر فيه النقل والعقل و الوجدان والبيان من أجل ارساخ الايمان وتثبيت القيم ودحض التطرف وتوثيق أواصر التآزر والتضامن بين أفراد المجتمع . وأود أن أشير الى أن عرض الأفكار والمعلومات على هذا النحو الذى دار ، فيه نهاية للفكر ، واذا انتهى الفكر انتهت الحركة وفقد الفكر  رسالته فى توجيه الواقع . وما يظنه العالم جهلا فى واقعه قد يكون اكثر علما من معلوماته التى يستعرضها ، فمثلا الحكمة الشعبية عند الجماهير تعطى علما أو حكمة وتجعلهما غلى وعي بالحياة ولا يستطيع أحد أن يتعالم عليها أو أمامها . السيد الامام أعطى الفكرة  وعلى من يحاور أن ينظرها ويضمن يقينها أو عدمه ، وباسلوب رفيع هادئ . استمعت كغيرى الى الخطاب وتبينت الجزئية التى انطلق منها الحوار حتى تكتمل الصورة . واتضح لى أن السيد الامام عبر فيها عن واقع عصره  ،أو ان شئنا روح عصره ، فالروح هى الواقع . وقد اعتبر الاصوليون القدماء الحقيقة ذات طرفين النص والواقع وأن النص  بدون واقع فراغ وخواء وأن مهمة المفكر أو المناقش أو المحاور هى تحقيق المناط أى رؤية مضمون النص فى الواقع المعاصر الذى يعيش فيه هذا المفكر أو الفقيه أو المجتهد  . تلك كانت رسالة الفقهاء قديما ، كانوا يتصدرون واقعهم كطلائع له ويرفضون أن يؤجروا على ذلك ، فتلك كانت شهادتهم على عصرهم . واذا أخذنا بعمق خطابه الفكرى والفلسفى وجدناه ينادى بثقة أنه من الأجدى وضع الواقع نفسه فى الصدارة حتى يكون الكاشف له . وكأنه يريد أن يقول ان الصفاء الأول يمكن العثور عليه بالرجوع الى الواقع ذاته وليس بالضرورة بالعود الى نموذج فريد  سابق . ولهذا تجدنى أعتبره مفكرا أيديولوجيا فى  مجتمعه يعي المهمة التى يأخذها على عاتقه احساسا منه بالمسئولية الوطنية كمفكر شريف يرى أحداث العصر ويعمل بمقتضاها ويعى تراثه القديم .  لانه ما زال حيا فى وجدان العصر . الاخوة الكرام حول طاولة الحوار أرفعوا راية التحديث وكسر أغلال التحجر والجمود وارتياد مسالك التجديد والاجتهاد واعلموا أن الفرد منكم يظل شاهدا على شرف الكلمة  . وكل قضية فقهية كانت أو غيرها أمانة فكرية  . تجاوزوا عند اللقاء مرة ثانية مسألة التكفيرفليس لأحدكم حقه ، وقدموا رؤيتكم بطرح واسلوب علمى منهجى ، موضوعى وعصرى  حتى لا يخطئ أحد فهم مؤشرات تطوير الفكر الاسلامى . وفقكم الله وأنا على يقين تام بصلابة التزامكم الدينى فى عصر يواجهنا الغرب فيه بأفكار الحداثة ولغة النص المقلوب

أ . د /  صلاح الدين خليل عثمان أبو ريان  ............. أمدرمان