د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه فى جامعه الخرطوم

الهوية الحضارية: الهوية ( Identity) مصطلح منسوب إلى (هو)،ويعنى حقيقة الشيء أو الشخص التي تميزه عن غيره،يقول الجرجاني في كتاب التعريفات ( الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق)، وجاء في المعجم الوسيط أن الهوية(حقيقة الشيء أو الشخص التي تميزه عن غيره). فهو يشترك في المعنى مع مصطلحي الذاتية والشخصية و يتناقض مع مصطلح الغيرية.فإذا كان مصطلح شخصيه يدل على معنيين متلازمين:الأول: الوحدة(الاشتراك) أي جماع الشخص أي الشخص كله بكل مكوناته الفسيولوجية والعقلية والاجتماعية ،والثاني:التفرد اى ما يميز شخصاً عن آخر(د.عصمت سيف الدولة، عن العروبة والإسلام، بيروت، ط أولى 1986،ص362.. ) فان معنى مصطلح الهوية أو الشخصية الحضارية مقصور على المعنى الأول اى مكونات وحدة الشخصية المتجانسة بين كل الأفراد الذين ينتمون إلى مصدر حضاري واحد، ولا يتجاوزه إلى المعنى الثاني اى التفرد بما هو بناء مكتسب على هيكلها الأساسي من مصادر بيولوجية وفسيولوجية وفكرية واقتصادية وروحية ...الخ . وبتعبير آخر فان للشخصية عدة هياكل أساسية، وبناء مكتسب على هيكلها الأساسي: فهناك الهيكل الفسيولوجي، وهناك الذكاء... وهناك الهيكل الحضاري الذي نعرفه بأنه (مجموعة القواعد التي تحدد لكل فرد ما ينبغي أن يكون عليه موقفه واتجاهه وسلوكه في مواجهة الغير من الأشياء والظواهر والناس، يكتسبها من انتمائه إلى مجتمع معين) (عصمت سيف الدولة، المرجع السابق، ص 347)، وهو الذي يشكل الهوية الحضارية للشخصية.
علاقات الانتماء المتعددة للشخصية السودانية: وللشخصية السودانية(شان اى شخصيه )علاقات انتماء متعددة، وهناك ثلاثة مذاهب في تحديد طبيعة العلاقة بين هذه العلاقات ببعضها البعض من جهة، وبينها و بين هذه الشخصية من جهة أخرى:
أولا:مذهب الوحدة المطلقة: يتمثل هذا المذهب في العديد من المذاهب التي رغم تناقض النتائج التي تنتهي إليها فإنها تنطلق من ذات المقدمات الفكرية ممثله في اعتبار أن علاقات الانتماء المتعددة للشخصية السودانية تنتمي إلى مضمون واحد مما يؤدى إلى الخلط بينهما، واعتبارها أن العلاقة بين علاقات الانتماء المتعددة هذه هي علاقة تناقض، وبالتالي فان استنادها إلى علاقة الانتماء المعينة يقتضى إلغاء علاقات الانتماء الأخرى،(إن تحديد الهوية السودانية وتوصيفها من الناحية التشريحية اى النظر إلى المكونات والمقومات ممكن إلى حد كبير ،ولكن من ناحية أخرى فان الحديث عن هوية سودانية أحاديه الأصل والانتماء غير ممكن) (د.الحاج بلال عمر، الهوية السودانية بين العروبة والاسلامويه والافريقانيه،أوراق استراتيجيه، ص37). هذه الوحدة المطلقة في مجال الهوية ترتبط بوحدة مطلقه في المجال السياسي الاقتصادي القانوني... مضمونها وجوب انفراد جماعات قبلية أو شعوبية معينه ( باعتبارها تنفرد بتمثيل علاقة الانتماء المعينة ) بالسلطة و الثروة ... دون باقي الجماعات القبلية أو الشعوبية السودانية
ا/مذهب مناهضه الإسلام بالعروبة(التيار القومي العلماني): فهناك المذهب الذي يرى أن تقرير علاقة الانتماء القومي إلى الامه العربية يقتضى إلغاء علاقة الانتماء الديني إلى الامه الاسلاميه، فهو يتجاهل حقيقة أن الإسلام هو الذي ارتقى بالقبائل والشعوب التي كانت موجودة في المنطقة التي ستسمى فيما بعد بالعربية من الأطوار القبلية والشعوبية إلى طور الامه.وان الإسلام هو الهيكل الحضاري للامه العربية.،واهم ممثليه مذهب مناهضه الإسلام بالعروبة ممثلا في التيار القومي العربي العلماني .
ب/مذهب العصبية القبلية العربية(الخلط بين العربية والاعرابيه): وهناك مذهب العصبية القبلية العربية الذي يتحدث عن العرب كما لو كانوا سلالة عرقية لعرب الجاهلية،فهو يقصر العروبة على المجموعات القبلية السودانية ذات الأصول العربية،ووجه الخطأ في هذا المذهب لا يكمن في الاجابه على السؤال هل توجد جماعات قبلية سودانية يمكن اعتبارها سلاله عرقيه لعرب الجاهلية بلا أو نعم، ولكن في انه يفهم العروبة على أساس عرقي لا لغوي حضاري ، كما انه يخلط بين احدي دلالات لفظ عربي بمعنى البدوي- ما يقابل الأعراب في القرآن- وهي دلالة لا تزال تستخدم حتى الآن للدلالة على من لا يزال في طور البداوة، ولم ينتقل إلي التمدن ، والعروبة كطور تكوين اجتماعي متقدم عن أطوار التكوين الاجتماعي القبلي والشعوبي يتضمنهم فيكملهم ويغنيهم ولكن لا يلغيهم. كما أن هذا المذهب يقوم يستند إلى مفهوم النقاء العرقي وهو مفهوم غير حقيقي إذ لا يوجد جنس لم يختلط بغيره ،فهو ينكر حقيقة تمازج و اختلاط اغلب الجماعات القبلية السودانية ذات الأصول العربية(السامية) بالجماعات القبلية والشعوبية السودانية ذات الأصول السامية –الحامية( كالبجه والنوبة) ، أو ذات الأصول الحامية الخالصة ، يقول الشيخ على عبد الرحمن الأمين(...أثناء ذلك تم امتزاج الدم العربي بدماء البجه والنوبة والفور والحاميين النيلين والزنوج الإفريقيين وبعض العناصر الشركسية والتركية في أقصى الشمال وذلك بالمصاهرة والاختلاط حتى لا يستطيع الإنسان الآن أن يجزم بان هناك عربي يخلو دمه من قطرات من تلك الدماء غير العربية)(الشيخ على عبد الرحمن،الديمقراطية والاشتراكية في السودان،منشورات المكتبة العصرية، صيدا بيروت،1970 ص22) ويقول د.محجوب الباشا (تشير اغلب الدراسات إلى أن القبائل المسماة بالعربية في شمال السودان(كذا) هم في الحقيقة مجموعه من العرب الذين اختلطوا بالقبائل النوبية المحلية فتولد عن ذلك العنصر الموجود الآن في اغلب شمال السودان(د.محجوب الباشا ،التنوع العرقي في السودان، سلسله أوراق استراتيجيه الخرطوم، طبعه أولى،1998،ص17) .فهو يتجاوز حقيقة أن هذه الجماعات القبلية ذات أصول عربية (كما يدل على هذا تقرير الكثير من المؤرخين و احتفاظ هذه المجموعات بسلاسل النسب...)إلى إنكار حقيقة اخرى هي امتزاجها و اختلاطها بالجماعات القبلية والشعوبية السودانية ذات الأصول الأخرى في مراحل مختلفة وبنسب متفاوتة، وقد ساعد هذا المذهب في إنكاره لهذه الحقيقة نظام النسب للأب ذي الأصل الاسلامى. وفى ذات الوقت فان هناك بعض الأسر أو العشائر في إطار هذه الجماعات القبلية السابقة، بالاضافه إلى بعض الجماعات القبلية العربية الأخرى التي لم تختلط بالجماعات القبلية والشعوبية السودانية ذات الأصول السامية –الحامية أو الحامية الخالصة إلا قليلا أو لم تختلط بهم مطلقا لأسباب قبليه(كشيوع بقايا المميزات القبلية في العصبية) أو تاريخية (كهجره بعض القبائل العربية إلى السودان في مرحله متاخره(من هذه القبائل الرشايده ، الزبيديه...)) أو جغرافيه (كاستيطان بعض الجماعات القبلية العربية في بعض المناطق الطرفية أو المعزولة).. إن هذا المذهب يستند إلى ذات الأساس الخاطىء الذي يستند إليه المذهب المناقض له اى فهم العروبة على أساس العرقي لا لغوي حضاري، بالتالي إنكار عروبة السودانيين استنادا الى أنهم ليسوا سلالة عرقيه لعرب الجاهلية،فضلا عن انكارالاصول العربية لهذه الجماعات القبلية نسبه لاختلاطهم بمجموعات ذات أصول اخرى. ومن ممثليه مذهب ألزنوجه كانتماء اجتماعي حضاري لا كانتماء عرقي ،وبعض المجتمعات العربية(البدوية القبلية) التي لا تزال تسود فيها بقايا المميزات القبلية في العصبية(العنصرية) كمحصله لتخلفها الاجتماعي رغم الثراء الاقتصادي للدول التي تضم هذه المجتمعات .هذه الوحدة المطلقة في مجال الهوية ترتبط بوحدة مطلقه في المجال السياسي الاقتصادي القانوني... مضمونها وجوب انفراد الجماعات القبلية السودانية ذات الأصول العربية ( باعتبارها ممثلا لعلاقة الانتماء العربية للشخصية السودانية ) بالسلطة و الثروة ... دون باقي الجماعات القبلية أو الشعوبية السودانية. (فالعنصر العربي يشكل الاغلبيه العددية وان له الغلبة الحضارية لسمو ثقافته وبالتالي ضمنا أحقيته في الهيمنة والسيطرة في جميع مناحي الحياة ونشاطاته على العناصر غير العربية) (هدى مبارك مرغني،مدخل لدراسة الثقافة السودانية مركز محمد عمر بشير جامعه امدرمان الاهليه الخرطوم ط1 1999ص51 )
ج/مذهب الشعوبية النوبية(على المستوى ما دون الوطني): وهناك المذهب الذي يرى أن تقرير علاقة الانتماء النوبية للشخصية السودانية(والتي هي في الأصل علاقة انتماء شعوبي تاريخي) يقتضى إلغاء علاقات الانتماء الأخرى. فهي تقتضى مثلا إلغاء علاقة الانتماء الوطني التي تحدها فتكملها وتغنيها ولكن لا تلغيها.فهذا المذهب يلزم منه أن الأثر الحضاري الشعوبي النوبي يقتصر على القبائل المسماة بالنوبية( الحلفاويون، السكوت، المحس، الدناقلة...) لينفى بذلك انه ساهم في تشكيل الشخصية السودانبه ككل ، كما يرى أن العنصر النوبي يقتصر على القبائل المسماة بالنوبية،في حين انه في واقع الأمر يمتد فيشمل اغلب القبائل ذات الأصول عربيه في الشمال والوسط ، فكلاهما محصله اختلاط القبائل ذات الأصول العربية( السامية) مع القبائل ذات الأصول النوبية( السامية- الحامية) مع احتفاظ قبائل المركزالنوبى باللغة النوبية الشعوبية القديمة بلهجاتها المختلفة كوسيلة تخاطب داخليه واللغة العربية كوسيلة تخاطب مشتركه، بينما أصبحت اللغة العربية بالنسبة لقبائل الأطراف النوبية وسيله تخاطب داخليه ومشتركه.يقول الطيب محمد الطيب عن احد القبائل ذات الأصول النوبية -على سبيل المثال-(والمحس من الأسر النوبية السودانية العريقة وهم اصل من أصول النوبة الاقدمين ثم توافد عليهم العرب بعد الفتح الاسلامى وتم بينهم الاختلاط والتصاهر وهم صادقون إن قالوا نحن نوبة فهم يعيشون في ارض النوبة ويتحدثون لغتهم ويتقلدون كثير من أعرافهم الخ ،وان قالوا نحن عرب فهم صادقون فقد عمهم الإسلام منذ عهد بعيد وتخلقوا بأخلاقه ودخلتهم الدماء العربية) (المسيد،دار عزه، الخرطوم،2005، ص158). كما أنها تقتضى الغاءعلاقات الانتماء القومي والديني،لان هذا المذهب ينكر تحويل الإسلام للوجود الحضاري الشعوبي النوبي إلى جزء من الوجود الحضاري العربي الاسلامى يحده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه.
د/الشعوبية السودانية(على المستوى الوطني):وهناك المذهب الذي يرى أن تقرير علاقة الانتماء الوطني للشخصية السودانية(والتي هي في الأصل علاقة انتماء إلى وطن(إقليم أو ارض)) يقتضى إلغاء علاقات الانتماء الأخرى،فيرى مثلا أن تقرير علاقة الانتماء الوطني يعنى إلغاء علاقة الانتماء القومي ،فيخلط بين الوطنية يما هي علاقة انتماء إلى وطن و القومية بما هي علاقة انتماء إلى أمه. كما تقرير علاقة الانتماء الوطني طبقا لهذا المذهب يعني إلغاء علاقة الانتماء الديني إذ انه لما كان إلاسلام هو الذي وحد الجماعات القبلية والشعوبية السودانية وارتقى بها إلى طور الأمم،فأصبحت جزء من أمه ، فان الشعوبية السودانية لابد أن تكون (موضوعيا)مناهضة للإسلام،بصرف النظر عن الاعتقاد (الذاتي) لدعاتها . فمضمون النزعة الشعوبية السودانية محاولة للارتداد بالمجتمع السوداني الذي دخل طور الأمم فأصبح جزء من أمه، إلى طور الشعوب السابق، عن طريق البحث عن الأصول العرقية القديمة أو الأجناس البشرية المنقرضة؛ واتخاذ الأسماء التاريخية كأدلة على وحدة العرق، أو اللون كدليل على وحدة الجنس أو إلى ما تبقى من لهجات فيها ومحاوله إعادة الكتابة بها... الخ. وبالتالي فإنها محاوله فاشلة لأنه لما كانت سنة الله في المجتمعات أن تكون في ترقي مستمر من طور إلى آخر فان محاولة العودة إلى طور سابق هو محاولة فاشلة للخروج عن سنة الله.
ه/المذهب التقليدي: يجب التمييز(لا الفصل) بين الإسلام كدين ، اى كوضع الهي مطلق يخاطب الناس في كل زمان ومكان،ممثلا في أصوله الثابتة التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة التي لا تحتمل التأويل أو الاجتهاد والتي لا يجوز مخالفتها ، وبين المذاهب الاسلاميه بما هي اجتهادات تنسب إلى أصحابها ولو أسموها مذاهب اسلاميه، وصحتها أنها مذاهب في الفكر الاسلامى، ويتحملون مسئوليه ما فيها من قصور ولهم فضل ما فيها من توفيق وهى مذاهب لا شامله في المكان ولا عامه في الزمان ، ممثله في اجتهادات المسلمين في تفسير فروع الدين الظنية الورود والدلالة التي تحتمل التأويل ،بناءا على هذا نفهم المذهب الذي يرى أن تقرير علاقة الانتماء الإسلاميه للشخصية السودانية(التي هي في الأصل علاقة انتماء ديني حضاري) يقتضى إلغاء علاقات الانتماء الأخرى.فهو يقتضى إلغاء علاقة الانتماء القومي بتقريره ان انتماء المسلمين إلى الامه الاسلاميه يلغى انتمائهم إلى أممهم(مذهب مناهضه العروبة بالإسلام) ،كما يقتضى إلغاء علاقات الانتماء التاريخية بتقريره أن الإسلام يلغى الوجود الحضاري القبلي والشعوبي السابق عليه. هذه الوحدة المطلقة في مجال الهوية ترتبط بوحدة مطلقه في المجال السياسي الاقتصادي القانوني... مضمونها وجوب انفراد المسلمين( باعتبارهم ممثلين لعلاقة الانتماء الاسلاميه للشخصية السودانية ) بالسلطة و الثروة ... دون غير المسلمين، مما يؤدى إلى أن يحرم غير المسلمين من حق المواطنة ، وهو ما يناقض الإسلام. ففي المدينة المنورة و في ظل الصحيفة تكون "شعب" تتعدد فيه علاقات الانتماء إلى الدين(المسلمين أمه واليهود أمه) ولكن يتوحد الناس فيه مع اختلاف الدين في علاقة انتماء إلى ارض مشتركه اى علاقة انتماء إلى وطن.فهذا المذهب بدلا من مساهمته في الدعوة إلى تغيير المجتمعات المسلمة بإلغاء المظاهر السلوكية والفكرية السلبية(كالتمييز الديني،الطائفية...) التي مصدرها التخلف الحضاري لهذه المجتمعات والإسلام كدين منها براء، لتبقى القيم الحضارية الاسلاميه(كقيم الانسانيه،المساواة،الحرية،العدالة...) لتسهم إيجابياً في بناء مجتمعات مطهره منها، وإنتاج مظاهر سلوكية وفكرية إيجابية(كاحترام الإنسان من حيث هو إنسان، المواطنة...) ،فانه يساهم في تكريس بقاء المجتمعات المسلمة كما هي كائنة بالإبقاء على هذه المظاهر الفكرية والسلوكية السلبية بإضفاء القداسة عليها بإسنادها إلى الدين.
و/مذهب الافريقانيه أو الزنوجة كعلاقات انتماء اجتماعي حضاري لا كعلاقات انتماء جغرافي أو عرقي: وهناك المذهب الذي يرى أن تقرير علاقة الانتماء الزنجية(التي هي في الأصل علاقة انتماء عرقي) أو الافريقيه(التي هي في الأصل علاقة انتماء جغرافي قارى) للشخصية السودانية يقتضى إلغاء علاقات الانتماء الأخرى. فهو يقتضى مثلا إلغاء علاقة انتمائها القومي ذات المضمون اللساني -الحضاري لا العرقي،والتي تعنى أن اللغة العربية هي اللغة المشتركة بين الجماعات القبلية والشعوبية السودانية بصرف النظر عن أصولها العرقية، أو إلغاء علاقة انتمائها الديني ذات المضمون الديني- الحضاري والتي تعنى أن معنى الإسلام لا يقتصر على الإسلام كدين، وبل يمتد ليشمل الإسلام كحضارة،فالإسلام ليس دين السودانيين المسلمين فقط، بل هو مصدر لكثير من القيم الحضارية للشخصية السودانية(المسلمة وغير المسلمة).هذه الوحدة المطلقة في مجال الهوية ترتبط بوحدة مطلقه في المجال السياسي الاقتصادي القانوني... مضمونها وجوب انفراد الجماعات القبلية السودانية ذات الأصول الزنجية( باعتبارها ممثلا لعلاقة الانتماء الزنجية للشخصية السودانية ) بالسلطة و الثروة ...دون باقي الجماعات القبلية أو الشعوبية السودانية.فهذا المذهب يتجاوز الدعوة (المشروعة)إلى محاربه العصبية القبلية العربية التي تقصى الجماعات ذات الأصول غير العربية،أو المذهب التقليدي (والذي يناقض الإسلام كدين)والذي يقصى غير المسلمين ،إلى الدعوة(الفاشلة) إلى إلغاء علاقات الانتماء العربية الاسلاميه للشخصية السودانية بصرف النظر عن أصولها العرقية أو انتمائها الديني ، وهى دعوه فاشلة لأنها محاوله لاقتلاع الشخصية السودانية من جذورها الحضارية، وهنا وجه الالتقاء بين هذا المذهب والتغريب،وتأخذ هذه المحاولة أشكال عده منها: الهجوم على الثقافة العربية الاسلاميه كالقول بوجود مركزية عربية اسلاميه على غرار المركزية الاوربيه وتبنى مقولات نقاد المركزية الاوربيه(الاغتراب،المركز والهامش، الاستعمار...) وتطبيقها على الهوية السودانية في علاقتها بعلاقات انتمائها العربية الاسلاميه ، الدعوة إلى استبدال اللغة العربية بلغه أخرى(كالانجليزيه...)...وكما أن هذا المذهب بدلا من دعوتة إلى رفض التفرقة العنصرية يساهم في تأكيدها باتخاذه للعنصر مميزا اجتماعيا وحضاريا بين البشر.وبدلا من دعوته للمساواة (السياسية والاقتصادية...) بين الجماعات القبلية والشعوبية السودانيه المتعددة، يساهم في نفيها بدعوته لإقصاء بعض هذه الجماعات(الجماعات القبلية ذات الأصول العربية تحديدا).
ى/مذهب إلغاء الانتماء الطبقي لكل علاقات الانتماء (المذهب الماركسي التقليدي):وهناك المذهب الماركسي التقليدي الذي يلغى كل علاقات انتماء الشخصية الأخرى بحجه أن انتماء كل إنسان إنما يكون إلى طبقته، وان شخصيه كل إنسان هي شخصيه طبقته استنادا إلى المقولة المنهجية المادية القديمة أن أسلوب إنتاج الحياة المادية هو الذي يحدد الانتماء الاجتماعي حتما. فهو يلغى علاقة الانتماء الدينية للشخصية السودانية كمحصبله للموقف الماركسي المادي المعادى للأديان كلها والذي كان أقصى ما وصل إليه هو الدعوة إلى تجاهلها بدلا من الدعوة إلى إلغائها.كما يلغى علاقة الانتماء القومية للشخصية السودانية استنادا إلى التحليل الماركسي الستالينى الذي يربط بين القومية والراسماليه ذات الجوهر العدواني(نتيجة لتعاصر النمو الراسمالى والنمو القومي في أوربا) وبالتالى يربط بين القومية والعدوان ويدعو إلى استبدال علاقة الانتماء القومي إلى أمه إلى علاقة انتماء اممى إلى الطبقة العاملة.وهنا نلاحظ التباين (الذي يصل إلى درجه التناقض) بين التيارات الماركسية في تحليلها لأطوار(وحدات)التكوين الاجتماعي التي تميز المجتمع السوداني بين القول بالوحدة المطلقة (أن السودان أمه مكتملة التكوين أو في طور التكوين) أو التعدد المطلق(السودان يتضمن عده أمم مكتملة التكوين أو في طور التكوين). فضلا عن محاولات استبدال الصراع الاممي بين الطبقة البرجوازية السائدة والطبقة العاملة المسودة في ظل النظام الراسمالى بالصراع القبلي بين الجماعات القبلية السائدة والجماعات القبلية المسودة لتهبط هذه المحاولات بالماركسية من الامميه إلى القبلية ومن الانسانيه إلى العنصرية.ورغم هذا التباين في التحليل بين التيارات الماركسية إلا أنها تشترك في الخلط بين القومية كعلاقة انتماء إلى أمه والامه كوجود اجتماعي موضوعي ،وبين الامه وأطوار التكوين الاجتماعي الأدنى كالشعب و القبيلة ، و بين القومية والوطنية كعلاقة انتماء إلى ارض مشتركه . ووجه الخطأ في هذا المذهب أن الانتماء الطبقي مرتبط بعنصر التفرد في الشخصية اى ما يميز شخصا عن آخر ،أما علاقات الانتماء الأخرى فمرتبطة بعنصر الوحدة (الاشتراك) في الشخصية اى مكونات وحده الشخصية المتجانسة بين الأفراد الذين ينتمون إلى مصدر حضاري واحد. ولقد اثبت واقع الدول الماركسية أن التجانس الاقتصادي و الفكري والسياسي (الايديولوجى) في المجتمع الاشتراكي لم يلغى عدم التجانس الحضاري حتى بين أعضاء وقيادات الحزب الشيوعي.فضلا عن أن المحاولات الفكرية الماركسية الجديدة قد تجاوزت مقوله أن أسلوب إنتاج الحياة المادية هو الذي يحدد الانتماء الاجتماعي حتما(انظر على سبيل المثال د.مراد وهبه،محاورات فلسفيه في موسكو، القاهرة،1974).
ثانيا:مذهب التعدد المطلق: ويتخذ تعدد علاقات الانتماء المتعددة للشخصية السودانية كدليل على تعدد الشخصيات الحضارية ونفى وجود شخصيه حضارية سودانية واحده. هذا التعدد المطلق في مجال الهوية يرتبط بتعدد مطلق في المجال السياسي الاقتصادي القانوني... مضمونه التطرف في التأكيد على حرية الجماعات القبلية والشعوبية المكونة للمجتمع السوداني لدرجه إلغاء وحده مجتمع السوداني مما يؤدى إلى الفوضى (الدعوات الانفصالية،تفكك الدولة...).
مذهب الفردية المطلقة(الليبرالية التقليدية): واهم ممثلي مذهب التعدد المطلق الليبرالية التي هي في الأصل فلسفه فرديه ترى (استنادا إلى فكره القانون الطبيعي الذي مضمونه أن مصلحه المجتمع ككل ستتحقق حتما من خلال سعى كل فرد لتحقيق مصلحته الفردية ) أن الفرد ذو حقوق طبيعية سابقة على وجود المجتمع ذاته. وهى بهذا تتطرف في تأكيد وجود الفرد إلي درجه تلغى فيها وجود الجماعة،فالفلسفة الليبرالية تقوم على التعدد المطلق على مستوى السياسي الاجتماعي وعلى مستوى الهوية بتأكيدها على حرية الأفراد والجماعات القبلية والشعوبية المكونين للمجتمع على حساب وحده المجتمع والدولة كممثل لهذه الوحدة ،مما يؤدى إلى إلغاء أو إضعاف علاقات الانتماء المتعددة للشخصية المعينة(بما فيها علاقة الانتماء الأسرى) فيصبح انتماء الفرد إلى ذاته وولائه إلى مصلحته.كما يؤدى إلي إلغاء المساواة كما هو ماثل في تجربه المجتمعات الغربية،وقد يؤدى إلى الفوضى (تفكك الدولة،الانهيار الاقتصادي) كما هو ماثل في تجربه مجتمعات العالم الثالث.ورغم أن الليبرالية تقر بالامه كوحدة تكوين اجتماعي وان كانت تنظر إليها كوجود طبيعي(خالد) وليس كطور تكوين اجتماعي هناك أطوار سابقه عليه وستكون في المستقبل أطوار لاحقه عليه (وهنا نلاحظ تأثر بعض التيارات القومية العربية بهذه النظرة إلى الامه) إلا أنها في المنطقة العربية ككل تكرس لاستبدال الوجود القومي بالوجود الوطني(الاقليمى) واستبدال الانتماء القومي بالانتماء الوطني لتصبح ذات مضمون شعوبي مرتد إلى مرحله الطور الاجتماعي السابق. (د.عصمت سيف الدولة،عن العروبة والإسلام، ص422). ومرجع ذلك أن الاستعمار(القديم والجديد) الذي هو احد افرازات الراسماليه كنظام ليبرالي في الاقتصاد هو الذي خلق التجزئة ويحرسها) كما أن الليبرالية في المنطقة الاسلاميه ككل تكرس للتغريب الذي هو قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلى الحضارة الغربية كقاعدة نفسيه لازمه لنمو الولاء للنظام الليبرالي الفردي الراسمالى العلماني...على حساب الولاء للنظام الاسلامى.ومرجع ذلك أن الحل الليبرالي لمشكله العلاقة بين الدين والدولة هو العلمانية(فصل الدين عن الدولة).
ثالثا:مذهب العلاقة الجدلية بين الوحدة والتعدد:والمذهب الذي نرجحه هو المذهب القائم على اعتبار أن الشخصية السودانية ذات علاقات انتماء متعددة،وان العلاقة بينها علاقة تكامل لا تناقض..كما الأمر في علاقات انتماء الشخصية الفردية حيث(ما تزال علاقة الانتماء إلى الاسره،أو إلى القرية،أو إلى الحزب قائمه بجوار علاقة الانتماء إلى الدولة أو إلى الوطن أو إلى الشعب بدون خلط أو اختلاط)( د.عصمت سيف الدولة،عن العروبة والإسلام، ص42-25) .
وبناءا على هذا المذهب سنتناول علاقات الانتماء المتعددة للشخصية السودانية التي تشكل محددات الهوية السودانية.
ا/الإسلام و علاقة الانتماء الديني الحضاري: يتصف الواقع السوداني بالتعدد الديني النسبي (الذي لا يلغى الجمع بين الوحدة والتعدد على المستوى الديني كواقع أو كامكانيه)، فالإسلام هو دين غالبية السودانيين،بالاضافه إلى أثره الحضاري الذي يمتد فيشمل غير المسلمين من حيث مساهمته في تكوين الشخصية السودانية ،كما أن هناك الديانة المسيحية بمذاهبها المختلفة، بالاضافه إلى بعض الديانات والمعتقدات القبلية المحلية .وبالتالي فان تقرير علاقة انتماء الديني الحضاري الاسلامى للشخصية السودانية يقتضى الالتزام بعده ضوابط هي:
أولا: أن تعدد الانتماء الديني في المجتمع الواحد لا يعنى إلغاء وحده هذا المجتمع وفى القران عشرات الآيات التي تنظم العلاقة الاجتماعية بين المنتمين إلى أديان متعددة في الامه الواحدة(قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمه سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا و لا يتخذ بعضنا أربابا من دون الله ) (آل عمران:64) كما نظم القران علاقات التعايش فيما بينهم اجتماعيا مع أنهم مختلفون دينيا(اليوم احل لكم الطيبات وطعام الذين اتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لكم)(المائدة:5)(محصنين غير مسافحين ولا متخذى أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله)(المائدة:5)
ثانيا: أن معنى الإسلام هنا لا يقتصر على الإسلام كدين، وبل يمتد ليشمل الإسلام كحضارة،فإذا كان الإسلام كدين مقصور على المسلمين ،فانه كحضارة يشمل المسلمين وغير المسلمين؛ فالإسلام ليس دين أغلب السودانيين فقط، بل هو مصدر لكثير من القيم الحضارية للشخصية السودانية(المسلمة وغير المسلمة) .
ثالثا:أن انتماء المسلمين إلى الامه الاسلاميه لا يلغى انتمائهم إلى أممهم ،حيث ميز الإسلام بين نوعين من أنواع الأمم طبقا لمضمون تمييزها عن غيرها:أمه التكليف: التي تتميز عن غيرها بالمضمون العقدي﴿ أن هذه أمتكم أمه واحده وأنا ربكم فاعبدون﴾(الأنبياء:92).وأمه التكوين: التي تتميز عن غيرها بالمضمون الاجتماعي( طور الاستخلاف الاجتماعي) ﴿وقطعناهم اثنتي عشره أسباطا أمما﴾(الأعراف:159) وعلى هذا يمكن استخدامها للدلالة على الاسره والعشيرة والقبيلة والشعب ونستخدمها للدلالة على الشعب المعين الذي يتميز عن غيره بالأرض والتاريخ والحضارة .وجعل العلاقة بينهما علاقة تكامل لا تناقض وإلغاء، فالأولى تحدد الثانية فتكملها وتغنيها ولكن لا تلغيها. فالإسلام لا يلغى الوطنية يما هي علاقة انتماء إلى وطن أو القومية بما هي علاقة انتماء إلى أمه بل يحددهما فيكملهما ويغنيهما.
رابعا:أن الإسلام قد قرر الحرية الدينية ممثله في حرية الاعتقاد وحرية ممارسه الشعائر والأحوال الشخصية لأصحاب الأديان الأخرى بشرط الخضوع لقواعد النظام العام الإسلامي (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)..وكان اعتناق السودانيين للإسلام بصوره اجماليه دون إكراه، ويدل على هذا:
ا/اتفاقيه البقط: وهى هدنة أمان وعدم اعتداء بين العرب والنوبة ،عقدها ملك النوبة في تلك البلاد،مع عبد الله بن سعد بن أبى السرح، قائد الجيش المسلم الذي حاول غزو بلاد النوبة ولم ينجح عسكريا عام651م.وهو إقرار لتوازن القوى بينهم،ومعاهدة سياسية قبل بموجبها المسلمون أن يعيشوا ،إما مسافرين أو متاجرين،وقد استمر ذلك الوضع لما يقرب من 8 قرون.( الدكتور محمد سعيد القدال، الاسلام والسياسة في السودان) وقد اعترفت المعاهدة بسيادة الدولة النوبية،وسمحت بالانتقال والتجارة وتبادل المنافع بين بلاد النوبة والبلاد التي يحكمها المسلمون، كما لم تصادر حرية السكان المحليين في تعلم معارف وثقافات جديدة،دينية أو لغوية أو حضارية،ولم تمنعهم من التزاوج مع الشعوب الوافدة-العربية أو غيرها-إذا رغبوا في ذلك.كما لم تجبرهم على الأخذ بالثقافة الوافدة،ولم تمنعهم من نشر ثقافتهم ولغتهم المحلية وتعليمها للوافدين الجدد إذا رغبوا في ذلك.وذلك يعنى كامل الحرية للسكان المحليين في التبادل الثقافي والتجاري والمصاهرة ،وبهذا انفتح النوبيون بحرية على الثقافات والحضارات والشعوب الأخرى ،وحدث التمازج الثقافي والعرقي بينهم والعرب ،واعتنقوا للدين الإسلامي عن قناعة وبمحص إرادتهم، وقد حدث هذا التمازج والانصهار السلمي ببطء خلال 8 قرون. أما نص الاتفاقية على أن على النوبة تقديم عددا من الرقيق سنويا للحاكم المسلم في مصر فان مثل هذا الشرط كان سائدا في التعامل بين الدول في تلك الأزمان ولم يبتدعه الإسلام بل عمل على الحد منه وإنهائه،رغم استمرار بعض المسلمين في ممارسته ،وقد استمرت الإمبراطوريات الأوروبية في التعامل به حتى صارت تجارة الرقيق رائجة حتى أوقفت وحرمت هذه التجارة بقانون دولي في وقت قريب. (انظر المقارنة بين اتفاقيه البقط وقانون المناطق المقفولة،مكتبه نفيسة الجعلى).
ب/ قيام السكان المحليين المستعربين(النوبة، الفونج ...)والممالك الاسلاميه المحلية (الفور ـ الفونج ـ تقلي ـ المسبعات ـ الكنوز) بدور اساسى في نشر الدعوة الاسلاميه في السودان.ج/:مساهمه الطرق الصوفية التي تتميز بالدعوة السلمية في نشر الإسلام في السودان
خامسا: أن الإسلام لم يلغى الوجود الحضاري القبلي والشعوبي السابق عليه، بل حدده كما يحد الكل الجزء. فكان بمثابة إضافة أغنت تركيبه الداخلي، وأمدته بإمكانيات جديدة للتطور.
ب/العربية و علاقة الانتماءالقومى اللساني الثقافي:كما يتصف الواقع السوداني بالتعدد اللغوي النسبي (الذي لا يلغى امكانيه الجمع بين التعدد والوحدة على المستوى اللغوي كواقع أو كامكانيه)، فهناك اللغة العربية كلغة حياه لكثير من الجماعات القبلية السودانية أو كلغة مشتركة لكثير من الجماعات القبلية والشعوبية التي احتفظت بلغاتها الشعوبية القديمة أو لهجاتها القبلية .وعلاقة الانتماء القومي للشخصية السودانية هي علاقة انتماء إلى أمه،وهى ذات مضمون لساني حضاري لا عرقي،فهي تعنى أن اللغة العربية هي اللغة المشتركة بين الجماعات القبلية والشعوبية السودانية بصرف النظر عن أصولها العرقية، بالاضافه إلى أنها لغة الحياة لكثير من هذه الجماعات ، يقول بروفسور محمد بشير عمر( أن اللغة العربية التي تمثل اللغة القومية وتتحدث اللغة العربية الغالبية العظمى من السكان في شمال البلاد هي أيضا لغة التخاطب في جنوبه حيث تطور نوع من اللهجة العربية المبسطة(عربي جوبا) كما أن البجه والفور وجبال النوبة كما زالوا يحتفظون ويتحدثون لغتهم الخاصة و أن الدين الاسلامى كان عاملا موحدا والذي لم يمنع رغم ذلك من جود المسيحية والمعتقدات التي كان لها أن تترك بدورها اثر في الطقوس الاسلاميه) (محمد بشر عمر، التنوع والاقليميه والوحدة القومية ترجمه سلوى مكاوي المركز الطباعى بدون تاريخ ص 5 وما يليها). ولا يمكن نفى ذلك بالاحتجاج باللهجات المتبقية من الأطوار القبلية والشعوبية؛ لأن استعمال اللهجات ، أو حتى اللغات القديمة - لا يلغي الاشتراك في استعمال اللغة القومية في كل الأمم ،هنا نلاحظ الجدال حول اللغة النوبية هل هي لهجة أم لغة والذي نراه أنها لغة شعوبية قديمة تتفرع إلى العديد من اللهجات القبلية ولكنها ليست لغة قوميه. فالعربية ذات دلالة لغوية حضارية، لا دلالة عرقية. هذه الدلالة أقرها الإسلام (ليست العربية فيكم من أب وأم؛ إنما العربية اللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي).. يترتب على ما سبق انه لا توجد جماعه أو جماعات قبليه معينه تنفرد بتمثيل علاقة الانتماء العربية للشخصية السودانية يقول الشيخ على عبد الرحمن(...فالسودان يدخل كله في نطاق القومية العربية سواء في ذلك النوبة والبجه والفوز والعرب والحاميين والزنوج سواء في ذلك المسلمون والمسيحيون والوثنيون)(على عبد الرحمن، الديمقراطية والاشتراكية في السودان، المكتبة العصرية،بيروت،ص23).
ج/السودانية وعلاقة الانتماء الوطني:كما أن علاقة الانتماء الوطني السوداني هي علاقة إلى انتماء إلى وطن (إقليم أو ارض)،هذه الأرض هي تجسيد مادي لمفهوم دخل من خلال التفاعل معه إلى صميم تكوين الشخصية فأصبح جزء منها. وقد كان اسم السودان في الأصل اسم أطلقه بعض الجغرافيين والمؤرخين العرب لوصف إقليم جغرافي هو إقليم أفريقيا جنوب الصحراء من السنغال غربا إلى الصومال شرقا ثم أصبح مقصورا على الإقليم الجغرافي الذي تحده الدولة السودانية الحالية في مراحل تاليه. إن الإقرار بوجود دوافع ذاتية وراء غزو محمد على للسودان1821 ممثله في طموحه الشخصي لتأسيس إمبراطوريه،لا يعنى عدم وجود روابط موضوعيه(جغرافيه،تاريخية،اجتماعيه،حضارية...) تشد أجزاء الوطن الواحد قبل ذلك.كما أن الإقرار بالحقيقة التاريخية التي مضمونها أن الاستعمار البريطاني هو الذي شكل حدود السودان المعروفة الآن لا يعنى انه قد شكلها طبقا لاهوئه الذاتية فقط ،بل طبقا لاكتشافه هذه الروابط الموضوعية أيضا.فالاستعمار البريطاني لم يضم إلى السودان الإقليم أرضا من خارجه،اى لا تربطها به روابط موضوعيه ،بل على العكس حاول عزل الجنوب عن الشمال(قانون المناطق المقفولة)،وضمه إلى مستعمراته في وسط وشرق أفريقيا (يوغندا،كينيا...) وفشل في تحقيق هذه المهمة. وعلاقة الانتماء الوطني لا تلغى علاقات الانتماء القبلي والشعوبي بل تحدها كما يحد الكل الجزء فتكملها وتغنيها. كما أن علاقات الانتماء الديني والقومي لا تلغي علاقة الانتماء الوطني بل تحدها كما يحد الجزء الكل فتكملها وتغنيها.
د/النوبية وعلاقة الانتماء التاريخي الحضاري القبلي والشعوبي: وما سيسمى بالسودان لاحقاً كان في الماضي عبارة عن قبائل غير مستقرة على أرض معينة، بالإضافة إلى شعب تجاوز الطور القبلي، واستقر على ضفاف النيل. وبمجيء الإسلام قدَّم لهذه الجماعات لغة مشتركة ونظم الحياة طبقاً لقواعد عامة واحدة ، ثم تركها تتفاعل تفاعلاً حرَّاً مع الأرض المشتركة وهكذا صنع الإسلام من تلك القبائل والشعب جزءاً من أمة. فالإسلام إذاً لم يلغى الوجود الحضاري القبلي والشعوبي السابق عليه، بل حدده كما يحد الكل الجزء (بالإلغاء لما يناقضه من معتقدات وعادات، والإبقاء على مالا يناقضه). فكان بمثابة إضافة أغنت تركيبه الداخلي، وأمدته بإمكانيات جديدة للتطور. وكان محصلة هذا ما نطلق عليه الشخصية السودانية.
الأثر الحضاري الشعوبي النوبي:فالنوبيون مثلا كانوا عبارة عن شعب تجاوز الطور القبلي، واستقر على ضفاف النيل ، غير أن الطور الشعوبي كان قد استنفذ الإمكانيات التي يمكن أن يقدمها للتطور الاجتماعي، وآية هذا أن الدولة النوبية أخذت في الضعف والانقسام، فضلاً عن أن السيطرة الخارجية (الفرعونية مثلا) في فترات مختلفة كانت قد عرقلت هذا التطور كإضافة أغنت هذا الوجود الحضاري الشعوبي ، وأمدته بإمكانيات جديدة للتطور.وبهذا تحول الوجود الحضاري الشعوبي النوبي إلى جزء من كل هو الوجود الحضاري العربى الاسلامى يحده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه.وفى ذات الوقت ساهم هذا الوجود الحضاري الشعوبي في تشكيل الشخصية السودانية. يدل على هذا عن دور النوبة في نشر الإسلام والثقافة الاسلاميه فنلاحظ أن انتشار الإسلام في السودان قد اقترن بمرحلتين:المرحلة الأولي تتمثل في دور العرب الوافدين الذي سبق السلطنات الإسلامية، وكان الإسلام فيها اسميا، إذ أن جل القبائل التي دخلت السودان (في تلك الفترة) كانت تسود فيها عادات وطباع البداوة(حسن مكي، الثقافة السناريه المغزى والمضمون، مركز البحوث والترجمة، جامعه إفريقيا العالمية، اصداره15،ص20)إذ كان معظم العرب الوافدين في هذه المرحلة ممن قل حظهم المعرفي بالدين وأصوله.المرحلة الثانية:مرحله العنصر الوطني من النوبة المستعربين الذين اهتدوا إلى الإسلام (فضل الله احمد عبد الله، دولة سنار ودورها في تشكيل الثقافة السودانية،مجلة أفكار جديدة، عدد ابريل 2004.ص135-136).وهذه المرحلة هي مرحله أساسيه من مراحل نشر الثقافة الاسلاميه ويدلل على هذا أن عدد كبير من العلماء ترجع جذورهم إلى هذا العنصر. بناء على هذا الوجه يمكن تقرير علاقة الانتماء التاريخي الشعوبي النوبي للشخصية السودانية (أن الثقافة السودانية ثقافة نوبية(اى نوبية الثقافة والحضارة السودانية) فالدولة النوبية هي نتاج تصاهر الحضارات المحلية مع الحضارات وافده من مصر وبلاد الإغريق والرومان وكذلك شرقا من بلاد العرب وما جاورهم من آسيويين فاختلطت العناصر السلاليه والثقافية خاصة اللغات والأديان في عمليه حضارية نتج عنها ثقافة متميزة وهى التأصيل الحقيقي لنشاه الثقافة السودانية) (على عثمان محمد صالح ، في الثقافة السودانية دراسات ومقالات، دار جامعه الخرطوم للنشر، 1990 ، ص17). يترتب على ما سبق انه لا توجد جماعات قبليه أو شعوبية معينه تنفرد بتمثيل علاقة الانتماء النوبي للشخصية السودانية.
ه/علاقات الانتماء القبلية:و للشخصية السودانية انتماءات قبليه متعددة، ويكاد يكون لكل قبيلة تقاليد خاصة ، ،وليس في هذا ما يناقض الحضارة المشتركة، ففي كل الأمم نجد أن لكل قرية تقاليد محليه ،ولكل إقليم تقاليد خاصة، ولكل منطقه جغرافيه تقاليد خاصة ،دون أن يحتج به على التكوين الحضاري المشترك.
و/الافريقيه وعلاقة الانتماء الجغرافي: وفيما يتعلق بعلاقة الانتماء الافريقيه للشخصية السودانية فهي علاقة انتماء جغرافي قارى ؛ فالسودان من الناحية الجغرافية قطر يقع في قارة أفريقية ، وليس لها مدلول حضاري أو اجتماعي؛ إذ أن قارة أفريقيا تضم العديد من الأمم والشعوب والقبائل التي لا يرقى ما هو مشترك بينها(تفاعل مجتمعاتها مع طبيعة جغرافيه مشتركه نسبيا) إلى مستوى أن تكون أمه واحده. ويترتب على ما سبق انه لا توجد جماعات قبليه معينه تنفرد بتمثيل علاقة الانتماء الافريقيه للشخصية السودانية،فهي علاقة انتماء تشمل كل الجماعات القبلية والشعوبية السودانية لان السودان ككل جزء من قارة أفريقيا.كما أن علاقة الانتماء الافريقيه ليست علاقة انتماء عرقي لان أفريقيا كقارة تضم العديد من الأعراق الحاميين(الزنوج) الحاميين الساميين(كالسودانيين والصوماليون والإثيوبيون)الساميين(العرب شمال القارة)والآريون (الأوربيون جنوب القارة).
ى/ علاقات الانتماء العرقية: كما يتصف الواقع السوداني بالتعدد العرقي النسبي(الذي لا يلغى امكانيه الجمع بين الوحدة والتعدد على هذا المستوى)إذ نجد أن اغلب السودانيين هم محصلة اختلاط الحاميين(الزنوج) مع الساميين(العرب... ) بالاضافه إلى وجود جماعات قبليه لم تختلط بالحاميين إلا قليلا او لم تختلط بهم مطلقا)(كالقبائل العربية التي هاجرت إلى السودان في مرحله متاخره...) و جماعات قبليه حاميه لم تختلط مع العرب الساميين إلا قليلا أو لم تختلط بهم مطلقا نسبه لتفاوت درجه هذه الاختلاط من جماعه إلى أخرى كمحصله لعوامل تاريخية وجغرافيه متفاعلة(فنتيجة للتداخل القبلي والتمازج بين السلالات المختلفة في السودان بات من الاستحالة قبول فكره وجود عناصر عرقيه صافيه في السودان حتى في تلك المجتمعات شبه المغلقة)( د. التجانى مصطفى،عوامل تشكيل الشخصية القومية السودانية، مجله التأصيل ،مايو 1995 ،ص93.)، فالشعب النوبي القديم فضلاً عن قبائل الهدندوة والبني عامر والبشارية كلها سامية- حامية-وهو ما قرره كثير من علماء الآثار- ثم اختلطت بالعرب الساميين. إذ( بعد معاهدة البقط (652هـ -1323م). وفى ظلها استطاع العرب ممارسة نشاطهم التجاري ... وتزاوجوا مع السكان المحليين ( الشعب النوبي وقبائل ألبجه وقبائل العنج) حتى سقوط دولة علوه، في منتصف القرن الخامس عشر)(فضل الله احمد عبد الله، دولة سنار ودورها في تشكيل الثقافة السودانية،مجلة أفكار جديدة، عدد ابريل 2004، ص 134 ) .وبالتالي فان تقرير علاقة الانتماء العرقي الزنجية للشخصية السودانية يقتضى الالتزام بما سبق ذكره بالاضافه إلى تقرير أن لفظ زنوج يدل على وصف للذين تتوافر فيهم الخصائص الفسيولوجية التي تأثرت بالبيئة الجغرافية للمنطقة الاستوائية، وليس له أي مدلول حضاري أو اجتماعي، فهم ليسوا أمة واحدة بل يتوزعون على أمم وشعوب وقبائل عدة في جميع أنحاء العالم. أما لفظ حاميين فمصدره تقسيم علماء الأجناس البشر إلى ثلاثة أقسام بين ساميين وحاميين وآريين؛ ولكن هذا التقسيم هو تقسيم لغوي وليس تقسيمً عرقي فقط، إذ لا وجود لجنس لم يخلط بغيره. ويترتب على ما سبق أن علاقة الانتماء العرقية الزنجية للشخصية السودانية تشمل كل الجماعات القبلية السودانية سواء بالتصاهر(مع تفاوت درجه هذا الاختلاط من جماعه إلى أخرى) أو التأثر بالبيئة الجغرافية للمنطقة الاستوائية، ولا تنفرد بتمثيلها جماعات قبليه معينه
________________________
للاطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة المواقع التالية:
1/ الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات https://drsabrikhalil.wordpress.com
2/ د. صبري محمد خليل Google Sites
https://sites.google.com/site/sabriymkh/‏


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.