عرض لتصور د. شحرور للقضاء والقدر:

ا/ تعريف د. شحرور القضاء والقدر: يعرف د. شحرور القدر بأنه ( الوجود الموضوعي للأشياء وظواهرها خارج الوعي)، ويعرف القضاء بأنه ( ظاهره تتمثل في السلوك الواعي” اراده إنسانيه” قائم على حركه الأضداد، اى سلوك بين نفى واثبات في ظواهر الوجود”القدر”) (الكتاب والقران: رؤية جديدة / ص473).
ب/ القضاء والقدر يتعلقان بالفعل الانسانى وليس بالفعل الالهى:ويترتب على هذا التعريف أن تصور د. شحرور للقضاء والقدر قائم على افتراض مضمونه أن القضاء والقدر يتعلقان بالفعل الانسانى- في علاقته بالوجود المادي "الموضوعي" ، ولا يتعلقان بالفعل الالهى.
نقد التصور: وفيما يلي نعرض أوجه الخطأ في هذا الافتراض مع أمثله توضيحيه:
أولا: القضاء والقدر يتعلقان بالفعل الالهى المطلق: هذا الافتراض يتعارض مع تقرير النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة- لذا فهو محل اتفاق السلف الصالح والائمه والعلماء والمتكلمين- أن القضاء والقدر يتعلقان بالفعل الالهى المطلق (الذى عبر عنه القران بمصطلح الربوبية )، وظهوره في عالم الشهادة من جهة الإيجاد ،اى ظهور صفه الإيجاد فيه .
ا/ القضاء: فالقضاء يدل على فعله المطلق من جهة الإلزام (الحتمية)، اى وجوب نفاذ فعله المطلق، يقول تعالى ” وكان على ربك حتما مقضيا ” ، ورد فى القاموس المحيط (القضاء: الصنع والختم والبيان) .
ب/ القدر: أما القدر فيدل على فعل الله المطلق من جهه التحقق . ولما كان ظهور فعله المطلق تعالى في عالم الشهادة يتم من خلاله السببية، اى تحققه بتحقق السبب وتخلفه بتخلف السبب، فان الله تعالى لا يجعل فعله المطلق يتحقق إلا عند ما يوفر أسباب ( شروط) تحققه، وهو معنى القدر في الاستعمال القرانى ” إنا كل شئ خلقناه بقدر ” (القمر : 49) .
ثانيا:القضاء والقدر لا يترتب عليهما الجبر: يترتب على هذا فان كون الفعل المطلق لله تعالى لازم النفاذ (القضاء) او تحققه في عالم الشهادة( القدر) لا يترتب عليه أن الإنسان مجبور على فعله .
رفض أهل السنة بمذاهبهم الكلاميه والفقهيه المتعددة للقول بالجبر :
اتساقا مع ما سبق فقد رفض علماء أهل السنة بمذاهبهم الكلامية والفقهية المتعددة القول بالجبر وردوا على استدلالات القائلين بالجبر:
ا/ الأمام ابن حزم: يقول الإمام ابن حزم- مذهب أهل الظاهر – بعد عرض مقاله الجبر ( وخطأ هذه المقالة ظاهر بالنص وبالحس وباللغة التي خاطبنا الله تعالى بها . فأما النص : فإن الله عز وجل قال – في غير موضع من القرآن ( جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ). وقال تعالى (لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ ). فنص تعالى على أننا نعمل ونفعل . وأما الحس : فإن بالحواس وبضرورة العقل وببديهته علمنا علما يقينا لا يخالطه شك أن بين صحيح الجوارح وبين ما لا صحة بجوارحه فرقا واضحا ؛ لأن صحيح الجوارح يفعل القيام والقعود وسائر الحركات مختارا لها دون مانع ، بخلاف ما لا صحة بجوارحه ، فإنه لو أراد ذلك لم يستطع ولا بيان أبين من هذا الفرق . وأما اللغة : فإن المجبر في اللغة هو الذي يقع الفعل منه بغير اختياره وقصده ، فأما من وقع فعله باختياره وقصده فلا يسمى في اللغة مجبرا . وإجماع الأمة على أنه لا حول ولا قوة إلا بالله مبطل قول المجبرة وموجب أن لنا حولا وقوة ولكن لم يكن ذلك إلا بالله تعالى . ولو كان ما ذهب إليه المجبرة صحيحا لكان قول : لا حول ولا قوة إلا بالله ، لا معنى له ، وكذلك قوله تعالى : لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ . فنص تعالى على أن لنا مشيئة إلا أنها لا تكون منا إلا أن يشاء الله كونها "
ب/ الإمام ابن القيم : يقول الإمام ابن القيم –المذهب الحنبلي- وهو يبين ما اشتملت عليه الفاتحة من الرد على جميع المبطلين – : " فصل : في تضمنها الرد على الجبرية وذلك من وجوه : الأول : من إثبات عموم حمده سبحانه ، فإنه يقتضي ألا يعاقب عبيده على ما لا قدرة لهم عليه ولا هو من فعلهم ، بل هو بمنزلة ألوانهم وطولهم وقصرهم ، بل هو يعاقبهم على نفس فعله بهم فهو الفاعل لقبائحهم في الحقيقة ، وهو المعاقب لهم عليها ، فحمده عليها يأبى ذلك أشد الإباء ، وينفيه أعظم النفي فتعالى من له الحمد كله عن ذلك علوا كبيرا ، بل إنما يعاقبهم على نفس أفعالهم التي فعلوها حقيقة ، فهي أفعالهم لا أفعاله وإنما أفعاله العدل والإحسان والخيرات . الثاني :
إثبات رحمته ورحمانيته ينفي ذلك إذ لا يمكن مع اجتماع هذين الأمرين قط :
أن يكون رحمانا رحيما ، ويعاقب العبد على ما لا قدرة له عليه ولا هو من فعله بل يكلفه ما لا يطيقه ولا له عليه قدرة البتة ثم يعاقبه عليه ، وهل هذا إلا ضد الرحمة ونقض لها وإبطال ؟! وهل يصح في معقول أحد اجتماع ذلك والرحمة التامة الكاملة في ذات واحدة ؟ الثالث : إثبات العبادة والاستعانة لهم ونسبتها إليهم بقولهم : " نعبد ، ونستعين " وهي نسبة حقيقية لا مجازية والله لا يصح وصفه بالعبادة والاستعانة التي هي من أفعال عبيده ، بل العبد حقيقة هو العابد المستعين ، والله هو المعبود المستعان به .وأقول : أنه يترتب على القول بهذه البدعة لوازم باطلة منها
: القول بإبطال التكليف والثواب والعقاب ، وإرسال الرسل وذلك أنه إذا كان العبد مجبورا على عمله فكيف يثاب ويعاقب على ما لم يفعل ؟ وكيف يكلف بعمل غيره ؟ أليس هذا محض الظلم تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ، ولم أرسل الله الرسل ما دام العبد كالريشة في مهب الرياح ؟ فليترك عالم الإنسان دون رسول كما ترك النبات والجماد دون رسول . فإذا كانت هذه اللوازم باطلة فما يؤدي إليها باطل . والله أعلم) .
القول بالجبر مقصور على فرقه واحده (الجبرية"الجهميه") :فالقول بالجبر مقصور على فرقه واحده هي الجبرية او الجهنمية،وقد أسميت بالجبرية نسبة إلى أن مقولتهم الأساسية ، أي نفي قدرة لإنسان على الفعل والاختيار، والجهمية نسبة جهم بن صفوان. وقد رتبوا على كون الله تعالى خالق أفعال الإنسان وأنه ذو قدرة مطلقة إلغاء قدرة الإنسان على الفعل ، وإحالته إلى آلة لا إرادة لها، يقول جهم بن صفوان (إن الإنسان ليس يقدر على شيء ،ولا يوصف بالاستطاعة، إنما هو مجبور في أفعاله ولا إرادة ولا اختيار ،وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وينسب إليه الأفعال مجازاً كما ينسب إلى الجمادات( الشهرستاني، الملل والنحل، مصر المطبعة الأدبية، ص110-111 ) ،وفي فترة لاحقة تسرب القول الجبر إلى
بعض- وليس كل - المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة بفرقهم المختلفة، ولكنه ظل على الدوام محل رفض من أهل السنة.
القول بالجبر وافد على الإسلام : نخلص من العرض السابق أن القول بالجبر وافد على الإسلام، لأن التصور ألتنزيهي لله تعالى ، يرى أن لا تعارض بين الفعل الإلهي المطلق "الذي عبر عنه القران بمصطلح الخلق"والفعل الإنساني المحدود" الذي عبر عنه القران بمصطلح الكسب"، فالأول يحد الثاني تكوينياً (بظهوره في عالم الشهادة من خلال السنن الإلهية، التي التزامها شرط نجاح الفعل الإنساني)، وتكليفياً (كما يظهر من خلال القواعد الآمرة الناهية "الحدود"، والتي ينبغي على الإنسان أن يلتزمها في فعله) .
ثالثا: انتفاء مبرر د. شحرور: من العرض السابق ، الذي مضمونه أن تقرير أن القضاء والقدر يتعلقان بالفعل الالهى ، طبقا للتصور الصحيح لهما، كما
عرضت له النصوص، وقرره علماء أهل السنة بمذاهبهم المتعددة ينتفي مبرر
د. شحرور- سواء كان مضمر أو معلن- من عدم نسبه القضاء والقدر إلى الفعل الالهى ، وهو الخوف من ان يلزم من ذلك القول بالجبر .
رابعا: تصور د. شحرور امتداد لتصور مذهب القدرية (الجهنية و المعتزلة):
وتصور د. شحرور( الذي مضمونه أن القضاء والقدر يتعلقان بالفعل الانسانى ولا يتعلقان بالفعل الالهى) بعد مخالفته لتصور أهل السنة بمذاهبهم المتعددة ، هو امتداد لمذهب القدرية الذي ينفى القدر عن الله تعالى ويثبته للإنسان بدرجات متفاوتة،ويندرج تحت إطاره فرقتي الجهنيه والمعتزلة
:
ا/ الجهنيه: هي فرقه مؤسسها معبد الجهني، وقد تطرفت في إسناد الفعل والإرادة إلى الإنسان ،فقالت (كل فعل للإنسان هو بإرادته المستقلة عن إرادة الله تعالى)، ونفت عن الله تعالى القدر بمعنى العلم والتقدير السابق على حدوث الفعل الإنساني، يروى أن معبد الجهمي كان يقول (لا قدر و الأمر أنف) يقول د. محمد يوسف (… ذهبت القدرية"يعنى الجهنيه"على أن الإنسان هو الذي يقدر أعمال نفسه بعلمه، ويتوجه إليها بإرادته ثم يوجدها بقدرته، وأن الله لا يقدر هذه الأعمال أزلاً ولا دخل لإرادته أو قدره في وجودها ولا يعلمها إلا بعد وقوعها)(د. محمد يوسف، القرآن والفلسفة، ص116) ب/ المعتزلة: وقال المعتزلة أن العدل الالهى يقتضى أن يكون الإنسان للإنسان قدره على الفعل والاختيار،ولكنهم أطلقوا على هذه القدرة اسم "الخلق" ، نقد مذهب القدرية: وهكذا فقد اسند مذهب القدرية - بصيغتيه الجهنيه والاعتزالية –فعل واراده إلى الإنسان- وهو هنا محل قبول- لكنه تطرف في هذا الإسناد فحولت الفعل الانسانى إلى فعل مطلق قائم بذاته ومستقل عن الفعل الالهى – وهو هنا محل رفض- وترتب على هذا التطرف جعل العلم والقدرة الإلهيين محدودين عند الجهنيه كما يتضح من قولهم (لا قدر والأمر انف)،بينما كلاهما مطلقين . وإسناد صفة الخلق إلى غير الله تعالى عند المعتزلة، كما يتضح من قولهم " أن الإنسان خالق أفعاله "، بينما الخلق صفة ربوبية ، لا يجوز نسبتها إلى سواه تعالى.
تعريف د. شحرور للقضاء والقدر يقارب دلالات مصطلحى المادية-بمفهومه العلمي – والجدلية –بمفهومه اللغوي : وأخيرا فان تعريف د. شحرور للقدر ( الوجود الموضوعي للأشياء وظواهرها خارج الوعي) يقارب دلاله مصطلح المادية"في مفهومه العلمي وليس الفلسفي"(اى الإقرار بان للواقع وجود موضوعي مستقل عن وعى الإنسان وغير متوقف عليه) ، كما أن تعريفه للقضاء ( ظاهره تتمثل في السلوك الواعي” أراده إنسانيه” قائم على حركه الأضداد، اى سلوك بين نفى واثبات في ظواهر الوجود”القدر”) يقارب دلاله مصطلح الجدلية في مفهومه اللغوي(اى صراع الأضداد).
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////