د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم

تمهيد: هذه الدراسة هي قراءه نقدية للأصول الفكرية لحزب البعث العربي الاشتراكي ، والمقصود بالقراءة النقدية أنها تتجاوز موقفي الرفض والقبول المطلقين” وكلاهما من خصائص التفكير الاسطورى”، إلى موقف نقدي قائم على بيان أوجه الصواب والخطأ ، في الحلول التي تقدمها هذه الأصول الفكرية ، للمشاكل التي يطرحها الواقع العربي الحديث والمعاصر، ومدى الاتساق المنطقي والصدق الواقعي لهذه الأصول.
‏ التمييز بين القومية كعلاقة انتماء وكحركة سياسيه: وهذه القراءة تقوم على وجوب التمييز بين القومية كعلاقة انتماء إلى أمه، والقومية كحركة سياسيه، فالأولى سابقه في الوجود على الاخيره، وبالتالي غير متوقفة عليها(وجودا أو عدما)، بينما الاخيره”الحركة السياسية القومية بمذاهبها المتعددة” يتوقف وجودها على الأولى ” القومية كعلاقة انتماء إلى أمه” ، اى أن وجود اى مذهب من مذاهب الحركة السياسية القومية، يتوقف على مدى نجاحها أو فشلها في التعبير عن القومية كعلاقة انتماء إلى أمه ، ومدى نجاحها أو فشلها في تحقيق أهداف ومصالح الامه.
حول نشاه الحركة القومية العربية: بدأت الحركة القومية العربية” التي يشكل البعث احد روافدها” في المشرق العربي أولا في مطلع القرن العشرين، ومرجع ذلك أنها ظهرت كرد فعل على حركه التتريك التي حاولت سلب العرب خصائصهم القومية ، يقول د. عصمت سيف الدولة (…لأنه في مطلع القرن العشرين كانت كل أقطار الوطن العربي تحت سيطرة الاحتلال الاوربى ماعدا أقطار المشرق ، فقد كانت ما تزال أجزاء من دوله الخلافة، ولم تلبث الحركة القومية التركية ( الطورانيه ) ممثله في قيادتها( جمعيه الاتحاد والترقي) أن ألغت فعليا دوله الخلافة من حيث هي دوله مشتركه بين أمتين العربية والتركية، وحولوها إلى دوله تركية تحكم العرب وتحاول سلب خصائصهم القومية بتتريكهم ،وحيث بدأ الهجوم بدأت المقاومة، وبدا الدفاع عن القومية العربية حيث بدأ الهجوم على القومية العربية)( عن العروبة والإسلام، ص131).
نشأة حزب البعث : أما حزب البعث فقد نشأ كحركة سياسيه قومية ، في سوريا مع مطلع القرن العشرين ، على يد كل من ميشيل عفلق وصلاح بيطار، الذين عادوا من باريس إلى دمشق عام 1932، وأصدروا مجلة الطليعة ، وأطلقوا على أنفسهم اسم “جماعة الإحياء العربي”، وتم تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي بصورة رسمية ، عند انعقاد مؤتمره الأول في دمشق في 7 ابريل 1947، كما أصدر مجلة “البعث”، وكانت أهم أهداف الحزب مقاومه الاستعمار وتحقيق الوحدة العربية، وقد أصبح للحزب دور فعال على الحكم في سوريا بعد الاستقلال سنة 1946، كما انتشر الحزب بعد ذلك إلى بعض البلدان العربية الأخرى ( ويكيبيديا ).
العلاقة بين البعث وعبد الناصر: تعددت الرؤى حول تحديد طبيعة العلاقة بين البعث وجمال عبد الناصر، غير انه يمكن القول أن العلاقة بينهما شهدت حالات متعددة من التعاون والصراع، وانه يمكن أجمالها في النقاط التالية:أولا: أن للبعث الاسبقيه في تبنى القومية العربية كأيديولوجيه(نظريه سياسيه)،وطرح أهداف الحركة السياسية القومية الثلاث( الحرية والوحدة والاشتراكية).
ثانيا:رغم ذلك فان ثوره 32 يوليو بقياده جمال عبد الناصر في مصر قد تمت بعيدا عن علم وبدون مساهمه من حزب البعث .
ثالثا:أن جمال عبد الناصر قد استطاع أن يحقق الكثير مما دعي حزب البعث إلى تحقيقه، نتيجة لعوامل تاريخيه وجغرافيه…متفاعلة، منها أن مصر تشكل مركز الثقل في الوطن العربي.
رابعا:أن هناك مرحله تعاون توجت بالوحدة عام 1958، والتي اشترط عبد الناصر لتحقيقها أن يحل حزب البعث نفسه، في هذه المرحلة طرح حزب البعث نفسه كممثل للناصرية، لكن هذه المرحلة شابتها حالات من التوتر مصدره أن عبد الناصر اعتقد أن البعث يحاول احتوائه تنظيميا.
خامسا:ثم هناك مرحله من الصراع وبدأت بانقلاب قيادات الحزب او اغلبها على عبد الناصر والانفصال بين مصر وسوريا ، وهو الأمر الذى رفضه البعض الأخر مما أدى إلى حدوث انشقاقات في الحزب. (د.عصمت سيف الدولة،الطريق ، ص 256-257)، وفى هذه المرحلة اتهم عبد الناصر هذه القيادات بالتحالف مع الاستعمار لإسقاط الوحدة، يقول ( إن حزب البعثيين يتحالف اليوم مع الاستعمار, ومع أعوان الاستعمار. إن حزب البعث لا يستطيع أن يحكم إلا إذا فرض الإرهاب بالحديد والنار. إنه حكم فاشستي لا يمثل الشعب…إنه حكم بنى وجوده على الدم. ) (نص خطاب جمال عبد الناصر في الإسكندرية بتاريخ 22/10/1963)

الأصول الفكرية:
المنهج التاريخي: هناك بعض أدبيات البعث التي تفيد تبنيه للمنهج التاريخي، فعلى سبيل المثال يقول الدكتور الياس فرح ( إن هذا المنهج العلمي الجدلي التاريخي قد كان من أهم التجليات المبدعة لفكر البعث ، وقد زود الفكر العربي الثوري بقدرة هائلة على فهم معطيات العالم المعاصر ومشكلات الأمم الكادحة ورفعه إلى مستوى عالمي وجعله منذ بداية الأربعينات مواكبا لحركة التطور المتسارع في العالم لأن المنهج العربي الجديد قد أنقذ الفكر العربي الثوري من القوالب والقواقع واللاهوت الفكري الذي انتهت إليه الإيديولوجيات والتحليلات النظرية الميكانيكية الجامدة من مراحل التطور السابقة للنصف الثاني من القرن العشرين)(دور الإيديولوجية العربية الثورية في إغناء حركة الإبداع العربي، بحث منشور بمجلة آفاق عربية، العدد 8 ،نيسان 1976). ولمصطلح المنهج التاريخي دلالات متعددة منها المنهج التاريخي كمنهج” علمي” مستخدم في مجال علم التاريخ ، ومنها أن دراسة التاريخ باعتباره ممارسه بشريه متراكمة تصلح محكا لاختبار مناهج المعرفة، وهى دلالات صحيحة، ومن هذه الدلالات المنهج التاريخي كمنهج للمعرفة “و في الأدب القومي دراسات عديدة قائمه على المنهج التاريخي طبقا لهذه الدلالة” ، ومضمون المنهج التاريخي هنا ملاحظه تطور المجتمعات،ورصد حركتها،واستخلاص قوانين تلك الحركة، واستعمالها في تعيين المستقبل الذى يتجه إليه التطور، وهناك بعض الإشكاليات المتصلة بالمنهج التاريخي طبقا لهذه الدلالة منها:أن المعرفة بالتاريخ قد لا تكون صحيحة أو كاملة،ومنها الجبرية التي قد تلزم من المنهج التاريخي، حيث الماضي الذى لا يد لنا فيه، يحدد المستقبل حتما، ومن هذه الإشكاليات ذهنيه الليبرالية المتخفية خلف المنهج التاريخي، فالحتمية التاريخية فيه تقابل تلقائية التطور في المنهج الليبرالي، و القانون التاريخي فيه يساوى القانون الطبيعي في المنهج الليبرالي(د.عصمت سيف الدولة،النظرية، ج 1 ،ص 47- 49).
الجدل: كما أن هناك بعض أدبيات البعث تشير إلى المنهج الجدلي، ولمصطلح الجدل دلاله عامه مشتركه مضمونها ( التطور من خلال صراع المتناقضات) ، وهى الدلالة المستخدمة في الفكر الهيجلى والماركسي …، كما أن له دلاله خاصة مضمونها التأثير المتبادل ، وهى الدلالة التي يمكن أن تفهم من هذه الأدبيات يقول د. الياس فرح(كان المنهج ( العلمي) المتحرر من الصيغ الفلسفية الإطلاقية و (الجدلي) الذي ينفذ إلى المحركات الأساسية للتطور في المجتمع العربي . والذي يقترن بموقف ثوري يربط المعرفة بالواقع من أجل تغييره ضمن أهداف المرحلة التاريخية وحاجات الأمة العربية في نضالها من أجل تحقيق انبعاثها ..) دور الإيديولوجية العربية الثورية في إغناء حركة الإبداع العربي، بحث منشور بمجلة آفاق عربية، العدد 8 ،نيسان 1976)..
الوحدة بين الغاية والوسيلة:إن اتخاذ البعث للوحدة كغاية” الوحدة السياسية ” اقتضي وحده الوسيلة” الوحدة التنظيمية ممثله في التنظيم الواحد” –طبقا لقاعدة الاتساق بين الغاية والوسيلة- لكن رغم محاوله البعث تحقيق وحده الاداه إلا انه لم ينجح ، ومرجع ذلك انه اتخذ أسلوب مضمونه أمكانيه تحول احد التنظيمات القائمة في الوطن العربي إلى التنظيم الواحد يقول د. عصمت سيف الدولة (… وقد حاول حزب البعث وحاولت حركه القوميين العرب أن يكون أيهما التنظيم القومي الواحد عن طريق الاستقطاب التنظيمي على المستوى القومي، ولكنهما فشلا ذريعا، وبدلا من اطراد النمو وقع التنظيمان فريسة انشقاقات مطرده ،بحيث لا يمكن القول بان اى من البعث وحركه القوميين العرب في طريقه إلى أن يكون التنظيم القومي الواحد )(الطريق، ج 2، ص255).
الوحدة بين القفز والتدرج: كما انه رغم أن الوحدة هي غاية أساسيه للبعث- وكافه مذاهب الفكر القومي- ، فانه لم يقدم أجابه تفصيلية حول السؤال المتعلق بكيفية تحقيق الوحدة، كما يشيع لدى كثير من أدبيات البعث تصور مثالي لكيفية تحقيق الوحدة مضمونه القفز مما هو كائن ” التجزئة” إلى ما ينبغي ان يكون” الوحدة” . لذا فان الفكر القومي بكافه مذاهبه بما فيها البعث مدعو الى الالتزام بالتصور العلمي القائم على احترام سنه التدرج اى الانتقال ما هو كائن ” التجزئة والتفتيت”، إلى ما ينبغي أن يكون” الوحدة” من خلال الممكن ، ومضمونه اتخاذ كل الخطوات الممكنة في اتجاه الوحدة عبر مراحل، اى ان العمل على توحيد الامه يجب أن يتم بشكل تدريجي سلمى مؤسساتي ،عن طريق إيجاد وتفعيل مؤسسات العمل المشترك،..
مفهوم الامه و التصور الليبرالي: كما إن كثير من أدبيات البعث ، تقدم تصورا للامه، يقارب التصور الليبرالي لها ،والذي مضمونه أن الامه خالدة خلود الطبيعة ذاتها الامه ، وهو تصور يفارق التصور العلمي لها ” كطور من المجتمعات لم يكن موجودا منذ البداية، بل جاء نتيجة تطور تاريخي، أصاب المجتمعات الشعوبية والقبلية التي سبقته ..” وان الامه” لن تكون أخر طور في النمو المجتمعات، وان مصير الأمم أن تذوب في تكوينات اجتماعيه أوسع منها”( د. عصمت سيف الدولة، النظرية ،ج1 ،ص 266).
الحرية بين التبعية والاستبداد:اعتبر حزب البعث الحرية احد أهدافه (بالاضافه إلى الوحدة و الاشتراكية)، لكن الحرية تقتضى التحرر من كل قيد داخلي ” كالاستبداد” أو خارجي ” كالاستعمار”، غير أن حزب البعث ركز – على المستوى التطبيقي العملي _على مشكله الاستعمار الخارجي، وتجاهل – أو قلل من أهميه- مشكله الاستبداد الداخلي، فأعطى الاولويه للتحرر من الاستعمار على مقاومه الاستبداد .هذا الموقف جاء كرد فعل” متطرف” على موقف آخر” تمثله بعض القوى الليبرالية”، قائم على التركيز على مشكله الاستبداد الداخلي ، وتجاهل – أو التقليل من أهميه-مشكله الاستعمار الخارجي ، اى اولويه مقاومه الاستبداد على التبعية.غير ان كلا الموقفين خاطئ ، لأنهما يقومان على ذات الأساس الخاطئ ،وهو التركيز على احد المشكلتين وتجاهل الأخرى، وبينما الموقف الصحيح هو الربط بين مشكلتي الاستبداد الداخلي والاستعمار الخارجي، باعتبار أن الأول هو قيد داخلي على حرية الشعوب لأنه انفراد اقليه (فرد او فئة) بالسلطة دون الشعب ، والاستعمار هو قيد خارجي على حرية الشعوب لأنه استيلاء شعب على إمكانيات شعب أخر وتسخيرها لخدمة مصالحه. وهذا الموقف على المستوى العملي، يتناقض مع موقف البعث على المستوى النظري ، الذى لم يتجاهل مشكله الاستبداد الداخلي وحلها بالديموقراطيه، ورد في دستور حزب البعث العربي الاشتراكي أن( حرية الكلام والاجتماع والاعتقاد والفن مقدسة لا يمكن لأية سلطة أن تنتقصها.) وان( نظام الحكم في الدولة العربية هو نظام نيابي دستوري والسلطة التنفيذية مسئولة أمام السلطة التشريعية التي ينتخبها الشعب مباشرة).
أسلوب التغيير: كما اعتمد حزب البعث –على المستوى العملي- على الانقلابات العسكرية كأسلوب للتغيير، ولكنه لا ينفرد بذلك، فالانقلابات العسكرية كظاهرة تكاد تكون المرحلة التالية لمرحلة التحرر من الاستعمار على مستوى العالم الثالث كله. وهذه الظاهرة هي حصيلة فشل تطبيق الديمقراطية في العالم الثالث نتيجة للتخلف الديمقراطي : انعدام أو ضعف التقاليد الديمقراطية بفعل الاستعمار وما صاحبه من تخلف ثقافي ومادي، إضافة إلى تطبيق المفهوم الليبرالي القائم على سلبية الدولة بالنسبة للممارسة الديمقراطية. إذا الانقلابات العسكرية تعبر عن مرحله تاريخيه انقضت أو تكاد تنقضي، وبالتالي لابد من استحداث أساليب تغيير أخرى ،أهمها أسلوب التغيير الجماهيري السلمي بالياته المختلفة.
تعدد الأحزاب: إن عدم منع الشعب من أن يعبر عن إرادته بالطريقة التي يختارها، ومنها تشكيل الأحزاب ، مبدأ ديمقراطي كان على حزب البعث الأخذ به اتساقا مع تقرير دستور حزب البعث العربي الاشتراكي أن الشعب هو مصدر السلطات( حزب البعث العربي الاشتراكي شعبي يؤمن بأن السيادة هي ملك الشعب وانه وحده مصدر كل سلطة وقيادة، وان قيمة الدولة ناجمة عن انبثاقها عن إرادة الجماهير، كما أن قدسيتها متوقفة على مدى حريتهم في اختيارها)، لكن الحزب تبنى فعليا مفهوم الحزب الواحد، مع تعددية صوريه ممثله في مفاهيم الحزب القائد أو الجبهة الوطنية التقدمية.
علاقات الانتماء ومشكله الوحدة والتعدد: إذا كانت الأصول الفكرية للبعث وسائر مذاهب الفكر القومي قائمه أساسا على إثبات علاقة الانتماء القومية للشخصية العربية ، فان تحديد علاقتها بعلاقات الانتماء الأخرى للشخصية العربية( الوطنية ، الدينية، التاريخية، القارية، العرقية، الانسانيه…) تتصل بمشكله الوحدة والتعدد كقضية فلسفيه لها تطبيقاتها الثقافية،السياسية،الاقتصادية…: اى هل نقول بوحدة مطلقه تلغى اى شكل من أشكال التعدد، أم نقول بتعدد مطلق يلغى اى شكل من أشكال الوحدة أم نجمع بين الوحدة التعدد اى نقول بوحدة نسبيه وتعدد نسبى، والفكر القومي بمذاهبه المتعددة “بما فيها البعث” مدعو إلى تجاوز مذهب الوحدة المطلقة الذى يرى أن العلاقة بين علاقات الانتماء المتعددة للشخصية الحضارية المعينة” هي هنا الشخصية العربية” هي علاقة تناقض، وبالتالي فان استناده إلى علاقة الانتماء المعينة” هي هنا علاقة الانتماء القومية” يقتضى إلغاء علاقات الانتماء الأخرى.. هذه الوحدة المطلقة في مجال الهوية ترتبط بوحدة مطلقه في المجال السياسي الاقتصادي القانوني… مضمونها وجوب انفراد جماعات قبلية معينه (هي هنا الجماعات العربية باعتبارها ممثلا لعلاقة الانتماء القومية)بالسلطة و الثروة … دون باقي الجماعات القبلية أو الشعوبية الأخرى.هذا التجاوز لمذهب الوحدة المطلقة يتحقق سلبا من خلال التمييز بين الفكر القومي و مذهب العصبية القبلية العربية الذى يفهم العروبة على أساس عرقي لا لغوي حضاري ، ومرجع ذلك انه يخلط بين العرب في الطور القبلي( ما يقابل الأعراب في القرآن)، والعرب في طور الامه، حيث أن مناط الانتماء في الطور الأول النسب، بينما مناط الانتماء في الطور الثاني اللسان.. كما ان هذا التجاوز لمذهب الوحدة المطلقة يتحقق إيجابا من خلال تبنى الفكر القومي بمذاهبه المتعددة “بما فيها البعث” لمذهب العلاقة الجدلية بين الوحدة والتعدد القائم على اعتبار أن الشخصية العربية ذات علاقات انتماء متعددة،وان العلاقة بينها علاقة تكامل لا تناقض ،و إن العلاقة الجدلية بين الوحدة والتعدد في مجال الهوية ترتبط بالعلاقة الجدلية بين الوحدة و التعدد في المجال السياسي الاقتصادي القانوني…متمثله في التأكيد على الوحدة (بتقرير المساواة بين الجماعات القبلية والشعوبية المكونة للامه العربية) وفى ذات الوقت التأكيد على التعددية )بتقرير حرية هذه الجماعات القبلية والشعوبية).
العلاقة بين الدين والدولة والعلمانية: : يطرح حزب البعث العلمانية كحل لمشكله العلاقة بين الدين والدولة، يقول ميشيل عفلق في ( في سبيل البعث) ( العلمانية التي نطلبها للدولة ، هي التي بتحريرها الدين من ظروف السياسة وملابساتها ، تسمح له بأن ينطلق في مجاله الحر في حياة الأفراد والمجتمع ، وبأن تبعث فيه روحه العميقة الأصيلة التي هي شرط من شروط بعث الأمة).ومضمون العلمانية فصل الدين عن الدولة، وقد كانت العلمانية في الأصل جزء من الديانة المسيحية ،تحول إلي تيار فكرى معين، ظهر في مرحله معينه من مراحل التاريخ الاوربى ، تحول إلي ثوره ضد تدخل الكنيسة في الحكم، انتهى إلي أقامه نظام متكامل للحياة، هو النظام الليبرالي التي تشكل العلمانية احد أركانه، كان محصله عوامل ثقافية ونفسيه وتاريخية وحضارية سادت أوربا نحو سبعه قرون. بناءا على ما سبق فان جوهر الدعوة إلى العلمانية في مجتمع اسلامى – كالمجتمع العربي-هو أن تستبدل القيم والآداب والقواعد الاسلاميه (التي تشكل الهيكل الحضاري لهذا المجتمع) بالقيم والآداب والقواعد الغربية، لتحقيق قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلى الحضارة الغربية اى التغريب.لذا فان البعث ومذاهب الفكر القومي التي تطرح العلمانيةكحل لمشكله العلاقة بين الدين والدولة،مدعو إلى تجاوز موقف القبول المطلق للعلمانية إلى موقف نقدي منها، اقتداء بموقف مفكرين قوميين كبار كالدكتور عصمت سيف الدولة الذى يقول( إن العلمانية اخطر أشكال مناهضه الإسلام بالعروبة نفاقا وأكثرها اتقانا)( عن العروبة والإسلام ، ص186) ،وان ( للعلمانية نظاما وللإسلام نظاما وهما لا يلتقيان في أكثر من وجه) (عن العروبة والإسلام‘ص240) ، وان( جوهر الدعوة العلمانية في مجتمع من المسلمين هو ان تستبدل بالشرائع والقواعد والآداب التي جاء بها الإسلام شرائع وقواعد وآداب وضعيه) (عن العروبة والإسلام،ص423)، ومما يشجع على هذه المراجعة أن أدبيات البعث تتخذ موقف ايجابي من الدين، بينما العلمانية موقف سلبي من الدين – على الأقل على مستوى الدولة كممثل للمجتمع -. غير أن رفض العلمانية لا يعنى قبول الثيوقراطيه ( الدولة الدينية) والتي تقوم على الخلط بين الدين والدولة،وجعل العلاقة بينهم علاقة تطابق، وهو ما يلزم منه انفراد فرد او فئة بالسلطة السياسية دون الشعب ، كنتيجة لازمه لانفراد هذا الفرد او الفئة بالسلطة الروحية ( الدينية ) دونه . فالثيوقراطيه تودي إلى تحويل المطلق عن قيود الزمان والمكان (الدين) إلى محدود بالزمان والمكان (الدولة أو السلطة) أو العكس ، اى إضفاء قدسيه الدين و اطلاقيته على البشر واجتهاداتهم المحدودة بالزمان والمكان النسبية فيهما، و هو ما رفضه الإسلام حين ميز بين التشريع الذي جعله حقا لله،والاجتهاد الذي جعله حقا للناس ، كما أن هذا الحل مرفوض من الإسلام لأنه يرفض إسناد السلطة الدينية أو الروحية إلى فرد أو فئة تنفرد بها دون الجماعة اى الكهنوتية أو رجال الدين قال تعالى ( واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) الأكثر ون من المفسرين قالوا ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم. فالبعث وسائر مذاهب الفكر القومي التي تطرح العلمانية كحل الفكر القومي مدعو إلى تبنى موقف ثالث، للعلاقة بين الدين والدولة، يقوم على اعتبار أن علاقة الدين بالدولة هي: علاقة وحدة (وليس علاقة خلط كما في الثيوقراطيه )، اى يقوم على دينيه التشريع وليس السلطة كما في الثيوقراطيه. وعلاقة تمييز (وليس علاقة فصل كما في العلمانية)، اى مدنيه السلطة وليس التشريع كما في العلمانية. فهي علاقة وحده (وليس خلط) لان السلطة في الإسلام مقيده بالقواعد القانونية التي لا يباح تجاوزها، والتي تسمى باصطلاح القران الحدود. كما أنها علاقة تمييز( وليس فصل) لان الإسلام ميز بين النوع السابق من القواعد القانونية،والتي اسماها تشريعا، وجعل حق وضعها لله تعالى وحده استنادا إلي مفهوم التوحيد ، والقواعد القانونية التي يختلف الناس فيها دون إثم ، والتي اسماها اجتهاد، والتي محلها الفقه في الإسلام ، والتي جعل سلطة وضعها للجماعة استنادا إلي مفهوم الاستخلاف .
بين المشرق والمغرب: وهنا يجب الاشاره إلى أن اغلب مذاهب الفكر القومي في المشرق العربي قد طرحت العلمانية كحل لمشكله العلاقة بين الدين والدولة، خلافا لأغلب مذاهب الفكر القومي في المغرب العربي.
مثال بالتجربة الناصرية: وعلى سبيل المثال فانه بالرجوع إلى التجربة الناصرية فإننا نجد ان عبد الناصر لم يستخدم مصطلح علمانيه فى اى من خطاباته الشفهية او وثائقه المكتوبة ، يقول د. مخلص الصيادي(من الناحية الشكلية ليس في تاريخ الناصرية ـ وفق علمي ـ ما يشير إلى تبنيها للعلمانية من حيث المصطلح ، ولم تثر هذه القضية في تاريخ الناصرية ، ولا يعرف أن جمال عبد الناصر أتى عليها، على الرغم من أنها كانت مثارة بقوة وبوضوح في المجالين الإسلامي بالنموذج التركي، والعربي بالنموذج البورقيبي. )(الناصرية والدين ، منتديات الفكر القومي العربي) . هذا فضلا عن رفض عبد الناصر للعلمانية مضمونا في بعض الخطابات والوثائق، حيث يقول مثلا سنة 1963 (الإسلام دين التطور والحياة، والإسلام يمثل الدين ويمثل الدنيا، لا يمثل الدين فقط) ، بالاضافه إلى ما سبق فان العلمانية باتخاذها موقفا سلبيا من الدين(على الأقل على مستوى الدولة كممثل للمجتمع، من خلال دعوتها إلى الفصل بين الدين عن الدولة)، تتناقض مع التجربة الناصرية، لأنها اتخذت موقفا ايجابيا من الدين على المستويين النظري والعملي، فعلى المستوى النظري: يرى عبد الناصر – على سبيل المثال لا الحصر- أن أحد عوامل نجاح نضال الشعب المصري والشعوب العربية والمسلمة الأخرى هو(إيمان لا يتزعزع بالله وبرسله ورسالاته القدسية التي بعثها بالحق والهدى إلى الإنسانية في كل زمان ومكان)( الميثاق الوطني ، 1962 ،الباب الاول) ، كما يرى أن الإسلام هو الذى وحد الامه العربية (واتحدت المنطقة بسلطان العقيدة حين اندفعت تحت رايات الإسلام تحمل رسالة السماء الجديدة – الإسلام – وتؤكد ما سبقها من رسالات وتقول كلمة الله الأخيرة في دعوة عبادة إلى الحق) ( خطاب أمام مجلس الأمة في 5/2/1958).كما اتخذت التجربة الناصرية موقفا ايجابيا من الدين على المستوى التطبيقي تمثل في الكثير من المظاهر منها على سبيل المثال لا الحصر :زيادة عدد المساجد فى مصر من أحد عشر ألف مسجد قبل الثورة إلى واحد وعشرين ألف مسجد عام 1970 ( عشرة ألاف مسجد )، وهو ما يعادل عدد المساجد التي بنيت فى مصر منذ الفتح الإسلامي وحتى عهد عبد الناصر.وبناء آلاف المعاهد الأزهرية والدينية في مصر، و افتتاح فروع لجامعة الأزهر فى العديد من الدول الإسلامية، بالاضافه إلى بعثات الأزهر لنشر الإسلام في أفريقيا وأسيا ،وإنشاء منظمه المؤتمر الاسلامى… أما على المستوى الدستوري فقد أقرت دساتير المرحلة الناصرية أن الإسلام هو دين الدولة . ولا ينفى ما سبق ذكره، من تناقض العلمانية مع التجربة الناصرية،الصراع الذى حدث بين جماعه الأخوان المسلمين وجمال عبد الناصر ، لان هذا الصراع لم يكن صراع ديني بل صراع سياسي، وقد اقر بعض الإخوان المسلمين والإسلاميين بهذه الحقيقة ، يقول د.عبدا لمنعم أبو الفتوح عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين سابقا في الحلقة الأولى من مذكراته «شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر» التي تنفردالشروق بنشرها (ورغم أن نظرتي تغيرت تماما عن جمال عبد الناصر فلم تصل يوما إلى تكفيره، فقد كنت أرى أنه من الصعب أن نقول إن جمال عبد الناصر كان ضد الإسلام أو عدوا له كما كتب البعض، ومازلت أرى أن الصراع بينه وبين الإخوان كان صراعا سياسيا في الأساس بدليل أنه استعان بالعديد من رجالهم في بداية الثورة كوزراء مثل الشيخ الباقورى والدكتور عبد العزيز كامل)
التفسير: وقد اختلف الباحثون في تفسير ظاهرة طرح اغلب مذاهب الفكر القومي في المشرق العربي للعلمانية كحل لمشكله علاقة الدين بالدولة ، حيث يرى البعض أن مرجع ذلك أن المشرق تأثر أولا بالغرب الاوربى، ويرى آخرون أن السبب هو وجود أقليات غير مسلمه في المشرق العربي، غير أن السبب الذي نرجحه هو أن الحركة القومية في المشرق قد نشأت – كما سبق ذكره – كرد فعل على التتريك ، وكان طرح الحركة القومية للعلمانية كمحاوله للتميز عن الخصم المسلم أيضا ( الأتراك) ، أما في المغرب العربي فقد كان الخصم هو الاستعمار الاوربى “المسيحي ظاهرا”، وبالتالي كان الإسلام هو المميز .
الاحتكار: كما أن هناك بعض أدبيات البعث السياسية تتحدث عن البعث بصيغ قد يفهم منها أنه يحتكر التحدث باسم القومية، وهو فهم غير صحيح،لأنه يخلط بين القومية كعلاقة انتماء إلى أمه والقومية كحركة سياسيه. يقول جمال عبد الناصر في فبراير 1958: (إن القومية العربية لا يمثلها رجل واحد،أو مجموعه من الرجال، إنها لا تتوقف على جمال عبد الناصر، ولا على الذين يعملون معه، إنها قوه كامنة في ملايين العرب الذين يحمل كل منهم شعله القومية ).

-------------------------------------
للاطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة المواقع التالية:
1/ الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات https://drsabrikhalil.wordpress.com
2/ د. صبري محمد خليل Google Sites
https://sites.google.com/site/sabriymkh/‏

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.