د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم

تمهيد:
تهدف هذه الدراسة إلى الرد على دعاوى منكري علاقة الانتماء العربية للشخصية السودانية، بما هي علاقة انتماء قومي إلى أمه معينه “هي الامه العربية ألمسلمه” ذات مضمون لغوى حضاري- وليس مضمون عرقي”، ومضمونها أن اللغة العربية هي اللغة القومية المشتركة لكل الجماعات الفبليه والشعوبية السودانية، بصرف النظر عن أصولها العرقية أو لهجاتها قبليه أو لغاتها الشعوبية القديمة الخاصة،والمفصود بكونها دعاوى” وليست حجج” أنها تستند إلى أفكار غير سليمة منطقيا” متناقضة”، وغير صادقه واقعيا”مخالفه للواقع.
أولا: الرد على دعوى إنكار عروبة السودانيين استنادا إلى أنهم ليسوا سلالة عرقيه لعرب الجاهلية :
هذه الدعوى تتجاهل حقيقة أن الإسلام قد ارتقى بالعرب من الطور القبلي “الذي معياره النسب”العرق” إلى طور الامه “الطور القومي ” الذي معياره
لغوى- حضاري ،وقد أشار الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى هذا المعيار كما في قوله (إنَّ الرب واحد، والأبُ واحد، والدَين واحد، وإنَّ العربيةَ ليست لأحدكم بأبٍ ولا أمّ، إنما هي لسانَّ، فمنْ تكلَّمَ بالعربيةِ فهو عربي)، وإذا كان بعض علماء الحديث قد قالوا أن هذا الحديث ضعيف- فقد قرر الإمام ابن تيميه أن معناه ليسس ببعيد ، حيث يقول ( … لكنَّ معناه ليس ببعيد. بل هوَ صحيح من بعض الوجوه. ..) (اقتضاء الصراط المستقيم).فكل شعوب الامه العربية الحالية هي محصله اختلاط العرب “الساميين” بغيره من قبائل وشعوب غير عربيه العربية”سامية أو غير سامية “،ولا يوجد اى شعب منها يمكن اعتباره سلاله عرقيه لعرب الجاهلية، فالشعب السوداني ليس بدعا فى الشعوب العربية ، فهو محصله اختلاط العرب “الساميين” مع الجماعات القبلية والشعوبية غير العربية ” السامية –الحامية او الحامية الخالصة” ، فمضمون علاقة انتماء العربية للشخصية السودانية أن اللغة العربية هي اللغة القومية المشتركة ، للجماعات القبلية والشعوبية السودانية ، بصرف النظر عن أصولها العرقية ، ولغاتها الشعوبية ولهجاتها القبلية الخاصة.ويترتب على هذا أن الجماعات السودانية ذات الأصول- العرقية- العربية لا تنفرد بتمثيل علاقة الانتماء العربية،لان الحديث هنا عن العرب في طور الأمه”الطور القومي” ذو المعيار اللساني، و ليس عن العروبة على مستوى الاسره أو العشيرة أو القبيلة..الذي معياره النسب.كما يترتب على ما سبق انه استخدام بعض الجماعات القبلية والشعوبية السودانية للهجات أو لغات غير عربيه،لا ينفى عروبتها لان هذه اللهجات واللغات خاصة، ولانها تشترك مع غيرها في استخدام اللغة العربية كلغة قوميه مشتركه,.وهنا يجب تقرير أن اللهجة السودانية هي محصله تفاعل اللغة العربية مع هذه اللهجات واللغات.
ثانيا:الرد على دعوى ان إقرار علاقة الانتماء الاسلاميه للشخصية السودانيه يترتب عليه انكار علاقة انتمائها القومية:
وهذه الدعوى تستند إلى مذهب إنكار وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي ، وهو مذهب يرتب على تقريره علاقة الانتماء الاسلاميه بما هى علاقة انتماء دينيه إلغاء غيرها من علاقات الانتماء “وطنيه، قوميه..” ، وهذا المذهب قائم على افتراضين خاطئين :الأول هو أن الإسلام ينكر وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي المتعددة،وهو افتراض يتعارض مع حقيقة إقرار الإسلام كدين لوحدات وأطوار التكوين الاجتماعي المتعددة وهى :الأسرة كما في قوله تعالى ﴿وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾، وقوله تعالى ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾.والعشيرة كما في قوله تعالى ﴿وانذر عشيرتك الأقربين﴾ .والقبيلة والشعب كما فى قوله تعالى (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا . والامه التي مناط الانتماء إليها هو اللسان وليس النسب لقول الرسول (صلى لله عليه وسلم)(ليست العربية بأحد من أب ولا أم إنما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي)، كما تتميز باستقرار الجماعات في الأرض، فتكون ديارها، قال تعالى ﴿أنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومني تولهم فأولئك هم الظالمون﴾ (الممتحنة:9) .
الافتراض الثاني أن الإسلام ينكر علاقات الانتماء إلى وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي وهو ما يتعارض مع إقرار الإسلام كدين لعلاقات الانتماء إلى وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي ( ومنها علاقة الانتماء القومية …) ومن أدله ذلك : قال تعالى (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ )(الزخرف : 44)، وفى السنة النبوية ورد في الحديث سأل واثلة قال: (يا رسول الله أمن العصبية أن يحب الرجل قومه) قال (لا ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم) (رواه أبن ماجه والإمام أحمد)..
ثالثا الرد على دعوى أن الأصل في علاقة الانتماء الافريقيه للشخصيات العامة الحضارية المتعددة للأمم والشعوب والقبائل .. القاطنة في إفريقيا- ومنها الشعب السوداني- أنها علاقة انتماء اجتماعيه حضاريه :
ووجه الخطأ في هذا المذهب أن لعلاقة الانتماء الافريقيه مضمونين: مضمون رئيسي جغرافي قاري ، وهذا يعنى أن الأصل فيها هو كونها علاقة انتماء جغرافيه قارية ، ومضمون ثانوي اجتماعي حضاري ، اى وجود قيم اجتماعيه وحضاريه مشتركه بين الأمم والشعوب والقبائل القاطنة في أفريقيا، لكن لا توجد وحده اجتماعيه وحضاريه بينها.
افتراضات خاطئة:
وينطلق هذا المذهب من عدد من الافتراضات الخاطئة ومنها:
ا/ إفريقيا هي وحده اجتماعيه حضاريه واحده ( أمه ):
وهو ما يتناقض مع حقيقة أن قارة أفريقيا تضم العديد من الأمم والشعوب والقبائل التي لم يرقى ما هو مشترك بينها (تفاعل مجتمعاتها مع البيئة الجغرافية المشتركة) إلى أن تكون أمه واحده .
ب/ الوحدة الافريقيه دوله بسيطة:
اتساقا مع هذا الافتراض الخاطئ فان هذا المذهب يفهم الوحدة الافريقيه على أنها دوله بسيطة أو إتحاديه( فيدرالية)، وهو ما يتناقض مع واقع أن كثير من الدول الافريقيه،لم تستطيع أن تحافظ على وحده الدولة ذات الشكل البسيط أو الفيدرالي ، نتيجة للحروب الاهليه، الناتجة عن الصراع القبلي داخل حدودها.:. ، فان أقصى ما يمكن تحقيقه من وحدة افريقية هو إنشاء هيئات مشتركه بين الأمم والشعوب الافريقيه، تنوب عنها في ممارسه بعض السلطات الداخلية والخارجية،وهو ما عبر عنه في الفكر السياسي الحديث بالدولة تعاهديه( الكونفدراليه) ج/ علاقة الانتماء الافريقيه تلغى علاقات الانتماء الحضارية الأخرى:
فهي تقتضى مثلا إلغاء علاقة الانتماء القومية “العربية” للشعوب العربية المسلمة القاطنة في إفريقيا – وخاصة الشعوب التي تشكلت – من ناحية عرقيه – من خلال اختلاط العرب مع جماعات قبليه وشعوبيه غير عربيه كالسودانيين والصوماليين والارتريين…في حين أن علاقة الانتماء العربية ذات مضمون لساني – حضاري غير عرقي،فمضمونها أن اللغة العربية هي اللغة المشتركة بين الجماعات القبلية والشعوبية لهذه الشعوب بصرف النظر عن أصولها العرقية، أو لهجاتها القبلية ولغاتها الشعوبية الخاصة .كما تقتضى إلغاء علاقة الانتماء الدينية ” الاسلاميه ” لهذه الشعوب ، في حين أن الإسلام هو واحد من أكثر الأديان انتشارا في إفريقيا- بالاضافه إلى الدين المسيحي-فضلا عن أن علاقة الانتماء الاسلاميه ذات مضمون ديني- حضاري ، و تعنى أن الإسلام لا يقتصر على الإسلام كدين، بل يمتد فيشمل الإسلام كحضارة، وبالتالي فانه أذا كان الإسلام كدين يقتصر على المسلمين من هذه الشعوب ،فانه كحضارة يشمل المسلمين وغير المسلمين من هذه الشعوب، فهو مصدر لكثير من القيم الحضارية للشخصية العامة الحضارية “الوطنية” “المسلمة وغير المسلمة” لهذه الشعوب .
د/المطابقة بين مصطلحي افريقى وحامى:
وهو ما يتناقض مع حقيقة أن الجنس الحامي (الزنجي) يتوزع في كل قارات العالم ،كما أن قارة إفريقيا تضم بالاضافه إلى الحاميين، الحاميين- الساميين (كالسودانيين والارتريين والصوماليين والإثيوبيين…)،والسامين(كشعوب العربية شمال القارة)،وحتى بعض الآريين (ومنهم بعض الأوربيين الذين استوطنوا في جنوب إفريقيا وغيرها…)، أما تقسيم سكان أفريقيا إلى محليين ووافدين ، لتبرير هذا التنوع العرقي في أفريقيا، فهو لا يصح إلا في حاله الحديث عن بعض الأوربيين الذين استوطنوا جنوب القارة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، فان الشعب المصري الافريقى الانتماء الجغرافي، رغم انه لا ينتمي إلى الجنس الحامي، فهو محصله اختلاط الشعب المصري القديم (الفرعوني)(السامي) مع العرب (الساميين)، فان جذوره ترجع إلى أربعه ألف عام .
رابعا: الرد على دعوى أن القومية العربية عنصريه:
وتستند هذه الدعوى إلى تصورات خاطئة عن القومية العربية ومنها :
ا/ الخلط بين مذهب العصبية القبلية العربية و القومية العربية:
بينما الأول يتحدث عن العرب الحاليين ( اى العرب في الطور القومي”طور الامه” )، كما لو كانوا سلاله عرقيه لعرب الجاهلية،اى لو كانوا لا يزالوا في الطور القبلي ، الذي معيار الانتماء إليه النسب ، لذا ينظر هذا المذهب للعروبة من معيار عرقي ، أما القومية العربية فهي علاقة انتماء إلى الامه العربية ،فهي تتصل بالعرب في الطور القومي “طور الامه” ، الذي معيار الانتماء إليه لغوى لقول الرسول(صلى الله عليه وسلم) (من تكلم العربية فهو عربي )،لذا فان القومية العربية- كعلاقة انتماء أو كمذاهب- تنظر للعروبة من معيار لغوى غير عرقي .
ب/ الخلط بين القومية العربية كعلاقة انتماء وكحركة سياسيه :
فالقومية العربية ، كعلاقة انتماء للشخصية لحضاريه للشعوب العربية ، ذات مضمون لساني “لغوى” غير عرقي، فهي غير عنصريه، اما القومية العربية كحركات سياسيه إيديولوجيات “مذاهب سياسيه” فلا يمكن اتهامها بالعنصرية ما لم تقر بذلك”نظريا أو فعليا”.
ج/الخلط بين المذاهب القومية العربية المتعددة: فلا يجوز التحدث عن القومية العربية كما لو كانت مذهب واحد، بينما الواقع من الأمر أنها مذاهب متعددة ،وبالتالي بفرض وجود مذهب عنصري، لا يمكن اتهام جميع المذاهب بالعنصرية.
د/ تجاهل أن هدف الحركة القومية العربيه التحرر من الاستعمار وليس استعمار أمم أخرى:
كما يتجاهل كثير من أنصار هذا المذهب أن هدف الحركة القومية العربية في كل مراحلها التاريخية كان هو التحرر من الاستعمار بكافه أشكاله وليس استعمار أمم والشعوب أخرى”كما في الحركات القومية الاوربيه كالنازية)، فقد ظهرت أولا كرد فعل على حركه التتريك ، والتي تبنتها الحركة الطورانيه العلمانية ، التي تهدف إلى فرض اللغة التركية، وإلغاء اللغة والهوية العربية للامه العربية ،والتي حولت الدولة العثمانية من دوله مشتركه بين وأمم وشعوب مسلمه كالعرب والأتراك، إلى دوله لاستعمار الأتراك للأمم والشعوب الأخرى.كما ظهرت الحركة القومية العربية بعد النصف الثاني من القرن العشرين بعد قيام ثوره 23 يوليو 1952 بقياده قائدها جمال عبد الناصر بهدف التحرر من الاستعمار القديم ،وهو ما نجحت فى تحقيقه، وتهدف الحركة القومية العربية المعاصرة إلى التحرر من الاستعمار الجديد”اى مناهضه السياسات الامبريالية الامريكيه في المنطقة العربية بتحقيق حد ادني من الوحدة والتضامن بين الشعوب العربية “..
ه/ تجاهل الموقف الايجابي لحركه التحرر القومي العربي من الاستعمار من حركات التحرر الوطني الافريقى:
كما يتجاهل بعض أنصار هذا المذهب الموقف الايجابي لحركه التحرر القومي العربي من الاستعمار، بقياده الزعيم الراحل جمال عبد الناصر (رحمه الله تعالى ) ،من حركات التحرر الوطني الافريقى على المستويين النظري والعملي
:
أولا : المستوى النظري:
فعلى المستوى النظري نجد أن الوثائق النظرية للتجربة الناصرية الاساسيه قد اتخذت موقفا ايجابيا من علاقة الانتماء الافريقيه :
ا/ إقرار علاقة الانتماء الافريقيه:
حيث أقرت هذه الوثائق بعلاقة الانتماء الافريقيه للشعوب العربية التي تعيش في قارة إفريقيا (بالاضافه إلى علاقات الانتماء الأخرى كعلاقات الانتماء العربية والاسلاميه)،ورد في ميثاق العمل الوطني ( إن شعبنا ينتمي إلى القارتين ( إفريقيا وآسيا) اللتين تدور فيهما الآن أعظم معارك التحرير الوطني وهو أبرز سمات القرن العشرين) و ( إن شعبنا يعيش على الباب الشمالي الشرقي لإفريقيا المناضلة وهو لا يستطيع أن يعيش فى عزله عن تطورها السياسى والاجتماعي والاقتصادي).
ب/ رفض التمييز العنصري:
كما رفضت هذه الوثائق التمييز العنصري الذى يضمر اتخاذ موقف سلبي من علاقة الانتماء الافريقيه ، ورد في ميثاق العمل الوطني ( إن إصرار شعبنا على مقاومة التميز العنصري هو إدراك سليم للمغزى الحقيقي لسياسة التمييز العنصري..إن الاستعمار فى واقع أمره هو سيطرة تتعرض لها الشعوب من الأجنبي بقصد تمكينه من استغلال ثرواتها وجهدها..وليس التمييز العنصري إلا لونًا من ألوان استغلال ثروات الشعوب وجهدها..فإن التمييز بين الناس على أساس اللون هو تمهيد للتفرقة بين قيمة جهودهم..).
ج/الوحدة الافريقيه:
كما دعت هذه الوثائق إلى تحقيق الوحدة الافريقيه، التي هي ترجمه سياسيه لعلاقة الانتماء الافريقيه المشتركة بين المجتمعات الافريقيه ،ورد في ميثاق العمل الوطني (إذا كان شعبنا يؤمن بوحدة عربية فهو يؤمن بجامعة إفريقية ويؤمن بتضامن آسيوي إفريقي).
ثانيا: المستوى العملي : أما على المستوى العملي فقد ترجمت المواقف الايجابية لمصر في العهد الناصري من حركه التحرر الافريقى من الاستعمار، هذا الموقف الايجابي من علاقة الانتماء الافريقيه : فقد ساندت مصر حينها كل حركات التحرير الإفريقية في شرق القارة( الصومال وكينيا وأوغندا وتنزانيا)،وغربها( غانا وغينيا ونيجريا)،ووسطها(الكونغو”زائير”)، وجنوبها(روديسيا وانجولا وموزمبيق)، كما فتحت مصر حينها أبوابها للاجئين من الزعماء السياسيين الافارقه، و لعب الإعلام المصري حينها دورًا كبيرًا مؤثرًا في مساندة حركات التحرر في إفريقيا.كما كان لمصر حينها دور فاعل في قيام منظمة الوحدة الإفريقية وصدور ميثاق”منظمة الوحدة الإفريقية”.25 مايو 1963، وقد أجمعت كل الدول الإفريقية على عقد المؤتمر الثاني للمنظمة بالقاهرة ،تقديرًا للدور الذي بذلته مصر من أجل قيام منظمة الوحدة الأفريقية.واستضافت مصر هذا المؤتمر في 18 يوليو 1964 ….(عبد الناصر وأفريقيا..زعيم قاد قارة / صبري غنيم . ثورة يوليو 1952وأفريقيا / د.السعيد البدوي).
خامسا: الرد على دعوى أن الإسلام السياسي يمثل الاسلام والعروبة :
هذه الدعوى تتضمن دعوتين: الدعوى الأولى أن مذهب التفسير السياسي للدين “الذي يعبر عنه البعض خطا بمصطلح ” الإسلام السياسي” يعبر عن الإسلام كدين، ويمثل المسلمين،ويترتب على هذه الدعوى ، نسبه التهميش الذي تمارسه الجماعات والتنظيمات والحركات السياسية التي تتبنى هذا المذهب ،على غير المسلمين إلى الإسلام والمسلمين ، أما الدعوى الثانية فهي ان هذا المذهب يتخذ موقف ابجابى من القومية العربية،ويترتب على هذه الدعوى نسبه التهميش الذي تمارسه الجماعات والتنظيمات والحركات السياسية التي تتبنى هذا المذهب ،على الجماعات القبلية والشعوبية ذات الأصول العرقية غير العربية إلى القومية العربية. وفيما يلي نبين أوجه الخطأ في هاتين الدعوتين.
1- الإسلام السياسي مذهب لجماعه من المسلمين وليس دين لجماعه المسلمين:
فالتفسير السياسي للدين “الإسلام السياسي” هو مذهب – اى هو اجتهاد بشرى
متغير- وليس هو الدين الاسلامى- اى ليس وضع الهي ثابت- وان نسبه أصحابه للدين الاسلامى- وبالتالي فان لا يجوز نسبه ما فيه من أخطاء إلى أصحابه وليس إلى الدين الاسلامى، كما أن الجماعات والتنظيمات والحركات السياسية التي تتبنى هذا المذهب هي جماعه من المسلمين وليست جماعه المسلمين – وان ادعت بعضها ذلك –
2- تناقض مضمون مذهب التفسير السياسي للدين “الإسلام السياسي” مع التدين الشعبي :
وإذا تناولنا مضمون مذهب التفسير السياسي للدين فإننا نخلص إلى انه مذهب معين في تفسير طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة ، يقوم على إثبات العلاقة بينهما ، ولكنه يتطرف في هذا الإثبات إلى درجه جعل العلاقة بينهما علاقة تطابق و خلط. فهذا المذهب لا يتسق مع المنظور السياسي الاسلامى ، الذي يجعل العلاقة بين الدين والدولة علاقة وحدة وارتباط ”
وليست علاقة خلط أو تطابق كما في الثيوقراطيه “، لان السلطة في المنظور السياسي الإسلامي مقيده بمفاهيم وقيم قواعد كليه ، مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعي الدلالة “كالشورى والعدل والمساواة…. .وعلاقة تمييز”وليست علاقة فصل كما في العلمانية” ، لان الإسلام- ميز بين التشريع كوضع الهي ثابت والاجتهاد ككسب بشرى متغير. كما أن هذا المذهب يساوى بين الدين والسياسة في الدرجة، وقد يتطرف فيجعل السياسة أعلى درجه من الدين، حين يجعل الغاية هي الدولة – السلطة والوسيلة هي الدين، بينما الدين هو الأصل” الغاية” والسياسة هي الفرع” الوسيلة” ، وهو ما أشارت إليه كثير من النصوص كقوله تعالى (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة واتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر …)( الحج)، ومرجع التطرف مذهب التفسير السياسي للدين في إثبات العلاقة بين الدين والدولة أن هذا المذهب إنما ظهر في المجتمعات المسلمة في العصور الحديثة والمعاصرة كرد فعل على الليبرالية والتي باستنادها إلى العلمانية نفت اى علاقة للدين بالدولة.
وطبقا للتعريف السابق فان هذا المذهب هو بدعه في ذاته ” اى يستند إلى مفاهيم بدعية “، ومن أهم هذه المفاهيم هو القول بان الامامه” بمعنى السلطة” أصل من أصول الدين وليست فرع من فروعه، وهو ما يخالف مذهب أهل السنة في الامامه ، والقائم على أن الامامه “بمعنى السلطه”هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله كما قرر علماء أهل السنة، يقول الامام الآمدي ( واعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات ، ولا من الأُمور اللابدِّيَّات … ) (غاية المرام في علم الكلام : ص 363). كما أن هذا المذهب بدعه فيما يلزم منه اى يلزم منه مفاهيم بدعية ومنها على سبيل المثال لا الحصر: أولا: تكفير المخالف فى المذهب، وهو يخالف مذهب أهل السنة، القائم على اباحه الخلاف في فروع الدين دون أصوله، وبالتالي عدم جواز تكفير المخالف في المذهب، يقول ابن مفلح ( لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ منه خلاف في الفروع)(الآداب الشرعية 1/186)، ثانيا:اباحه الاختلاف ” التعدد “على مستوى أصول الدين:وهو ما يتناقض مع ما قررته النصوص ، من النهى عن الاختلاف ،على مستوى أصول الدين ،التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة : يقول تعالى( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ~ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ( آل عمران: الآية (104)..ويترتب على بدعية مذهب التفسير السياسي للدين ، ومخالفته لمذهب أهل السنة بتفريعاته الكلامي والفقهية المتعددة ، انه يتناقض مع التدين الشعبي السائد في اغلب الأمم والشعوب المسلمة- ومنها شعوب الامه العربية ألمسلمه كالشعب السوداني- لان مذهب أهل السنة أصبح جزء من البنية الحضارية لهذه الشعوب والأمم ألمسلمه ، وشكل هوية التدين الشعبي فيها .
الموقف السلبي لمذهب التفسير السياسي للدين من القومية العربية:
كما أن موقف مذهب التفسير السياسي للدين “الإسلام السياسي ” من القومية العربية ، طبقا لمستواه النظري- في صيغته الاصليه – هو موقف سلبي ، فهو يرتب على تقريره علاقة الانتماء الاسلاميه بما هى علاقة انتماء دينيه إلغاء غيرها من علاقات الانتماء ومنها علاقة الانتماء العربية ، بما هي علاقة انتماء قوميه إلى أمه معينه هي الامه العربية ، ومرجع ذلك انه يتبنى مذهب إنكار وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي ، القائم على افتراضين خاطئين :الأول هو أن الإسلام ينكر وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي المتعددة،وهو افتراض يتعارض مع حقيقة إقرار الإسلام كدين لوحدات وأطوار التكوين الاجتماعي المتعددة وهى :الأسرة كما في قوله تعالى ﴿وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾، وقوله تعالى ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾.والعشيرة كما في قوله تعالى ﴿وانذر عشيرتك الأقربين﴾ .والقبيلة والشعب كما فى قوله تعالى (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا . والامه التي مناط الانتماء إليها هو اللسان وليس النسب لقول الرسول (صلى لله عليه وسلم)(ليست العربية بأحد من أب ولا أم إنما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي)، كما تتميز باستقرار الجماعات في الأرض، فتكون ديارها، قال تعالى ﴿أنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومني تولهم فأولئك هم الظالمون﴾ (الممتحنة:9) . الافتراض الثاني أن الإسلام ينكر علاقات الانتماء إلى وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي وهو ما يتعارض مع إقرار الإسلام كدين لعلاقات الانتماء إلى وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي ( ومنها علاقة الانتماء القومية …) ومن أدله ذلك : قال تعالى (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ )(الزخرف :
44)، وفى السنة النبوية ورد في الحديث سأل واثلة قال: (يا رسول الله أمن العصبية أن يحب الرجل قومه) قال (لا ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم) (رواه أبن ماجه والإمام أحمد)..أما إقرار مذهب التفسير السياسي للدين بعلاقة الانتماء القومية العربية فهو طبقا لمستواه العملي- اى عند اصطدامه بالواقع الاجتماعي- وهو لا يتجاوز الإقرار بها إلى الانطلاق منها فى مواقفه السياسية والاجتماعية ،بل ينطلق من مذهب العصبية القبلية العربية كأمر واقع وليس كمبدأ نظري.
سادسا: الرد على دعوى أن الجغرافيين والمؤرخين العرب هم أول من أطلق اسم “السودان ” ومن منطلق عنصري :
ا/ لم يكن إطلاق الجغرافيين والمؤرخين العرب اسم “السودان ” ابتكار ذاتي منهم لم يسبقهم إليه احد” حتى يكون هذا الإطلاق من منطلق عنصري أو من اى منطلق أخر”، بل هو تعريب لدلاله أسماء متعددة أطلقتها شعوب قديمه ، ومنها اسم ” إثيوبيا “الذي أطلقه قدماء الإغريق، فهو اسم مركب من لفظين بـ اللغة الإغريقية وهما ايثو (aitho) اى المحروق، وأوبسيس (opsis) أي الوجه ” ، ومن هذه الأسماء اسم تانهسو اى بلاد السود ، وهو من الأسماء التي أطلقها قدماء المصريين .
ب/ أطلق الجغرافيين والمؤرخين العرب اسم السودان لوصف إقليم جغرافي أكثر شمولا من السودان –الإقليم –الحالي ، هو إقليم أفريقيا جنوب الصحراء من السنغال غربا إلى الصومال شرقا، لذا أطلق على قسم من هذا الإقليم ، شمل تشاد والنيجر ومالي ، وخضع للاستعمار الفرنسي ، اسم السودان الفرنسي، وكانت مالى تعرف باسم الجمهورية السودانية في عام 1959، ولكنها غيرت اسمها في عام 1960 إلى اسم مالي، تيمناً بـ إمبراطورية مالي التي تأسست في القرن الثامن الميلادي . ثم أصبح اسم السودان مقصورا على الإقليم الجغرافي المعروف حاليا بهذا الاسم في مراحل تاليه، حيث استخدمت الإدارة الاستعمارية البريطانية اسم السودان المصري الإنجليزي في اتفاقية الحكم الثنائي في عام 1899 ، واعتمد اسم “جمهوريه السودان ” بعد استقلال هذا الإقليم الجغرافي عن الاستعمار البريطاني في أول يناير 1956 .
سابعا:الرد على دعوى النوبيون القدماء دخلوا الطور القومي وشكلوا أمه خاصة :
فالنوبيون القدماء كانوا عبارة عن شعب تجاوز الطور القبلي، واستقر على ضفاف النيل، ولكنهم لم يدخلوا الطور القومي ويشكلوا أمه خاصة، و بنهاية العصر المسيحي كان الطور الشعوبي قد استنفذ الإمكانيات التي يمكن أن يقدمها للتطور الاجتماعي النوبي، وآية هذا أن الدولة النوبية أخذت في الضعف والانقسام، فضلاً عن أن السيطرة الخارجية (الفرعونية مثلا) في فترات سابقه كانت قد عرقلت هذا التطور. ولكن هذا لا يعنى ان الوجود الحضاري الشعوبي النوبي قد انتهى -كما يرى البعض-، بل تحول من وجود حضاري كلى عام إلى وجود حضاري جزئي خاص يحده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه وجود حضاري عام وطني (سوداني) قومي(عربي) أو ديني(اسلامى) .
ثامنا:الرد على دعوى ان السودان يشكل امه خاصة:
فالسودان هو أمه بالمعنى اللغوي للجماعة “مطلق جماعه”، ولكنه شعب وليس أمه بالمعنى الاجتماعي اى الامه كطور تكوين اجتماعي متقدم على طور الشعب، ورغم اشتراك الطورين فى الاستقرار على الأرض، إلا أن الفارق بينهما أن الأول استقرار في ارض خاصة،بينما الثاني استقرار في ارض مشتركه، وتستند هذه الدعوى إلى مذهب خاطئ هو مذهب التعدد المطلق الذي يستند إلى فكره مضمونها – على المستوى الاجتماعي- محاوله تحويل الجزء(الوجود الخاص
“الوطني”) إلى كل قائم بذاته ومستقل عن غيره ، كما أن مضمونها – على المستوى الحضاري- أن تقرير علاقة الانتماء إلى الوجود الخاص(علاقة الانتماء الوطنية) ، يقتضى إلغاء علاقات الانتماء إلى الوجود العام:
كعلاقات الانتماء القومية أو الدينية . هذا المذهب هو شكل من أشكال الشعوبية ، التي تنكر تحويل الإسلام للوجود الحضاري القبلى والشعوبي السوداني السابق على دخول الإسلام الى السودان ، إلى جزء من الوجود الحضاري العربي الاسلامى ، يحده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه.
تاسعا:الرد على دعوى اختزال التهميش في بعده العرقي، ثم اختزال الأخير في الاستعلاء العرقي الذي تمارسه الجماعات القبلية السودانية ذات الأصول العرقية العربية على غيرها من جماعات سودانيه: :
هذه الدعوى تتناقض مع الواقع الاجتماعي السوداني من عده أوجه:
ا/ هذه الدعوى تتناسى أن الاستعلاء العرقي هو من بقايا الطور القبلي، ويسود في كل الجماعات القبلية والشعوبية السودانية، كمحصله لتخلف النمو الاجتماعي للمجتمع السوداني ككل. فالعنصرية هي نمط تفكير وسلوك سلبي من مخلفات الطور القبلي، الذي معيار الانتماء إليه العرق، وسبب استمرارها هو تخلف النمو الاجتماعي والحضاري،لذا يجب العمل المشترك والتدريجي على القضاء عليها بالقضاء على أسبابها ، وليس تحميل مسئوليه شيوعها في المجتمع لجماعات قبليه أو شعوبيه معينه على وجه الانفراد، وإعفاء غيرها من جماعات قبليه من هذه المسئولية .
ب/ هذه الدعوى تفهم العروبة فهما عرقيا، فهي هنا تلتقي مع المذهب الذي ظهرت كرد فعل عليه ، وهو مذهب العصبية القبلية العربية، وهذا الفهم العرقي للعروبة يتناقض مع حقيقة اختلاط الجماعات القبلية السودانية ذات الأصول العرقية العربية بغيرها من الجماعات السودانية ذات الأصول العرقية غير العربية بدرجات متفاوتة. فضلا عن أن الجماعات القبلية ذات الأصول العرقية العربية الأقل اختلاطا بغيرها كالزبيديه والرشايده واقعه تحت إطار التهميش ، بل لقد اختارت فئات منها في وقت ما التحالف مع الحركة الشعبية لتحرير السودان(الأسود الحرة).
ج/ أن كثير من الجماعات السودانية ذات الأصول العرقية العربية تتعرض أيضا للاستعلاء العرقي من جماعات قبليه وشعوبيه سودانيه ذات أصول عرقيه غير عربيه ، ومن مظاهره في استخدامها للفظ “عربي” بدلاله سلبيه، مضمونها عدم التحضر، نتيجة الخلط بين احدي دلالات لفظ عربي بمعنى البدوي- ما يقابل الأعراب في القرآن الكريم- وهي دلالة لا تزال تستخدم حتى الآن للدلالة على من لا يزال في طور البداوة، ولم ينتقل إلي التمدن ، والعروبة كطور تكوين اجتماعي متقدم عن أطوار التكوين الاجتماعي القبلي والشعوبي،هو الطور القومي”طور الامه”.فضلا عن تعرض كثبر من هذه الجماعات للتهميش ، كغيرها من جماعات قبليه سودانيه أخرى.
د/ أما لفظ شمالي فذو دلالات جغرافيه متعددة، فيعنى كل السودان ماعدا الجنوب، و يعنى سكان الولاية الشمالية، غير انه لا يتطابق مع لفظ عربي طبقا لهذا المذهب، لأنه ينفى صفه العروبة عن القبائل ذات الأصول العرقية النوبية ” الحلفاويون والمحس والسكوت والدناقلة” وهم نصف سكان الولايات الشمالية، وهو يستدل على ذلك بكونها تستخدم لغة شعوبيه خاصة، تتفرع إلى لهجات قبليه متعددة، في حين أن استخدامها لهذه اللغة الخاصة ، لم يلغي اشتراكها مع غيرها من جماعات قبليه سودانيه ، في استخدام اللغة القومية المشتركة “اللغة العربية” .
ه/ أن الولايات الشمالية والوسطى ليست اقل تهميشا من غيرها من الولايات ، بإقرار كثير من قيادات الحركة الشعبية تحرير السودان ، فضلا عن دعوتها لسكان هذه الولايات للانضمام إليها.
و/ أن التهميش السياسي والاقتصادي يعنى انفراد فئة بالسلطة والثروة دون باقي الشعب، بما فيه الجماعات القبلية والشعوبية التي تنتمي إليها تلك الفئة .وبالتالي فان الاشتراك في الانتماء القبلي أو الشعوبي، لا يعنى الاشتراك في تهميش الغير ، ولا يضمن عدم الوقوع ضحية التهميش .
ى/ من المعلوم أن هناك فوارق بين الريف و المدن ، وداخل المدن بين أحيائها المختلفة في كل المجتمعات ، حتى تلك المتجانسة عرقيا ،نتيجة لأسباب متعددة ، أهمها شيوع النظام الاقتصادي الراسمالى على مستوى العالم كله ، فالتهميش غبر مقصور على السودان أو غيره من المجتمعات التي تسود فيها العنصرية، نتيجة لشيوع القبلية فيها .
عاشرا: الرد على دعوى أن بعض الدول العربية اعترضت على انضمام السودان لجامعه الدول العربية :
ا/ وخلافا لهذه الدعوى فان السودان من الدول العربية القليلة التي وافق مجلس جامعه الدول العربية على قبول انضمامها للجامعة بالإجماع ، فقد قبل السودان في عضوية الجامعة فى 19 يناير سنة 1956 ، حيث جاء القرار رقم
1107 ـ 24 يقول ما نصه: يقرر مجلس جامعة الدول العربية بالإجماع الموافقة على انضمام جمهورية السودان إلى جامعة الدول العربية ، في حين اعترضت العديد من الدول العربية على انضمام دول أخرى لأنها كانت تعتبرها جزء منها .مما حدي بمجلس الجامعة إلى تقديم تفسير جديد لمفهوم الإجماع حتى يمكن ضم هذه الدول للجامعة ، هو أن الإجماع المطلوب لقبول العضو الجديد ليس هو إجماع كل الدول الأعضاء فى المجلس، ولكنه إجماع الدول الحاضرة فى الجلسة عند التصويت (بطرس بطرس غالى / قضية العضوية فى جامعة الدول العربية / السياسة الدولية ) ب/ إذا لم تعترض لبنان أو غيرها على انضمام السودان لجامعه الدول العربية، بل كانت لبنان ثاني دوله عربيه تقيم علاقات دبلوماسيه مع السودان بعد استقلاله وانضمامه لجامعه الدول العربية.
ج/ أن جامعه الدول العربية وغيرها من منظمات سياسيه قوميه ، تعبر عن القومية العربية كحركة سياسيه ،فهي تاليه عن القومية العربية كعلاقة انتماء،وبالتالي فان الانضمام أو عدم الانضمام إليها، لا يغير من حقيقة علاقة الانتماء العربية لشعوب الامه العربية، فعدم انضمام ارتريا لجامعه الدول العربية لم يلغى حقيقة أنها جزء من الامه العربية ألمسلمه، لان اللغة العربية هي اللغة القومية المشتركة للجماعات القبلية الارترية.ولا يعنى هذا الدعوة إلى إلغاء جامعه الدول العربية بل الدعوة لتفعيلها وتطويرها لتصبح جامعه للشعوب العربية وليست جامعه للدول العربية فقط.
حادي عشر: الرد على دعوى الاحتجاج بالعنصرية لإنكار الروابط الموضوعية بين شعوب الامه: هناك روابط موضوعيه تربط بين شعوب الامه العربية – ومنها الشعب السوداني- والمقصود بموضوعيه هذه الروابط أن وجودها غير متوقف على ما هو ذاتي ” كالوعي أو العاطفة أو المصلحة…”، لأنها مؤسسه على حقائق موضوعيه” تاريخيه ، جغرافيه، حضاريه، دينيه …وهنا لا يمكن الاستناد إلى العنصرية لإنكار هذه الروابط الاجتماعية، لان العنصرية غير مرتبطة حصرا باللون، الذي هو مجرد استجابة فسيولوجية لمعطيات المناخ ، تتنقل بالوارثة عبر حقب طويلة نسبيا، بل هي في الأصل ظاهره اجتماعيه سلبيه،فهى من مخلفات الطور القبلي، الذي معيار الانتماء إليه العرق، وسبب استمرارها هو تخلف النمو الاجتماعي والحضاري،لذا يجب العمل على القضاء عليها بالقضاء على أسبابها ، وليس الاحتجاج بها لإنكار الروابط الاجتماعية بين شعوب الامه.
ثاني عشر: الرد على دعوى أن القوميين العرب ينكرون عروبة السودان:
وعلى النقيض من هذه الدعوى فان أعلام الحركة القومية العربية على المستويين النظري والعملي، اعتبروا السودان جزء لا يتجزأ من الامه العربية ، بل وعنا بعضهم بالرد على بعض القوى السياسية الرجعية ، ذات الفهم الاجتماعي المتخلف ،والتي أنكرت عروبة السودان وغيره من شعوب عربيه، ذات الأصول العرقية غير العربية،لأنها فهمت العروبة على أساس المعيار العرقي، بينما قرر هؤلاء الأعلام أن العروبة- في طور الامه- ذات معيار لغوى- حضاري غير عرقي.
ا/ ساطع الحصرى :
فالمفكر القومي ساطع الحصرى – الذي يعده اغلب القوميين العرب رائد القومية العربية – يرفض اعتبار العروبة جنس ودم ، حيث يقول ( لا مبرّر للتّساؤل فيما إذا كانوا عربا جنسا ودما ، لأنّ من الحقائق الثّابتة علميّا أنّه لا توجد على الأرض أمّة ينحدر جميع أفرادها من أصل واحد ويتّحدون بالدّم) .ويقرر أن العروبة ليست مختصة بأبناء الجزيرة العربية بل تشمل كل من تكلم العربية، حيث يقول ( العروبة ليست خاصّة بأبناء الجزيرة العربيّة ولا مختصّة بالمسلمين وحدهم، بل تشمل كلّ من ينتسب إلى البلاد العربيّة ويتكلّم باللّغة العربيّة) ( ساطع الحصرى/ محمد عبد الرحمن برج / الهيئة العامة للتأليف والنشر / 1969 / ص110). ثم يحدد الموقع الجغرافي للامه العربية وهو موقع جغرافي يتضمن السودان ،حيث يقول (بلاد العرب ليست الجز بره العربية وحدها ، كما يزعم البعض ، ولكنها جميع البلدان التي يتكلم أهلها باللغة العربية، من جبال زاغروس في الشرق الى المحيط الاطلسى في الغرب ومن شواطئ البحر الأبيض المتوسط وهضاب الأناضول فى الشمال، إلى المحيط الهندي ومنابع النيل والصحراء الكبرى في الجنوب)(المرجع السابق، ص 109) الدكتور/ عصمت سيف الدولة :
يعتبر الدكتور عصمت سيف الدولة من أهم المفكرين القوميين الذين ميزوا بين معيار النسب المميز للطور القبلي، الذي تجاوزه التطور الاجتماعي، ومعيار اللغة المميز للطور القومي. وهو يعتبر السودان جزء لا يتجزأ من الامه العربية،وان الشعب السوداني “بشماله وجنوبه “احد شعوب الامه العربية، ويرد على منكري عروبة السودان. . اتساقا مع هذه المواقف يشير إلي السودان في كل أحاديثه عن أحداث التاريخ القومي للامه العربية القديم والحديث والمعاصر، ومثال لذلك حديثه عن موقف المهدي وخليفته عبد الله التعايشى الرفض للاستعمار البريطاني لمصر ، حيث يقول ( فلما انهزمت الثورة الأولى في مصر(الثورة العرابية) ثار العرب بقياده المهدي في السودان، وانذر المهدي الخديوي توفيق بأنه قادم لتحرير مصر من الغزاه، ولما مات قبل أن ينفذ وعده ، نفذه خليفته التعايشى، فأرسل حمله إلى مصر بقياده النجومى عام 1885 )( أسس الاشتراكية العربية / اللجنة العربية العليا لتخليد القائد جمال عبد الناصر / ط3 / 1965) الزعيم الراحل جمال عبد الناصر:
أما الزعيم جمال عبد الناصر”رحمه الله تعالى” ، قائد حركه التحرر القومي العربي من الاستعمار، فقد اعتبر السودان جزء لا يتجزأ من الامه العربية، وان الشعب السوداني احد شعوب الامه العربية ، ودعم انضمام السودان إلى جامعه الدول العربية ، وأشاد بالمواقف القومية للشعب السوداني ، فعلى سبيل المثال لا الحصر يقول في خطاب له بمناسبة يوم استقلال السودان 1/
1/1970 ، وفى معرض إشارته إلى الاستقبال الاسطورى الذي وجده من الشعب السوداني ، عند حضوره قمة اللاءات الثلاثة “لا صلح لا اعتراف لا تفاوض”
بالخرطوم بعد نكسة 5 يونيو 1967، والذي أدهش العالم كله ،فكان الحدث الإعلامي الأول في العالم، ووضعت صور هذا الاستقبال في الصفحة الأولى فى كل صحف أوربا وأمريكا،كما أدهش عبد الناصر نفسه (…حينما جئت إليكم هنا في أغسطس سنة ١٩٦٧ بعد الهزيمة وفى هذه المواقف الصعبة كنت أتساءل وأنا أصل إلى مطار الخرطوم ماذا سيكون عليه الحال حينما أقابل هذا الشعب الشقيق..
هذا الشعب الوفى.. هذا الشعب المقاتل المناضل المكافح.. هذا الشعب الطيب؟ وحينما وصلت إلى عاصمتكم المجيدة حينما وصلت إليكم فى هذا اليوم رأيت شعب السودان البطل يعطينى من الأمل فى المستقبل كل ما يمكن أن آخذه كل ما يمكن أن أحلم به. رأيت – أيها الإخوة – شعب السودان البطل وقد وقف في الطرقات من الصباح إلى المساء حتى وصلنا لنحضر مؤتمر الخرطوم، وكان الشعب كله ينادى بالتصميم على النضال، بالتصميم على الصمود.. بالتصميم على الوقوف حتى النصر. ).
الموقع الرسمي للدكتور صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات https://drsabrikhalil.wordpress.com
/////////////////