د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
تعريف مفهومي المقاطعة الاقتصادية والسلع البديلة: هناك ارتباط وثيق بين المفهومين، حيث يعرف المفهوم الأول " المقاطعة الاقتصادية" بأنه ( عملية التوقف الطوعي للمستهلك ، عن شراء أو استخدام سلعة أو خدمة معينه، تقوم بإنتاجها أو توزيعها أو بيعها جهة معينة ، تسيء أو تلحق الضرر به أو بغيره ، كشكل من أشكال الاستنكار أو الاعتراض) ( ويكيبيديا ) . أما المفهوم الثاني " السلع البديلة" فيعرف بأنه (شراء أو استخدام سلعة أو خدمة بديله عن السلعة أو الخدمة التي توقف المستهلك عن شراءها أو
استخدامها) .
المقاطعة ألاقتصاديه والسلع البديلة في المنظور الاقتصادي الراسمالى "
الليبرالي": لا يمكن الحديث عن المقاطعة الاقتصادية والسلع البديلة كآليات لحماية المستهلك ومكافحه غلاء أسعار السلع والخدمات في الليبرالية كفلسفة ومنهج، والراسماليه بما هي النظام الليبرالي في الاقتصاد، إلا بعد التمييز بين المستويين النظري والتطبيقي لكليهما .
أولا: المستوى النظري: فعلى المستوى النظري نجد أن الراسماليه قائمه كنظام اقتصادي ليبرالي – و استنادا إلى فكره القانون الطبيعي- على أن مصلحه المجتمع ككل ستتحقق حتما ، من خلال محاوله كل فرد تحقيق مصالحه الخاصة، اى دون تدخل الدولة كممثل للمجتمع ، وطبقا لهذا فان حماية المستهلك و مكافحه الغلاء سيتحققان بصوره تلقائية بدون تدخل الدولة "
كممثل للمجتمع" لحماية المستهلك و لمكافحه غلاء أسعار السلع والخدمات ، اتكالا على أن ثمة قانون طبيعي ينظم تلك السوق.
ثانيا:المستوى التطبيقي: أما على المستوى التطبيقي فقد اثبت واقع المجتمعات الراسماليه الغربية ذاته خطاْ هذا الموقف الراسمالى– الليبرالي " السلبي " من حماية المستهلك ومكافحه الغلاء ، ذلك أن المنافسة الحرة في النظام الاقتصادي الراسمالى في المجتمعات الغربية قضت على حرية المنافسة لتنتهي إلى الاحتكار ، وبالتالي تحكم قله من الرأسماليين في أسعار السلع والخدمات ، مع انتفاء اى حماية "رسميه" للمستهلك ، وهنا استحدثت المجتمعات الغربية وطبقاتها العمالية والفقيرة ومنظماتها النقابية والسياسية ، العديد من آليات حماية المستهلك ومكافحه غلاء الأسعار، على المستوى الشعبي، مع تنامي الدعوة إلى ضرورة تدخل الدولة لحماية المستهلك ومكافحه غلاء الأسعار . ورغم انه بعد انهيار الكتلة الشرقية، وظهور نظام عالمي جديد أحادى القطب ، ظهرت بعض الدعوات التي تلتزم الموقف النظري الليبرالي – الراسمالى " السلبي " من حماية المستهلك ومكافحه الغلاء، والقائم على الاستناد إلى آليات السوق، ودون تدخل الدولة ، إلا أن هذه الدعوات شكلت الأساس الايديولوجى للازمات الاقتصادية العالمية الاخيره المتعاقبة ،التي هزت النظام الاقتصادي الراسمالى العالمي، وما صاحبها من تحكم بعض الشركات في أسعار السلع والخدمات، مع عدم توافر حماية كافيه للمستهلك ، وهو ما أدى لإطلاق موجه غلاء في أسعار السلع والخدمات ،على المستويين المحلى والعالمي، مما أدى إلى استحداث آليات جديدة لحماية المستهلك ومكافحه غلاء الأسعار، على المستوى الشعبي، مع تجدد الدعوات إلى ضرورة تدخل الدولة لحماية المستهلك وحل مشكله غلاء أسعار السلع والخدمات وغيرها من المشاكل التي افرزها الالتزام بالموقف الليبرالي - الراسمالى النظري "السلبي".

المقاطعة ألاقتصاديه والسلع البديلة في المنظور الاقتصادي الاسلامى:
الرد على دعاوى مذهب منع المقاطعة الاقتصادية: هناك مذهب محدث "معاصر"
يقول بعدم جواز المقاطعة الاقتصادية، وهو يستند إلى عدد من الدعاوى سنرد عليها أدناه:

أولا :(بيع المضطر): أن المقاطعة الاقتصادية لسلعه معينه تجعل البائع يضطر إلى بيع سلعته بسعر اقل من سعرها الحقيقي ،هو ما يتعارض مع نهى الرسول عن بيع المضطر لقوله (إنما البيع عن تراض) (رواه البيهقي وصححه الألباني).والرد على هذه الدعوى أن تقرير الرسول أن البيع يكون عن تراضى ونهيه عن بيع المضطر يشمل البائع(التاجر) والمشترى(المستهلك)،فهذه الدعوى تتجاهر اضطرار المشترى لشراء السلعة بالسعر الذي يحدده التاجر الجشع- وهو في الواقع الاضطرار الحقيقي- كما أن هذه الدعوى تتجاهل أن مدلول الحديث يفيد انه يحق للمشترى –سواء كان فرد أو جماعه -أن يشترى سلعه ما وان يمتنع عن شراءها- والاخيره هي مضمنون المقاطعة الاقتصادية- ولكن يمكن أن يستفاد من هذا النص أن من الضوابط الشرعية للمقاطعة الاقتصادية أن تهدف الى عدم اضطرار كل من المشترى والبائع إلى الشراء أو البيع بسعر غير حقيقي.
ثانيا: (الضرر): أن المقاطعة الاقتصادية تلحق الضرر بالتاجر الذي تمت مقاطعه سلعته،وهو ما يتعارض مع تقرير الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) (رواه ابن ماجه وصححه الألباني) ،والرد على هذه الدعوى أن هذه القاعدة تشمل البائع "التاجر"والمشترى"المستهلك"،ولكن يمكن أن يستفاد من هذا النص أن من الضوابط الشرعية للمقاطعة الاقتصادية أن لا تلحق الضرر بالمشترى او البائع.
ثالثا: (موقف المنظور الاقتصادي الاسلامى من التسعير): أن المقاطعة الاقتصادية تتعارض مع كون موقف المنظور الاقتصادي الاسلامى من التسعير هم المنع المطلق.والرد على هذه الدعوى ان هذا الموقف"المنع المطلق " لا يعبر عن الموقف الحقيقي للمنظور الاقتصادي الاسلامى ، حيث أن هناك ثلاثة مذاهب في الفكر الاقتصادي الاسلامى حول حكم التسعير:
المذهب الأول "المنع المقيد" : يرى انه لا يجوز للحاكم أن يسعر على الناس (المنع)، وإن فعل ذلك يكون فعله هذا إكراهاً يكره معه البيع والشراء (الكراهه)، ويمنع صحة البيع عند بعضهم (التحريم)، وقد استدل أنصار هذا المذهب بأدلة ، منها قوله (صلى الله عليه وسلم)( إن الله هو المسعِّر ، القابض الباسط الرازق ، وإني لأرجو أن ألقى الله عز وجل ، وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال ). غير أن هذا الحديث - وغيره من النصوص المماثلة- لا يدل على المنع المطلق للتسعير، ولكنه يدل على المنع من التسعير في الأحوال التي يكون التسعير فيها مجحفاً بحق البائع أو العامل الذي يقوم بما يجب عليه من امتناع عن الاحتكار أو التواطؤ لإغلاء الأسعار ورفعها ، يقول ابن تيميه(من احتج على منع التسعير مطلقاً بقول النبي (صلى الله عليه وسلم-)« إن الله هو المسعر... » قيل له : هذه قضية معينة ، وليست لفظاً عاماً ، وليس فيها أن أحداً امتنع من بيع ما الناس يحتاجون إليه ، ومعلوم أن الشيء إذا قل رغب الناس في المزايدة فيه ، فإذا بذله صاحبه ، كما جرت به العادة ، ولكن الناس تزايدوا فيه – فهنا لا يسعر عليهم ).
الرفض المطلق للتسعير تصور راسمالى وليس تصور اسلامى: وبناءا على ما سبق فان الراى القائل بعدم تدخل الدولة في التسعير مطلقا ، وترك الأسعار طبقا لقانون العرض والطلب، لا يتسق مع هذا المذهب ، ولا مع التصور الاسلامى للمال ، بل يعبر عن التصور الاقتصادي الراسمالى الليبرالي والقائم على عدم تدخل الدولة كممثل للمجتمع ،استنادا إلى مفهوم القانون الطبيعي .
المذهب الثاني " الإيجاب ": فقد ذهب بعض العلماء ، كسعيد بن المسيب، وربيعة بن عبد الرحمن : إلى جواز التسعير مطلقاً (الوجوب)،و ذهب المالكية إلى جواز التسعير في الأقوات مع الغلاء .
المذهب الثالث " الجمع بين المنع والإيجاب": فقد ذهب كثير من متأخري الحنفية وبعض الحنابلة ، كابن تيمية وابن القيم إلى منع التسعير في أحوال و إيجابه (جوازا او وجوبا ) أحياناً أخرى،يقول ابن تيمية: (التسعير منه ما هو ظلم , ومنه ما هو عدل جائز بل واجب) ويقول (إذا تضمن العدل بين الناس , مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل, ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل, فهو جائز بل واجب)،و يقول ابن القيم ( فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه, أو منعهم مما أباح الله لهم فهو حرام, وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل, ومنعهم مما يحرم عليهم, من أخذ الزيادة على عوض المثل, فهو جائز, بل واجب) .والمذهب الذى نرجحه ، والذي يتسق مع مضمون مذهب الجمع بين المنع والإيجاب، ان التسعير يختلف الحكم علية طبقا لمصلحة الجماعة، يقول ابن القيم (وجماع الأمر أن مصلحة الناس, إذا لم تتم إلا بالتسعير, سعر عليهم تسعير عدل لا وكس فيه ولا شطط , وإذا اندفعت حاجتهم بدونه, لم يفعل) ، فان كان التسعير في سلعة معينة في ظرف معين لا يحقق مصالحها ويلحق بها الضرر كان المنع ، أما إذا كان التسعير يحقق مصلحة الجماعة كان الإيجاب، بشرط أن لا يتضمن السعر الذي تضعه الدولة الضرر للبائع والمشتري .
وجوب تسعير السلع الضرورية:وللجماعة مصلحه دائمة في وجوب تسعير السلع الضرورية والاستراتيجيه ، دفعا لضرر دائم يتمثل في وقوع الناس في عبودية فئة تحتكر أرزاقهم ، وهو ما يناقض مع جوهر التصور الإسلامي للمال .يقول ابن تيميه (لولي الأمر أن يكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه، مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه والناس بحاجة ماسة، فإنه يجبر على بيعه للناس بقيمة المثل، ولهذا قال الفقهاء: من اضطر إلى طعام الغير أخذه منه بغير اختياره بقيمة المثل، ولو امتنع عن بيعه إلا بأكثر من سعره لم يستحق إلا سعره)، ويقول أيضا (ما احتاج إلى بيعه وشرائه عموم الناس فإنه يجب ألا يباع إلا بثمن المثل، إذا كانت الحاجة إلى بيعه وشرائه عامة، وإن ما احتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق فيه لله).
المقاطعة الاقتصادية لا تتعارض مع الموقف الحقيقي للمنظور الاقتصادي الاسلامى من التسعير: اتساقا مع ما سبق فان المقاطعة الاقتصادية ، والتي تهدف إلى ضبط أسعار السلع والخدمات، على المستوى الشعبي، لا تتعارض مع الموقف الحقيقي للمنظور الاقتصادي الاسلامى من التسعير، بل تتسق معه، لا سيما إذا تعلقت بالسلع الضرورية .
سوابق إسلاميه للمقاطعة ألاقتصاديه والسلع البديلة: وأخيرا فان هناك سوابق إسلاميه للمقاطعة الاقتصادية والسلع البديلة، كآليات لحماية المستهلك ومكافحه الغلاء ومنها: ورد في تاريخ ابن المعين- الدوري " ج1 / ص 86 " (غلا علينا الزبيب بمكة فكتبنا إلى على بن ابى طالب بالكوفة أن الزبيب قد غلا علينا فكتل أن أرخصوه بالتمر). وورد في التاريخ الكبير للبخاري " ج3/ ص325" (غلا علينا الزيت بمكة فكتبنا إلى على بالكوفة فكتب أرخصوه بالثمن) . كما ورد في تاريخ دمشق لابن عساكر" ج6/ ص282" وحلية الأولياء "ج8/ ص32 " ( قيل لإبراهيم بن الأدهم أنه قيل له: إن اللحم قد غلا، فقال: أرخصوه: أي لا تشتروه).

///////////////////////////