أولا: عرض منهجي لكتاب"شجره الكون":

تشبيه الكون بشجره كبرى أصلها حبه كلمه "كن"الالهيه": يقول محى الدين بن
عربى: (فإّني نظرت إلى الكون وتكوينه، وإلى المكنون وتكوينه، فرأيت الكون كّله شجرة، وأصل نورها من حبة كُن قد لقحت كاف الكونية بلقاح حبه (نحن خلقناكم ) ، فانعقد من ذلك البزر ثمره (إنا كل شي خلقناه بقدر) ( شجرة الكون، محيي الدين بن عربي، ضبطه وحّققه وقدم له رياض العبد الله، المركز العربي للكتاب، ط 1، بيروت 1984).

الاختلاف والتعدد ناشي من أصل واحد "حبه كن": يقول ابن عربي: (فإذا نظرت إلى اختلاف أغصان شجرة الكون ونوع ثمارها، علمت أ ن أصل ذلك ناشئ من حبة كُن بائن عنها) ( شجرة الكون، محيي الدين بن عربي).
التباين الكوني والبشرى يقابل تباين أغصان وثمار الشجرة: يقول ابن عربي (فكما أن أغصان الشجرة الواحدة ليست كّلها سواء فكذلك البشر متباينون في منازلهم. ولذا صار لكلّ غصن ما يقابله من العوالم المتباينة، وهي عالم الملِك وعالم الملكوت وعالم الجبروت) (شجرة الكون، محيي الدين بن عربي).
كل ما يحدث في الكون من حوادث من ثمار شجره الكون: يقول ابن عربي (وكلّ ما يحدث في الكون من الحوادث،كالنقص والزيادة، والغيب والشهادة، والكفر والإيمان، وما تثمر من الأعمال وزكاة الأحوال، وما يظهر من أزاهير القول، والتوق، والذوق، ولطائف المعارف، وما تورق به من قربات المقربين، ومقامات المّتقين، ومنازلات الصديقين، ومناجاة العارفين، ومشاهدات المحبين، كل ذلك من ثمرها الذي أثمرته، وطلعها الذي أطلعته) (شجرة الكون، محيي الدين بن عربي).
التقابل بين العوالم الثلاث "الملك والملكوت والجبروت" وقشور شجره الكون وستورها والماء الجاري في شريانها: يقول ابن عربي: (فأول ما انبتت هذه الشجرة التي هي حبه كن ثلاثة أغصان: اخذ غصن منها ذات اليمين فهم أصحاب اليمين ، واخذ غصن منها ذات الشمال فهم أصحاب الشمال ، ونبت منها غصن معتدل القامة على سبيل الاستقامة، فكان منه السابقون المقربون فلما نبت استعلى جاء من غصنها الأعلى وغصنها الأدنى عالم الصورة والمعنى، فما كان من قشورها الظاهرة و ستورها البارزة فهو عالم الملك،وما كان من قلبوها ألباطنه لباب معانيها الخافية فهو عالم الملكوت. وما كان من الماء الجارى في شريانها... فهو عالم الجبروت) (شجرة الكون، محيي الدين بن عربي).
الإيمان والكفر محصله اصابه أو اخطاء النور الالهى و صحة وغلط كشف معنى
حروف كلمه كن : يقول ابن عربى(وظهر من هذا غصنان مختلفان أصلهما واحد،
وهو الإرادة وفرعها القدرة فظهر عن جوهر الكاف معنيان مختلفان، كاف الكمالية(اليوم أكملت لكم دينكم) وكاف الكفرية (فمنهم من امن ومنهم من
كفر) ، وظهر جوهر النون نون النكرة و نون المعرفة|، فلما أبرزهم من كُن العدم، على حكم مراد القدم، رش عليهم من نوره. فأما من أصابه ذلك النور، فقد حدق إلى تمثال شجرة الكون المستخرجة من حبة كُن فلاح له فى سر كافها (كنتم خير امه ) واّتضح له من شرح نونها (فهو على نور من ربه) . وأما من أخطأ ذلك النور، فقد طولب بكشف المعنى المقصود من حرف كُن، فإّنه غلط في هجائه، وخاب في رجائه، فنظر إلى مثال كُن فظن أّنها كاف الكفرية بنون نكرة، فكان من الكافرين) (شجرة الكون، محيي الدين بن عربي).
شجره الحروف "خروج الأمر الالهى"كن" مستورة بشجره العلم"شجره الخلد"وشجره العمل"سدره المنتهى"وشجره الحال"شجره طوبى": يقول ابن عربى (الأشجار الثلاث شجرة الحروف، وهي شجرة خروج الأمر الإلهي إلى وجوده وكونه،ووصول الأمر إلى المراد، وقد ستر الله شجرة الحروف بشجرة العلم، وهي شجرة الخلد، وبشجرة العمل، وهي شجرة سدرة المنتهى، وبشجرة الحال، وهي شجرة طوبى ((شجرة الكون، محيي الدين بن عربي).
عقد مقارنه بين النفس الانسانيه والشجرة: كما عقد ابن عربي مقارنه بين الشجرة والنفس ، فالشجرة وإن كانت متجّذرة في الأرض، وخاضعة لشروط الجذور المطمورة في التراب، والمّتصلة بالمكونات الأرضية الثقيلة والثخينة والمختمرة، فإّنها قادرة على إنبات الأزهار الجميلة والثمار اللذيذة في أعالي الأغصان، وكذا النفس تفارق الأجسام الأرضية وتتخّلى عن الشهوات الطبيعية في عملية ارتقاء وسمو تجعلها تبدو مناقضة لوضاعة الأصل الذي نجمت عنه في التراب، فصارت فروعها منها العاقلة المميزة والناطقة المعبرة والنامية والحيوانية، ونبتت منها روحانيات أخرى كثيرة ( الشجرة:
دلالاتها ورموزها لدى ابن عربي: الدكتورة مهى عبد القادر مبيضين/ الدكتور جمال محمد مقابلة) الحب الكونى: وطبقا لابن عربي فان الموجودات جميعها في هذا الكون تّتصل وتلتقي في ظلّ نظام كوني واحد منسجم ومتناغم وجوديا، يقوم على فكرة التلاقح بحب شامل، يفيض على الكون) ( الشجرة: دلالاتها ورموزها لدى ابن
عربي: الدكتورة مهى عبد القادر مبيضين/ الدكتور جمال محمد مقابلة) سلسله ازدواج أشجار الدنيا والاخره: يقول ابن عربي (فاعلم أن الله تعالى غرس الفردوس بيده فظهر منه طُوبى و سدرة المنتهى، ثم ازدوج طوبى وسدرة المنتهى، فتولد منها شجرة آدم في الجنة، وشجرة نوح في الدنيا، ثم ازدوج الشجرتان فتوّلد منها شجرة موسى بين الدنيا والآخرة، ثم صارت شجرة آدم شجرة الخلد، وشجرة موسى شجرة الصبغ، وشجرة نوح شجرة طيبة )( شجرة الكون، محيي الدين بن عربي).
سدره المنتهى هي نهاية شجره الكون: يقول ابن عربي ( اعلم أن سدرة المنتهى هي نهاية المكانة التي يبلغها المخلوق في سيره إلى الله تعالى ، وما بعدها إلا المكانة المختصة بالحق تعالى وحده، ليس لمخلوق هناك قَدم، ولا يمكن البلوغ إلى ما بعد سدرة المنتهى؛ لأ ن المخلوق هناك مسحوق ممحوق ومدموس مطموس ملحق بالعدم المحض، لا وجود له فيما بعد السدرة )( شجرة الكون، محيي الدين بن عربي).
مضمون الحقيقة المحمدية أن الرسول" صلّى الله علیه وسلم "هو ثمره شجره
الكون: يقول ابن عربي ( فهو أي- الرسول" صلّى الله علیه وسلم "- المخصوص بالدنو والعلو والشهود، إذ كان هو المقصود من كلّ الوجود؛ لأن الوجود لما كان شجرة كان هو ثمرتها، وكان هو جوهرتها) )( شجرة الكون، محيي الدين بن عربي، ضبطه وحّققه وقدم له رياض العبد الله، المركز العربي للكتاب، ط 1، بيروت 1984).
ثانيا: القراءة المنهجية لكتاب "شجره الكون":
الكتاب دليل على رفض ابن عربي للصيغة الاصليه"الاجنبيه" لمفهوم وحده الوجود و تبينه لصيغه معدله له:
تعريف مفهوم وحده الوجود: يتناول مفهوم وحده الوجود طبيعة العلاقة بين وجود الله تعالى- الخالق ( اى الوجود الواحد غير مادي)،ووجود العالم أو
الطبيعة- المخلوق (اى الوجود المتعدد المادي)، وهو مفهوم يقوم أولا على إثبات الوجود الأول، وثانيا على تقرير وحده الوجوديين الأول والثاني.
صيغتين للمفهوم : ويندرج تحت مفهوم وحده الوجود كثير من المذاهب ، ويمكن إدراج هذه المذاهب تحت صيغتين لوحده الوجود:
الصيغة الاصليه"الاجنبيه"(النفى الكلى للوجود المادى) : وهى الصيغة الاصليه لمفهوم وحده الوجود، وهى صيغه ذات مصادر أجنبيه كبعض الأديان الوضعية الشرقية القديمة ( كالهندوسية والغنوصيه والتاويه…)،وبعض الفلسفات الغربية (القديمة كالافلاطونيه والافلاطونيه المحدثة…)، وهى إذ تلتقي مع الإسلام وصحيح الأديان السماوية في إثبات وجود الله تعالى – الخالق (اى الوجود الواحد غير المادي)، فإنها تتطرف في هذا الإثبات لدرجه إلغاء وجود العالم أو الطبيعة -المخلوق ( اى الوجود المتعدد المادي) كليا .
تناقضها مع الإسلام: هذه ألصيغه تتعارض مع التصور الاسلامى للوجود ، لأنه لا يرتب على الإقرار بالوجود الالهى والروحي،إنكار الوجود المادي،فالعلاقة بينهما علاقة تحديد وتكامل –اى أن الوجود الالهى "المطلق" يحدد الوجود المادي "المقيد" كما يحد الكل الجزء فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه ، وليست علاقة إلغاء وتناقض- كما في مفهوم وحده الوجود- أمر القران المسلمين بالنظر في الكون كما أمرهم بالتدبر في القران، ومضمون الأول الاستدلال من وجود المخلوق بوجود الخالق ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ* وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾، اتساقا مع هذا فقد اقر منهج المعرفة الاسلامى بالموضوعية"اى أن للواقع المادي وجود مستقل عن الوعي وغير متوقف عليه" قال تعالى(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) ،حيث يشير مصطلح الآفاق إلى الوجود الموضوعي للكون، كما يشير مصطلح "أنفسهم" إلى الوجود الذاتي للنفس.كما اقر بالحتمية "السببية" من خلال إشارته إلى وجود سنن إلهيه" كليه ونوعيه " حتمية تضبط حركه الوجود الشامل للإنسان المستخلف والطبيعة المسخرة قال تعالى(فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ
تَحْوِيلاً) (فاطر 43)
رفض الفلاسفة والمتصوفة الإسلاميين لهذه الصيغة: وفى إطار الفكر الاسلامى فلا يمكن الجزم بالتبني الكامل لاى من الفلاسفة أو المتصوفة الإسلاميين المعتبرين لهذه الصيغة من صيغ وحده الوجود ، التي تتعارض مع التصور الاسلامى للوجود، ومرجع اعتقاد بعض الفقهاء المسلمين بتبني بعض الفلاسفة والصوفية المسلمين لهذه الصيغة، اعتقادهم بأنها الصيغة الوحيدة لوحده الوجود.
رفض محي الدين ابن عربي للصيغة الاصليه الاجنبيه لمفهوم وحده الوجود:
وتاكيدا لما سبق فإننا نجد في مؤلفات محي الدين ابن عربي،الذي اعتبره البعض من الذين تبنوا هذه الصيغة من صيغ وحده الوجود،الكثير من النصوص التي تشير إلى رفضه لها أو لما يلزم منها ،كفهم الوحدة بين الوجودين الالهى والطبيعي بأنها خلط ودمج بينهما ،حيث يقول في الفتوحات(… فالرب رب والعبد عبد فلا تغالط ولا تخالط)(الفتوحات المكية، ج 3/ ص224)،ويقول (إذ يستحيل تبدّل الحقائق؛ فالعبد عبد، والرب رب، والحق حق، والخلق خلق)( الفتوحات المكية: ج2ص371) ويقول أيضاً(فلا يجتمع الخلق والحق أبداً في وجه من الوجوه، فالعبدُ عبدٌ لنفسه، والربُّ ربٌّ لنفسه، فالعبودية لا تصح إلا لمن يعرفها فيعلم أنه ليس فيها من الربوبية شيء، والربوبية لا تصح إلا لمن يعرفها فيعرف أنه ليس فيها من العبودية شيء)( الفتوحات
المكية: ج3ص378). هذه النصوص جعلت ابن تيميه يقرر عدم ثبات ابن عربي في تبنيه لمفهوم وحده الوجود ،حيث يقول (مقالة ابن عربي صاحب فصوص الحكم، وهي مع كونها كفراً فهو أقربهم إلى الإسلام لما يوجد في كلامه من الكلام الجيد الكثير، ولأنه لا يثبُت على الاتحاد ثبات غيره، بل هو كثير الاضطراب فيه، وإنما هو قائم مع خياله الواسع الذي يتخيل فيه الحق تارة والباطل أخرى. والله أعلم بما مات عليه.)( ابن تيمية ، رسالة حقيقة مذهب الاتحاديين أو وحدة الوجود).
الصيغة المعدلة (نفى الوجود المادى جزئيا) : وقد حاول بعض الفلاسفة الإسلاميين كابن سينا والفارابي ، أعلام التيار الذي أطلق عليه اسم التصوف الفلسفي ، تنميه وتطوير هذه الصيغة ، بما يتلاءم مع مفاهيم الدين الإسلامي ، فنتج عن هذا صيغه معدله لمفهوم وحده الوجود . والسبب في هذه المحاولة عند هؤلاء الفلاسفة الإسلاميين أن الصيغة الاصليه الاجنبيه
للمفهوم كانت بمثابة الأساس الفلسفي الذي ترتكز عليه العديد من
الديانات والاعتقادات ، التي سادت في العديد من الشعوب التي ضمها الفتح الإسلامي “كالغنوضية في فارس “، فجاءت محاولة هؤلاء الفلاسفة الإسلاميين الانطلاق مما هو مسلم لدى هذه الشعوب (وحده الوجود التي عبر عنها بمصطلح نظرية الفيض) للوصول بهم إلى ما هو مسلم لديهم (الدين الإسلامي ومفاهيمه الكلية…). كما جرت هذه المحاولة عند أعلام التيار الذي أطلق عليه اسم التصوف الفلسفي،من منطلق التقارب بين الطبيعة الروحية لكل من موضوع التصوف ومفهوم وحد الوجود . هذه الصيغة المعدلة ترتب على الإقرار بالوجود الالهى والروحي ،نفى الوجود المادي (جزئيا)، دون أن يصل إلى درجه مفهوم وحده الوجود في صيغته الاصليه الاجنبيه في نفى الوجود المادي (كليا) .
غير انه يجب تقرير أن كلا الصيغتين لا تعبران عن التصور الاسلامى للوجود ،الذي يتجاوز كل من مذهبي الوحدة (مفهوم وحده الوجود بصيغه المختلفة) والتعدد (تعدد الالهه)،إلى مذهب قائم على الجمع بين الوحدة والتعدد ، و لا يرتب على الإقرار بالوجود الالهى والروحي،إنكار الوجود المادي(جزئيا أو كليا)، وبالتالي ينظر إلى الإنسان كوحدة نوعيه من الروح و المادة، و يوازن بين حاجات الإنسان الروحية والمادية (وابتغ في ما آتاك الله الدار الآخرة و لا تنس نصيبك من الدنيا).
الكتاب دليل اضافى على رفض ابن عربي للصيغة الاصليه"الاجنبيه" لمفهوم وحده الوجود و تبينه لصيغه معدله له: من العرض السابق نخلص إلى أن تشبيه محي الدين ابن عربي للكون بشجره هو دليل اضافى على انه يرفض الصيغة الاصليه الاجنبيه لمفهوم وحده الوجود" التي يلزم منها إنكار الوجود المادي كليا، لذا فقد استند أنصارها إلى الأمثلة التالية: 1/ النور والظلام، فالظلام ليس له وجود حقيقي بل هو مجرد انقطاع للنور،ب/الجسم وصورته في المراه،فصور الجسم في المراه ليس لها وجود حقيقي بل هي مجرد انعكاس للجسم، ج/ الفيض المأخوذ من فيضان الماء فهو زيادة في "كم" الماء دون اى تغيير في"كيفيته"اى طبيعته. أما مثال الشجرة الذي استند إليه محي الدين ابن عربي فلا يلزم منه إنكار الوجود المادي كليا – وان لزم منه جعله تاليا في الدرجة"المكانة" على الوجود الروحي،ففي هذا المثال يناظر الوجود المادي"عالم الملك" القشور الظاهرة للشجرة،كما يناظر الوجود الروحي"عالم الملكوت" القلوب ألباطنه للشجرة. كما يناظر البعد االمادى للإنسان جذور الشجرة المطمورة في التراب في الأسفل ،ويناظر البعد النفسي له إزهار وثمار الشجرة في الأعلى .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////