د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم

أولا: مسالة الجبر والاختيار في علم الكلام الاسلامى:
القدرية (الجهنية):
حول مصطلح "قدرية": القدرية نسبة إلى قدرة الإنسان على الفعل والاختيار، أي الذين أسندوا الفعل والإرادة إلى الإنسان ،وقال البعض نسبة إلى القدر، لأنهم نفوا القدر عن الله تعالى وأثبتوه للإنسان، ويرى بعض الكتاب أن هذا الوصف ذكرهم به مخالفوهم لينطبق عليهم الحديث (القدرية مجوس هذه الأمة). والراجح أن القدرية بالمعنى الأول تشمل المعتزلة والجهنية ، والقدرية بالمعنى الثاني تقتصر على الجهنية.
أعلام الفرقة:أهم قادة الجهمية معبد الجهني، وقد تولى الدعوة إلى مذهبه في العراق ،وقتله الحجاج في ثورة عبد الرحمن بن الأشعث ،وغيلان الدمشقي الذي ناقشه عمر بن عبد العزيز وقتله هشام بن عبد الملك.
نفي العلم السابق: وقد تطرفوا في إسناد الفعل والإرادة إلى الإنسان ،فقالوا (كل فعل للإنسان هو بإرادته المستقلة عن إرادة الله تعالى)، ونفوا عن الله تعالى القدر بمعنى العلم والتقدير السابق على حدوث الفعل الإنساني، يروى أن معبد الجهمي (لا قدر الأمر أنف) يقول د. محمد يوسف (... ذهبت القدرية على أن الإنسان هو الذي يقدر أعمال نفسه بعلمه، ويتوجه إليها بإرادته ثم يوجدها بقدرته، وأن الله لا يقدر هذه الأعمال أزلاً ولا دخل لإرادته أو قدره في وجودها ولا يعلمها إلا بعد وقوعها)(د. محمد يوسف، القرآن والفلسفة، ص116)
تقويم: مذهب القدرية يترتب عليه إسناد صفة الخلق إلى غير الله تعالى وهي صفة ربوبية ،أي أن إسنادها لغير الله يترتب عليه جعل علمه وقدرته تعالى محدودين، بدلاً من أن يكونا مطلقين، كما يتضح في قولهم العلم أنف.
الجبرية (الجهمية): أسميت بالجبرية نسبة إلى أن مقولتهم الأساسية ، أي نفي قدرة الإنسان على الفعل والاختيار، والجهمية نسبة جهم بن صفوان.
الجبر: وقد رتبوا على كون الله تعالى خالق أفعال الإنسان وأنه ذو قدرة مطلقة إلغاء قدرة الإنسان على الفعل ، وإحالته إلى آلة لا إرادة لها، يقول جهم بن صفوان (إن الإنسان ليس يقدر على شيء ،ولا يوصف بالاستطاعة، إنما هو مجبور في أفعاله ولا إرادة ولا اختيار ،وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وينسب إليه الأفعال مجازاً كما ينسب إلى الجمادات( الشهرستاني، الملل والنحل، مصر المطبعة الأدبية، ص110-111 ) ،وفي فترة لاحقة تسرب القول الجبر إلى بعض المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة بفرقهم المختلفة.
تقويم: القول بالجبر وافد على الإسلام، لأن التصور ألتنزيهي لله تعالى ، يرى أن لا تعارض بين الفعل الإلهي المطلق "الذي عبر عنه القران بمصطلح الخلق"والفعل الإنساني المحدود" الذي عبر عنه القران بمصطلح الكسب"، فالأول يحد الثاني تكوينياً (بظهوره في عالم الشهادة من خلال السنن الإلهية، التي التزامها شرط نجاح الفعل الإنساني)، وتكليفياً (كما يظهر من خلال القواعد الآمرة الناهية "الحدود"، والتي ينبغي على الإنسان أن يلتزمها في فعله) .
رفض أهل السنة والجماعة القول بالجبر : وقد رفض علماء أهل السنة بمذاهبهم المتعددة القول بالجبر وردوا على استدلالات القائلين بالجبر:

الأمام ابن حزم: يقول الإمام ابن حزم- مذهب أهل الظاهر - بعد عرض مقاله الجبر ( وخطأ هذه المقالة ظاهر بالنص وبالحس وباللغة التي خاطبنا الله تعالى بها . فأما النص : فإن الله عز وجل قال - في غير موضع من القرآن ( جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ). وقال تعالى (لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ ). فنص تعالى على أننا نعمل ونفعل . وأما الحس : فإن بالحواس وبضرورة العقل وببديهته علمنا علما يقينا لا يخالطه شك أن بين صحيح الجوارح وبين ما لا صحة بجوارحه فرقا واضحا ؛ لأن صحيح الجوارح يفعل القيام والقعود وسائر الحركات مختارا لها دون مانع ، بخلاف ما لا صحة بجوارحه ، فإنه لو أراد ذلك لم يستطع ولا بيان أبين من هذا الفرق . وأما اللغة : فإن المجبر في اللغة هو الذي يقع الفعل منه بغير اختياره وقصده ، فأما من وقع فعله باختياره وقصده فلا يسمى في اللغة مجبرا . وإجماع الأمة على أنه لا حول ولا قوة إلا بالله مبطل قول المجبرة وموجب أن لنا حولا وقوة ولكن لم يكن ذلك إلا بالله تعالى . ولو كان ما ذهب إليه المجبرة صحيحا لكان قول : لا حول ولا قوة إلا بالله ، لا معنى له ، وكذلك قوله تعالى : لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ . فنص تعالى على أن لنا مشيئة إلا أنها لا تكون منا إلا أن يشاء الله كونها "

الإمام ابن القيم : يول الإمام ابن القيم –المذهب الحنبلي- وهو يبين ما اشتملت عليه الفاتحة من الرد على جميع المبطلين - : " فصل : في تضمنها الرد على الجبرية وذلك من وجوه : الأول : من إثبات عموم حمده سبحانه ، فإنه يقتضي ألا يعاقب عبيده على ما لا قدرة لهم عليه ولا هو من فعلهم ، بل هو بمنزلة ألوانهم وطولهم وقصرهم ، بل هو يعاقبهم على نفس فعله بهم فهو الفاعل لقبائحهم في الحقيقة ، وهو المعاقب لهم عليها ، فحمده عليها يأبى ذلك أشد الإباء ، وينفيه أعظم النفي فتعالى من له الحمد كله عن ذلك علوا كبيرا ، بل إنما يعاقبهم على نفس أفعالهم التي فعلوها حقيقة ، فهي أفعالهم لا أفعاله وإنما أفعاله العدل والإحسان والخيرات . الثاني : إثبات رحمته ورحمانيته ينفي ذلك إذ لا يمكن مع اجتماع هذين الأمرين قط : أن يكون رحمانا رحيما ، ويعاقب العبد على ما لا قدرة له عليه ولا هو من فعله بل يكلفه ما لا يطيقه ولا له عليه قدرة البتة ثم يعاقبه عليه ، وهل هذا إلا ضد الرحمة ونقض لها وإبطال ؟! وهل يصح في معقول أحد اجتماع ذلك والرحمة التامة الكاملة في ذات واحدة ؟ الثالث : إثبات العبادة والاستعانة لهم ونسبتها إليهم بقولهم : " نعبد ، ونستعين " وهي نسبة حقيقية لا مجازية والله لا يصح وصفه بالعبادة والاستعانة التي هي من أفعال عبيده ، بل العبد حقيقة هو العابد المستعين ، والله هو المعبود المستعان به .وأقول : أنه يترتب على القول بهذه البدعة لوازم باطلة منها : القول بإبطال التكليف والثواب والعقاب ، وإرسال الرسل وذلك أنه إذا كان العبد مجبورا على عمله فكيف يثاب ويعاقب على ما لم يفعل ؟ وكيف يكلف بعمل غيره ؟ أليس هذا محض الظلم تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ، ولم أرسل الله الرسل ما دام العبد كالريشة في مهب الرياح ؟ فليترك عالم الإنسان دون رسول كما ترك النبات والجماد دون رسول . فإذا كانت هذه اللوازم باطلة فما يؤدي إليها باطل . والله أعلم .

المعتزلة: مقوله "الإنسان خالق أفعاله"والرد عليها :
وقال المعتزلة أن العدل الالهى يقتضى أن يكون الإنسان للإنسان قدره على الفعل والاختيار،ولكنهم أطلقوا على هذه القدرة اسم "الخلق" ، وهو ما يتعارض مع كون مصطلح الخلق لم يرد في القران إلا منسوبا إلى الله تعالى،فالخلق هو صفه ربوبيه لا يجوز نسبتها إلى سواه تعالى.
الكسب عند الامام الاشعرى: قال الأمام الأشعري أن الفعل الإنساني هو محصلة لخلق الله تعالى وكسب الإنسان، لكنه عرف الكسب بأنه مقارنة قدرة الإنسان للفعل الإلهي، ويمكن توضيح هذا بمثال حركة اليد والخاتم فحركة الخاتم مقارنة لحركة اليد.
الكسب قدره حقيقية على الفعل عند فرق أهل السنة : اتفق كثير من علماء الاشاعره والماتريديه وأعلام الحنابلة كالإمام ابن تيميه وابن القيم مع الإمام الأشعري في القول بأن الفعل الإنساني هو محصلة خلق الله تعالى وكسب الإنسان، إلا أنهم خلافاً للأشعري لم تجعلوا الكسب مجرد اقتران بالفعل الالهى ، بل قدره حقيقية على الفعل.
ثانيا:الفهم الصحيح لمفهومى القضاء والقدر:
تمهيد:القضاء والقدر يتعلقان بظهور فعل الله تعالى المطلق (الربوبية ) في عالم الشهادة من جهة الإيجاد ،اى ظهور صفه الايجاد فيه .
تعريف القضاء: فالقضاء يدل على فعله المطلق من جهه الإلزام (الحتمية)، اى وجوب نفاذ فعله المطلق، يقول تعالى ( قال ربك هو على هين ولنجعله اية للناس ورحمة منا وكان امر مقضيا ) ويقول تعالى ( وكان على ربك حتما مقضيا ) ، ورد في النهاية لابن الاثير (القضاء : الفعل والحكم وقد تكرر في الحديث ذكر القضاء واصله القطع والفصل )، وفى القاموس المحيط (القضاء: الصنع والحتم والبيان) ،وفى مفردات الراغب ( القضاء : فصل الأمر قولا كان ذلك أم فعلا ،وكل واحد منها على وجهتين : الهي وبشرى، فمن القول الالهى قوله تعالى ( وقضى ربك ) اى أمر بذلك... ومن الفعل الالهى ( والله يقضى بالحق ) وقوله تعالى (فقاضهن سبع سموات) إشارة إلى إيجاده الابداعى والفراغ منه) .
تعريف القدر: أما القدر فيدل على فعل الله المطلق من جهه التحقق ، ولما كان ظهور فعله المطلق تعالى في عالم الشهادة يتم من خلاله السببية، اى تحققه بتحقق السبب وتخلفه بتخلف السبب، فان الله تعالى لا يجعل فعله المطلق يتحقق إلا عند ما يوفر أسباب ( شروط) تحققه، وهو معنى القدر في الاستعمال القرانى قال تعالى(انا كل شئ خلقناه بقدر ) (القمر : 49)وقال تعالى (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغو في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء"(الشورى: 27).
القضاء والقدر لا يترتب عليهما الجبر: يترتب على هذا فان كون الفعل المطلق لله تعالى لازم النفاذ (القضاء) او تحققه في عالم الشهادة( القدر) لا يترتب عليه أن الإنسان مجبور على فعله .
صفتى العلم والارادة الالهيين والفعل الانسانى :وقال بعض العلماء القضاء والقدر هما العلم والارادة الالهيين ونرى أنهما مرتبطان يهما، لذا وجب تناولهما :
أولا: الإرادة الالهيه والفعل الانسانى :الإرادة الالهيه على نوعين ،الأولى الإرادة التكوينية (المتضمنة للسنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود ، والثانية التكليفية (المتضمنة للمفاهيم والقيم والقواعد الكلية التي جاء بها الوحى)، والى هذا التقسيم اشار كل من ابن تيميه وابن القيم ،كما أشار له الشوكانى في قوله (وكما وقع الاشتباه بين هذين القسمين ، وقع الاشتباه بين شيئين آخرين ، وان كانا خارجين عما نحن بصدده، وهو الفرق بين الارادة الكونية والارادة الدينية ،وبين الأمر الكونى والأمر الديني ،وبين الإذن الكوني والإذن الديني ،وبين القضاء الكوني والقضاء الديني ... فالإرادة الكونية والأمر الكوني هي مشيئته لما خلق من جميع مخلوقاته... والاراده الدينية هي محبته المتناولة لجميع ما أمر به وجعله شرعا) ، ويوضح الشوكانى نماذج من القسمين ( فمن الاراده الأولى اعني الكونية "وإذا أراد بقوم سوء فلا مرد له"، ومن الاراده الدينية"يريد الله ليبين لكم ويهديكم "، ومن الأمر الكوني "إنما قوله لشئ اذا اردناه أن نقول له كن فيكون "( النحل )،ومن الأمر الديني " أن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى "( النحل 29).
الإرادة التكليفية : وتظهر من خلال القواعد الأمر والناهية التي اوجب الله تعالى على الإنسان التزامها في شرعه وهى بالتالي لا جبر فيها.
الارادة التكوينية :وتظهر في السنن الالهيه التي تحكم حركة الوجود بما فيه الفعل الانسانى، وهى أيضا لا يترتب عليها إجبار الإنسان على فعله او إلغائه، إذ أن هذه السنن هي شرط للاراده الانسانيه، اى يتوقف عليها نجاح الفعل او فشله ، وللإنسان إن يحترم حتميتها فينجح في تحقيق ما يريد، أو لا يحترم حتميتها فيفشل.
التميز بين الارادة والرضا: وتأكيدا لان الارادة الإلهية لا يلزم عنها إجبار الإنسان على فعله ، كان التمييز بين الارادة والرضا ، فالله تعالى أودع في الإنسان القدرة على التزام إرادة الله التكوينية والتكليفية فينال بذلك رضا الله " رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه " " ولا يرضى لعباده الكفر وان تشكرون خير لكم " ، كما أودع فيه القدرة على مخالفة إرادته فيوجب ذلك غضب الله ." الظالمين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ".يقول ابن تيميه (وجمهور أهل السنة مع جميع الطوائف وكثيرون من أصحاب الاشعرى يفرقون بين الإرادة والمحبة والرضا ،فيقولون انه وان كان يريد المعاصي لا يحبها ولا يرضاها بل يبغضها ويسخطها وينهى عنها، وهؤلاء يفرقون بين مشيئة الله ومحبته ) (ابن تيميه،رسالة التوحيد، ص50) ،ويقول الشوكانى (فما خلقه الله سبحانه وقدره وقضاه فهو يريده وان كان لا يأمر به ولا يحبه ولا يرضاه ولا يثيب أصحابه، ولا يجعلهم من أوليائه، وما أمر به وشرعه وأحبه ورضيه وأحب فاعله وثابهم وأكرمهم عليه فهو الذى يحبه ويرضاه ويثبت فاعله عليه ).
لا يجوز نسبة المعاصي لله تعالى: وعلى هذا لا يجوز نسبة المعاصى إلى الله تعالى ،لان هذا يعنى انه اجبر الإنسان على فعلها يقول بن تيميه ( وإذا عرف أن العبد ليس له من نفسه خير أصلا بل ما ينال من نعمة فمن الله . وإذا مسنا الضر فاليه نجار والخير عله ليديه والشر ليس إليه نحن به واليه كما قال " ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك "(النساء: 79) وقال " او كلما إصابتكم مصيبة قد أصبتم مثلها قلتم أنى لنا هذا قل هو من عند أنفسكم " (ال عمران 165)، وقال ( صلى الله عليه وسلم) في سيد الاستغفار فى صحيح بخارى ( أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك على ) ، وقال في دعاء الاستفتاح الذى في صحيح مسلم ( لبيك وسعديك والخير بيدك والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت ) . ويقول أيضا (من المستقر في فطر الناس أن من فعل العدل فهو عادل ،ومن فعل الظلم فهو ظالم ،ومن فعل الكذب فهو كاذب، فان لم يكن العبد فاعلا لكذبه وظلمه بل الله فاعل لزم ان يكون الله ظالم)(ابن تيميه،مجموعه الرسائل والمسائل،ج5،ص143).
العلم الالهى والفعل الانسانى :ومن صفاته تعالى العلم، وعلمه تعالى مطلق كسائر صفاته " الم تعلم ان الله يعلم ما فى السموات والأرض ان ذلك فى كتاب ان ذلك على الله يسير " ،وعلى هذا فان كل فعل يقوم به الإنسان فى علم الله المطلق،غير أن علم الله المطلق بالفعل الانسانى لا يعنى إجبار الإنسان عليه، إذ أن الله تعالى يعلم به الإنسان سيقوم بالفعل المعين بما أودع فيه من حرية الارادة وعلى مقتضى الأسباب التى وضعها تعالى لحدوث الفعل ، يقول الإمام الشوكانى ( فاحمل احاديث الفراغ من القضاء على تسبب العبد بأسباب الخير والشر، وليس في خلاف ذلك لما وقع فى الأزل، ولا مخالفة لما تقدم العلم به ، بل هو من تقييد المسببات بأسبابها، كما قدر الشبع والاكل والري بالشرب، وقدر الولد بالوطأ، وقدر حصول الزرع بالبذر، فهل يقول قائل بأن ربط هذه المسببات بأسبابها تقتضى خلاف العلم السابق ،أو ينافيه بوجه من الوجوه ،فلو قال قائل انا لا أكل ولا اشرب بل انتظر القضاء فان قدر الله لي ذلك كان وان لم يقدره لم يكن، أو قال ان لا ازرع ولا أجامع زوجتي فان قدر الله لى الزرع والولد حصلا ،وان لم يقدرهما لم يحصلا ،أليس هذا قائل قد خالف ما فى كتب الله سبحانه وتعالى،وما جاءت به رسله،وما كان عليه رسول الله (ص) وأصحابه) (الشوكانى،مرجع سابق،ص493)، وهنا نرى أن من حكم اختصاصه تعالى وحده بعلم الغيب و خاصة المستقبل ارادته تعالى الاحتفاظ للإنسان بحرية الارادة قال تعالى " وما تدرى نفس ما تكسب غدا وما تدرى نفس بأى ارض تموت " . كما ان علمه تعالى بالحدث المعين ليس سابق ولا لاحق ، لان السابق واللاحق هو علم كيفي محدود بالزمان والمكان ، بينما علمه تعالى هو علم بالماهية اى بعين الحدث بدون ان يكون مقيدا بالزمان والمكان .
التوفيق والخذلان الالهيين وليس الصدفة والحظ :وهكذا فان الله تعالى هو خالق فعل الإنسان من جهة السنن التى يتعلق نجاح الفعل او فشله عليها، والتي هي ظهور تكويني لصفة الخلق، والإنسان كاسب فعله من جهة معرفته حتمية هذه السنن تم التزامها، اى معرفة سبب تحقق السنة الإلهية ثم التزامها لينجح في تحقيق على ما يريد على مقتضى هذه السنة ، غير ان الإنسان ذو علم وإرادة محدودين كسائر صفاته "وما اتيتم من العلم إلا قليلا " ( الإسراء: 85) ويوضح القران أمثله لتلك المحدودية بان الإنسان قد يكره شيئاً وهو خير له فى التحليل النهائي والعكس " وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى ان تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وانتم لا تعلمون "(البقرة:15) بينما الله تعالى ذو علم وإرادة مطلقتين كسائر صفاته ، وعلى هذا فانه تعالى بعلمه وإرادته المطلقتين إنما هو الذى يوفق الإنسان ذو العلم والإرادة المحدودتين إلى معرفة وإلزام السنن الإلهية فينجح فى تحقيق فعله، أو يخذله عن معرفتها والتزامها فيفشل في فعله، يقول محمد وفاء درويش (ان التوفيق عناية خاصة يتولى بها رب العباد بعض عباده فضلا منه، فيجعل أعمال هذا العبد موافقة لأسباب ظاهرة بالحيز الذى يجهل طرقه ، أما الخذلان فهو ان يترك الله العبد لاجتهاد وما منحه من المواهب العامة فلا يمنحه شيئا من العناية الخاصة التى منحها من كتب له التوفيق )( أبو الوفاء سيد درويش، محاضره في القضاء والقدر، مصر ،1964 ،ص10 )، فالتوفيق والخذلان هما المفاهيم الاسلاميه البديلة لمفاهيم الصدفة والحظ ، وهى مفاهيم لا يتضمن إلغاء العلم والإرادة الانساتين ،بل تحديد لهما لضمان استمراريتهما ،يقول تعالى" ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " يقول الإمام ابى حنيفة ( خلق الله تعالى الخلق سليما من الكفر والإيمان، ثم خاطبهم وأمرهم ونهاهم ، فكفر من كفر بفعله وانكاره وجحوده الحق، بخذلان الله تعالى اياه ، ومن امن بفعله واقراره وتصديقه بتوفيق الله تعالى اياه ونصر له ) (ابوحنيفه، الفقه الأكبر، ص180).


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.