د.صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم

تمهيد(ملخص الدراسة): تنطلق الدراسة من تقرير منهج التغيير الاسلامى أن التغير هو سنه إلهيه كليه "حتمية" تضبط حركه الوجود الشامل للطبيعة "المسخرة" والإنسان "المستخلف"، وانه فعل ذو مستويات متعددة متفاعلة. ثم تقرر الدراسة أن هناك مذهبين في تحديد مدى شمول التغيير لمستوياته المتعددة، فهناك أولا المذهب الذي يقصر التغيير على بعض مستوياته "
كالمستوى السياسي مثلا"،وبالتالي يلزم من هذا المذهب تغيير سطحي"شكلي"
زائف، وهذا المذهب لا يعبر عن جوهر منهج التغيير الاسلامى ، وان نسب بعض أنصاره أنفسهم للإسلام، وهنا تقدم الدراسة مذهب التفسير السياسي للإسلام "الإسلام السياسي " كنموذج لهذا المذهب ، وهناك ثانيا المذهب الذي يجعل التغيير شاملا لكل مستوياته، وبالتالي يلزم منه تغيير عميق وحقيقي ، وهذا المذهب يعبر عن جوهر منهج التغيير الاسلامى، وتقرر الدراسة هنا أن هذا المذهب يستند إلى المنظور الحضاري الاسلامى، الذي مضمونه أن الإسلام ليس دين فقط، بل هو دين وحضارة، لأنه يهدف إلى تحقيق التغيير الحضاري ، الذي مضمونه تغيير البني كأنساق حضاريه ، والذي هو أعلى درجات التغيير.كما تقرر الدراسة أن المذهب الأخير – وخلافا للمذهب الأول - لا يستبعد اى مستوى من مستويات التغيير،لأنه يمثل درجه من درجات التغيير، تتفاوت في مدى محدوديتها أو شمولها، فهناك أولا التغيير الادارى ، و من أنماطه المنظور المؤسسي للوظيفة ، الذي يميز بين الوظيفة والشخص الذي تستند إليه الوظيفة (الموظف)،والذي يتسق مع المنظور الادارى الاسلامى، ومن عقباته المنظور الشخصي لها ، الذي يخلط بين الوظيفة والموظف"الشخص"، والذي يتناقض مع المنظور الادارى الاسلامى، رغم شيوعه في المجتمعات المسلمة، نتيجة لأسباب متعددة، لا صله لها بالإسلام كدين، وهو تغيير ذاتي لأنه تغيير للأشخاص، وهو ما لا يقتضى تغيير النظم والبنيات، وهناك ثانيا التغيير السياسي، والذي من أنماطه:أولا: الديموقراطيه"، وهنا تقرر الدراسة أن الموقف الاسلامى الصحيح منها يتجاوز موقفي الرفض والقبول المطلقين إلى موقف نقدي، يميز بين دلالتها العامة"الديموقراطيه كنظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام " ،التي تتسق مع المنظور السياسي الاسلامى، ودلالتها الخاصة"ومثال لها الديموقراطيه الليبرالية" ،والموقف الصحيح منها هو اخذ ما وافق أصول الدين –على المستوى النظري- وواقع المجتمعات المسلمة- على المستوى العملي- ، ثانيا: الثورة وهنا تقرر الدراسة ان علماء أهل السنة قد اختلفوا في الأخذ بالثورة “التي عبروا عنها بمصطلح خلع السلطان الجائر” كأسلوب للتغيير إلى مذهبين، هما مذهبي المنع والإيجاب ،وكلاهما مبنى على قاعدة سد الذرائع وفتحها، اى مدى ترجيح كل مذهب للمصلحة المتحققة من خلع الحاكم الجائر، أو المفسدة التي قد تلزم من خلعه. ومن عقبات التغيير السياسي الاستبداد ، وهنا تقرر الدراسة أن الاستبداد يتناقض مع المنظور السياسي الاسلامى ، وان شيوعه في المجتمعات المسلمة لا يرجع إلى الإسلام كدين، بل هو محصله عوامل داخليه وخارجية متفاعلة، والتغيير السياسي هو تغيير موضوعي لأنه تغيير للنظم، وهو ما لا يقتضى تغيير البنية. وهناك ثالثا التغيير الحضاري ومن أنماطه أولا:
الإصلاح وهنا تشير الدراسة إلى أن هذا المستوى من مستويات التغيير(التغيير الحضاري) يتحقق من خلال الالتزام بمفهوم الإصلاح، طبقا لمفهومه الاسلامى الصحيح ، الذي تبينه الدراسة،وهنا تتبنى الدراسة مذهب يقوم على الجمع بين الإصلاح (كنمط تغيير تدريجي جزئي ) والثورة( كمنط تغيير فجائي كلى )على وجه يرفع التعارض (التناقض) بينهما،من خلال مفهوم المفاضلة : اى من خلال تقديم الإصلاح على الثورة زمانيا وقيميا، وذلك باعتبار الإصلاح هو نمط التغيير الأصل، وبالتالي الالتزام به ، ما دامت تتوافر أمكانيه التزام به، بينما الثورة هي نمط التغيير الفرع،وبالتالي فان الالتزام بها لا يكون إلا في حاله عدم توافر أمكانيه الالتزام بالإصلاح،ولذا ترفض الدراسة مذهب الإفراد والذي يتضمن العديد من المذاهب التي تتطرف في التأكيد على نمط تغيير معين (الإصلاح أو الثورة)، إلى درجه إلغاء نمط التغيير الأخر، ومن أمثلتها مذهب الخوارج ،الذي (استنادا إلى مفهومه في الخروج) تطرف في التأكيد على الثورة” الخروج على السلطان الجائر” كنمط تغيير ، لدرجه إلغاء نمط التغيير الأخر( اى الإصلاح)،وتبين الدراسة هنا أن التنظيمات المعاصرة التي تتبنى مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المعصومة"كدماء المسلمين وغير المسلم غير المحارب"كالذمي والمعاهد والمستأمن"(كتنظيمات القاعدة وداعش وبوكوحرام...) هي امتداد
لمذهب الخوارج البدعى الضال، وتتبنى ذات مذهبها الإفرادى المتطرف
،وتفارق عن مذهب أهل السنة بمذاهبه الكلامية والفقهية المتعددة ،الذي يغلب على مذاهبه الالتزام بمذهب الجمع "الوسطى". ثم تشير الدراسة إلى أن من عقبات التغيير الحضاري الإفساد في الأرض ، الذي نهت عنه النصوص القطعية الورود والدلالة ،وللإفساد في الأرض معايير " موضوعيه"، وبالتالي غير متوقف على الادعاء "الذاتي" بالصلاح كما تقرر النصوص (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ
* أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ"
(البقرة: 11-12)، ثم تبين الدراسه انه اتساقا مع ما سبق أشارت النصوص إلى مسجد الضرار، وهو مصطلح قراني تتضمن دلالته كل مؤسسه غير إسلاميه ( اى تتناقض مع جوهره)، طبقا لمعايير "شروط" موضوعيه أشارت إليها النصوص"كالتفريق بين المؤمنين والضرر وعدم خلوص النية" ،رغم ادعاء أصحابها "الذاتي " بأنها إسلاميه ، قال تعالى (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ و َرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ . لَا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا َ)( التوبة :107-108) ، .واخيرا تبين الدراسه ان التغيير الحضاري هو تغيير يجمع بين الذاتي(تغيير أنماط التفكير) والموضوعي (تغيير النظم الاجتماعية:السياسية، الاقتصادية،القانونية...).
مفهوم التغيير: التغير لغة اشتقاق من ماده (غَيَّرَ) والتي تدور على
أصليْن: الأول إحْداث شيء لم يكن قبلَه. والثاني انتِقال الشيء من حالةٍ إلى حالة أخرى (لسان العرب، ابن منظور، حرف الراء، مادَّة غير). أما اصطلاحا فهو تحول بدون اضافه ( تغير)، أو من خلال الاضافه(تغيير). وقد اعتبر منهج التغيير الاسلامى أن التغير هو سنه إلهيه كليه تضبط حركه الوجود الشامل للطبيعة المسخرة والإنسان المستخلف: قال تعالى( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ). وقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا
بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد: 11].غير أن التغير كقانون نوعى يضبط حركه نوع معين من أنواع الوجود ، هو الذي يحدد لنا شرط فعالية التغير كقانون كلى فيه، فهو يأخذ شكل تحول بدون اضافه في الطبيعة المسخرة ( تغير) كما في الايه الأولى. كما يأخذ شكل تحول من خلال الاضافه عند الإنسان المستخلف( تغيير ) كما في الايه الثانية.
العلاقة بين أبعاد التغيير: والتغيير في منهج التغيير الاسلامى ، فعل ذو أبعاد متعددة متفاعلة - كما اشرنا أعلاه – غير أن هناك مذهبين في تحديد مدى شمول التغيير لمستوياته المتعددة:
مذهب القصور: فهناك أولا المذهب الذي يقصر التغيير على بعض مستوياته "
كالمستوى السياسي مثلا"،وبالتالي يلزم من هذا المذهب تغيير سطحي"شكلي"
زائف، وهذا المذهب لا يعبر عن جوهر منهج التغيير الاسلامى ، وان نسب بعض أنصاره أنفسهم للإسلام مذهب التفسير السياسي للدين" الإسلام السياسي" كنموذج لمذهب القصور:
ونموذج لهذا المذهب مذهب التفسير السياسي للدين( الذي يطلق عليه البعض –
خطا- اسم الإسلام السياسي) وهو مذهب معين في تفسير طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة، ظهر في المجتمعات المسلمة في العصور الحديثة،كرد فعل على العلمانية التي نفت اى علاقة بين الدين والدولة، ويقوم هذا المذهب على تأكيد واثبات العلاقة بين الدين والسياسة ، ولكنه يتطرف في هذا التأكيد والإثبات،إلى درجه تجعل العلاقة بينهما علاقة تطابق و خلط ، لا علاقة ارتباط ووحده، وبالتالي يساوى بين الدين والسياسة في الدرجة، وقد يتطرف فيجعل السياسة اعلي درجه من الدين حين يجعل الغاية هي الدولة – السلطة، والوسيلة هي الدين، فضلا عن اعتباره أن الامامه أصل من أصول الدين ، وهو بالتالي يتناقض مع التفسير الديني ” الاسلامى – الشرعي” للسياسة، الذي يجعل الدين هو الأصل والسلطة هي الفرع،اى يصبح الدين بالنسبة للسلطة، بمثابة الكل للجزء ،يحده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه ، فضلا عن تناقضه مع مذهب أهل السنة والقائم على أن الامامه من فروع الدين وليست أصل من أصوله كما يرى المذهب الشيعي، يقول الإيجي (وهي عندنا من الفروع ، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا )(المواقف : ص 395) .
مذهب الشمول: هناك ثانيا المذهب الذي يجعل التغيير شاملا لكل مستوياته، وبالتالي يلزم منه تغيير عميق وحقيقي ، وهذا المذهب يعبر عن جوهر منهج التغيير الاسلامى، الاستناد الى المنظور الحضاري الاسلامى: هذا المذهب يستند إلى المنظور الحضاري الاسلامى، الذي مضمونه أن الإسلام ليس دين فقط، بل هو دين وحضارة، لأنه يهدف إلى تحقيق التغيير الحضاري ، الذي مضمونه تغيير البني كأنساق حضاريه ، والذي هو أعلى درجات التغيير عدم استبعاد اى مستوى من مستويات التغيير: وهذا المذهب – وخلافا للمذهب الأول - لا يستبعد اى مستوى من مستويات التغيير،لأنه يمثل درجه من درجات التغيير، تتفاوت في مدى محدوديتها أو شمولها
أولا: التغيير الادارى أو الوظبفى ( تغيير الأشخاص ):المستوى الأول للتغيير هو مستواه الادارى "الوظيفى" ( اى التغيير الادارى أو الوظيفي)، ونقصد به تغيير الأشخاص(الموظفين) رغم ثبات النظام السياسى، فالحديث هنا ليس عن الاداره كلها كعملية توجيه وتخطيط وتنظيم وتنسيق ورقابة وصنع قرار باستخدام الموارد المادية والبشرية لتحقيق هدف ما ، ولكنه حديث عن احد عناصرها، وهى الوظيفة كمجموعة من الواجبات والمسئوليات تحددها سلطة ذات اختصاص ، لكنه في ذات الوقت حديث غير مقصور على الوظائف الاداريه ، بل يمتد ويشمل كل الوظائف في الدولة بما فيها الوظائف السياسية، وهذا النوع من أنواع التغيير هو ادني درجات التغيير، فهو أكثر محدودية واقل شمولا من التغييرين السياسي والحضاري، لأنه تغيير فردى ذاتي لأنه تغيير للأشخاص، وهو ما لا يقتضى تغيير النظام والبنية.
أنماط التغيير الادارى:
المنظور المؤسسي للوظيفة : هذا المستوى من مستويات التغيير يتحقق من خلال الالتزام بالمنظور المؤسسي للوظيفة ، والذي يرتكز على التمييز بين الوظيفة والشخص الذي تستند إليه الوظيفة (الموظف)، فالمؤسسة هي ” كيان يقوم على مبدأ تنظيم معظم نشاط أعضاء مجتمع أو جماعة حسب نموذج تنظيمي محدد مرتبط بشكل وثيق بمشاكل أساسية أو بحاجات مجتمع أو اجتماعية أو بأحد أهدافها” ، وبالتالي فان( الفكرة الأساسية التي تميز المؤسسة عن غيرها من أشكال التنظيم الاجتماعي هي استقلاليتها عن العناصر المتشكلة منها و تميزها عن هذا العناصر بحيث أنها تضيف إليها شيئا جديدا لم يكن موجودا لديها من قبل) (ويكيبيديا، الموسوعة الحرة) معوقات التغيير الادارى:
المنظور الشخصي للوظيفة :كما أن هذا المستوى من مستويات التغيير يعوق فاعليته المنظور الشخصي للوظيفة الذي يخلط بين الوظيفة والموظف (الشخص)، ويجعل العلاقة بينهما علاقة تطابق ، ومن أسباب شيوع هذا المنظور الشخصي للوظيفة تخلف النمو الاجتماعي للمجتمع المعين، حيث أن هذا التطابق بين الوظيفة والموظف هو من مخلفات الأطوار القبلية،حيث لا يوجد مثلا تمييز بين (وظيفة) شيخ القبيلة و (شخص) شيخ القبيلة،وهو ما يمتد ويشمل ذريته من خلال مبدأ التوريث. وقد تجاوزت المجتمعات الغربية لحد كبير و منذ فتره طويلة المنظور الشخصي للوظيفة واستبدلته بالمنظور المؤسسي لها ، أما الإسلام كدين فلا يتناقض مع المنظور المؤسسي للوظيفة، لكنه يتناقض مع المنظور الشخصي لها، وخير تأكيد على ذلك واقعه عزل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لخالد بن الوليد (رضي الله عنه) حتى لا يربط المسلمون بين النصر( ذو الشروط الموضوعية) و(شخص) خالد بن الوليد ، روى سيف بن عمر أن عمر ( رضي الله عنه ) قال حين عزل خالداً عن الشام ، والمثنى بن الحارثة عن العراق ( إنما عزلتهما ليعلم الناس أن الله تعالى نصر الدين لا بنصرهما ، وأن القوة لله جميعاً ) (البداية والنهاية :7/93)، معيار الكفاءة وإسناد الأعمال لغير المسلم: وتأكيدا لاتساق المنظور المؤسسي للوظيفة مع الإسلام ، وتناقض المنظور الشخصي لها معه ، نجد إقرار الإسلام لمعيار الكفاءه، وقول كثير من الفقهاء بجواز إسناد الأعمال لغير المسلم ، ففيما يعلق بمعيار الكفاءه نجد أن الإسلام قد وجوب اختيار الشخص الكفء والمؤهل للقيام بالوظيفة المعينة، وعدم جواز عزله وتوليه غيره لهوى أو رشوة أو ولاء شخصي أو عرقي أو مذهبي… قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) ( من استعمل رجلاً على عصابة، وفيهم من أرضى الله منه فقد خان الله
ورسوله) ، وقال (صلى الله عليه وسلم)( من أولى من أمر المسلمين شيئاً ، فأمر عليهم أحد محاباة ، فعليه لعنة الله لا يقبل منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم).أما فيما يتعلق بجواز إسناد الأعمال لغير المسلم فإننا إذا كنا نجد في الفقه الاسلامى من يرى المنع المطلق كأغلب المالكية والإمام احمد، لكننا نجد أيضا من يرى الجواز المطلق كابي حنيفة وبعض المالكية،ومن يرى الجواز أحيانا والمنع أحيانا ، وهو رأى اغلب العلماء حيث يرى ابن العربي( أن كانت في ذلك فائدة محققه فلا باس به)(ابن العربي، 16،268)، كما جوز الماوردي وأبو يعلى لغير المسلم أن يتولى وزاره التنفيذ دون ولاية التفويض .
الإسلام ورفض المنظور الشخصي للدين: إن تناقض المنظور الشخصي للوظيفة مع الإسلام ، هو امتداد لرفضه للمنظور الشخصي بكافه أشكاله، لأنه يقوم على التأكيد على الذاتية وإلغاء الموضوعية ، بينما الإسلام يقوم على موضوعيه مطلقه ذات وتكليفيه(ممثله في قيم وقواعد الوحي)وتكوينيه(ممثله في السنن الالهيه التي تحكم الوجود) تحدد ولا تلغى الذاتية، ومن أشكال المنظور الشخصي التي أشارت النصوص إلى النهى عنه المنظور الشخصي للدين الذي يربط بقاء الإسلام كالدين ببقاء شخص الرسول (صلى الله عليه وسلم)كما في قوله تعالى (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل أفإِنْ مَاتَ اوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقبيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِين)َ، وتأكيدا لذلك قال أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) بعد وفاه الرسول (صلى الله عليه وسلم) (ألا من كان يعبد محمدا (صلى الله عليه وسلم)، فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ) ، بناءا على هذا كان احد أوجه النقد التي وجهها علماء أهل السنة للمذهب الشيعي، أنه يقوم على شكل من أشكال المنظور الشخصي للدين، يقول الشهرستاني (يجمعهم القول بأن الدين طاعة رجل، حتى حملهم ذلك على تأويل الأركان الشرعية من الصلاة والصيام والزكاة والحج وغير ذلك على الرجال… ومن اعتقد أن الدين طاعة رجل ولا رجل له، لأنه “غائب في سردابه”
فلا دين له..) (الملل والنحل: 1/147).
الإسلام ورفض الثيوقراطيه والكهنوت: أما الشكل المتطرف للمنظور الشخصي للدين ، والقائم على عباده الملوك فقد أشارت النصوص إلى اعتباره شرك اعتقادي ، يتناقض تناقضا لا يقبل التوفيق مع مفهوم التوحيد ، قال تعالى ( فكذب وعصى* ثم أدبر يسعى*فحشر فنادي*فقال أنا ربكم الأعلى)(النازعات:
21-24)، وهذا التناقض هو تأكيد أخر لرفض الإسلام للدولة الثيوقراطيه (اى الدولة الدينية بالمفهوم الغربي)،لان عباده الملوك هو احد أشكال نظريه الحق الالهى في الحكم ، والتي هي احد أنماط الدولة الثيوقراطيه، فالإسلام يرفض كل من الدولة الثيوقراطيه والكهنوت باعتبار إنهما أشكال مختلفة للمنظور الشخصي للدين الذى يرفضه ، فالدولة الثيوقراطيه بجعلها العلاقة بين الدين والدولة علاقة تطابق وخلط ، تنتهي إلى تحويل المطلق (الدين)، إلى محدود ونسبى (الدولة أوالسلطة)، أو العكس، بالتالي تؤدى إلى إضفاء قدسيه الدين على البشر واجتهاداتهم المحدودة بالزمان والمكان، و هو ما رفضه الإسلام حين ميز بين التشريع (الذي جعله حقا لله،تعالى) والاجتهاد(الذي جعله حقا للناس. ) كما أن مذهب الكهنوت بإسناده السلطة الدينية (و السياسية)إلى فرد أو فئة ، ينفرد أو تنفرد بها دون الجماعة( رجال الدين)، جعل هذا الفرد أو هذه الجماعة وسيط بين الناس والله تعالى، وهو ما يرفضه الإسلام، قال تعالى( وإذا سالك عبادي عنى فأنى قريب أجيب دعوه الداعي إذا دعاني).وبناءا على ما سبق فان النظم السياسية الاستبدادية التي تقوم على تقديس الحاكم بطاعته طاعة مطلقه ، تتناقض مع الإسلام ، وتستند إلى شكل من أشكال الشرك العملي.
أسباب شيوع المنظور الشخصي في المجتمعات المسلمة: بناءا على ما سبق فان شيوع المنظور الشخصي للوظيفة و تقديس الحكام في المجتمعات المسلمة لا يرجع إلى الإسلام كدين ،بل هو نتيجة لتخلف النمو الاجتماعي والحضاري لهذه المجتمعات ، كمحصله لعوامل داخليه (شيوع التقليد وقفل باب الاجتهاد، شيوع البدع،الاستبداد…)، وخارجية( الغزو المغولي،الصليبي، الاستعمار، القديم
والجديد) متفاعلة.
ثانيا: التغيير السياسي(تغيير النظم): المستوى الثاني للتغيير هو مستواه السياسي ( اى التغيير السياسى)، ونقصد به تغيير النظم السياسية رغم ثبات البنية السياسية – الحضارية للمجتمع، وهذا النوع من أنواع التغيير، هو أكثر شمولا من التغيير الادارى، واقل محدودية من التغيير الحضاري، لأنه تغيير اجتماعي موضوعي لأنه تغيير للنظم، وهو ما لا يقتضى تغيير البنية.
أنماط التغيير السياسي:
الديموقراطيه: وقد عملت المجتمعات الغربية التي تلتزم بالليبرالية كفلسفة ومنهج معرفه على تحقيق هذا البعد من أبعاد التغيير من خلال التزامها بالديموقراطيه (الليبرالية).
أما في إطار الفكر السياسي الاسلامى المعاصر هناك موقفين من مفهوم الديموقراطيه وهى:
الرفض المطلق (التقليد): ويقوم على الرفض المطلق لمفهوم الديموقراطيه اى رفض كل دلالاته بناءا على العديد من الحجج ،سنوردها أدناه ونرد عليها:
المصطلح: أن مصطلح الديموقراطيه اجتبى.غير انه لا حرج من استخدام اى مصطلح ، ما دام هذا الاستخدام ذو دلاله لا تتناقض مع قواعد الوحي المطلقة ، لان العلماء قالوا انه لا مشاجه في الاصطلاح، والعبرة بالمضمون لا الشكل، يقول ابن تيمية عن المصطلحات الكلامية مثلا( فالسلف والأئمة لم يكرهوا الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة كلفظ (الجوهر)
و(العرض) و(الجسم) وغير ذلك، بل لأن المعاني التي يعبرون عنها بهذه العبارات ،قد يكون فيها من الباطل المذموم في الأدلة والأحكام، ما نهى عنه لاشتمال هذه الألفاظ على معني مجملة في النفي والإثبات… فإن عرفت المعاني التي يقصدونها بأمثال هذه العبارات، ووزنت بالكتاب والسنة، بحيث يثبت الحق الذي أثبته الكتاب والسنة ، وينفي الباطل الذي نفاه الكتاب والسنة كان ذلك هو الحق).
الشورى والديموقراطيه : من هذه الحجج أن هناك تعارض بين الشورى والديموقراطيه. وفى الحقيقة فان الفكر السياسي الاسلامى يستند إلى مجموعه من المفاهيم المطلقة عن قيود الزمان والمكان، وبالتالي صالحه لكل زمان ومكان، أهمها مفهوم الشورى ،أما كيفيه قيام السلطة في زمان ومكان معينين ، فقد ترك الإسلام للمسلمين أمر الاجتهاد فيها، بما في ذلك الاستفادة من إسهامات المجتمعات الأخرى ، وهنا يمكن الأخذ بالديموقراطيه كأسلوب للشورى،هنا تكون العلاقة بين الشورى والديموقراطيه علاقة تحديد وتكامل، اى أن تحدد الشورى الديموقراطيه كما يحدد الكل الجزء، فيكملها وتغنيها ولكن لا تلغيها .
مصطلح الحكم : ومن هذه الحجج أن الديموقراطيه طبقا لأصل المصطلح تستند الحكم للشعب (حكم الشعب)، بينما القران يسند الحكم لله ،هذه الحجة لا تكون صحيحة إلا إذا كان لفظ ( الحكم ) الوارد في القرآن يراد به السلطة ، وهذا غير صحيح ،إذا أن هذه اللفظ إذا ورد في القرآن منسوباً إلى الله تعالى فانه يعني السيادة التكليفيه والتكوينية ، وإذا ورد منسوباً إلى الإنسان فأنه يعني الفصل في الخصومات والقضاء كما في قوله تعالى﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾، كما يعني الحكمة النظرية كما في قوله تعالى ﴿ يا يحي خذ الكتاب بقوة واتيناه الحكم صبيا﴾ .أما مصطلح السلطة كما في الفكر السياسي الغربي، فلم يستخدم في الفكر السياسي الإسلامي، والمصطلح المقابل له في الفكر السياسي الإسلامي هو مصطلح ( الأمر) ومنه سمي من اسند إلية السلطة ( الأمير) و(أولي الأمر). ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُوا ْالرَّسُولَ و أُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ…﴾ ( النساء: 59) .
بين السيادة والسلطة:ومن هذه الحجج أن الديموقراطيه تسند الحاكميه (السيادة اى السلطة المطلقة)، للشعب،-بينما الإسلام– انطلاقا من مفهوم
التوحيد- يسندها لله تعالى وحدة . غير إن هذه الحجه تخلط بين الدلالة الخاصة المنفردة للديموقراطيه ممثله في الديموقراطيه الليبرالية والتي لا تميز بين السيادة والسلطة، وتسندهم جميعا إلى الشعب، وبين الدلالة ألعامه المشتركة للديموقراطيه التي تعنى إسناد السلطة للشعب .
مفهوم الاغلبيه: ومن هذه الحجج أن مفهوم الاغلبيه الزى يكمن خلف اى مفهوم ديموقراطى يتناقض مع الإسلام من عده أوجه منها:أن الصواب هو ما صوبه الشرع، فضلا عن أن رأى الاغلبيه قد يكون خطاْ. والرد هنا ان ترجيح رأي الأغلبية إنما يكون في الفروع ، التي ترك الإسلام للناس أمر الاجتهاد فى تحديد ما هو صواب او خطاْ فيها، وليس فى الأصول النصية، التي حدد الإسلام ما هو صواب او خطاْ فيها. كما أن ترجيح فى الفروع ليس لان ما تراه الأغلبية هو الرأي الصحيح،إنما يرجح رأي الأغلبية فى الفروع بحكم المساواة بين البشر والحفاظ علي وحدة المجتمع، يقول الشيخ محمد رشيد رضا (….ومنه يعلم أن ما شرعة الله من العمل برأي الأكثرية فسببه أنه هو الأمثل في الأمور العامة لا لأنهم معصومون منها ).ومن هذه الأوجه أن القران ذم الكثرة في العديد من الآيات مثل قوله تعالى﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ ( الروم: 63). والرد أن هذا الذم مقصور على كثرة الكفر والضلالة لا كثرة الإيمان التي قرر الرسول ( صلى الله عليه وسلم) أنها لا تجمع علي ضلاله. وأخيرا فان هناك العديد من أدله التي تفيد ترجيح رأى الاغلبيه في الفروع ، منها انه في غزوة احد استشار الرسول ( صلى الله عليه وسلم) المسلمين في الخروج لمقاتله قريش أو البقاء ،فاختار أغلبية المسلمين الخروج ،فاخذ الرسول(صلى الله عليه وسلم) برأيهم، روى الحافظ ابن كثير( وشاورهم في احد في أن يقعد بالمدينة أو يخرج إلى العدو، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم).يقول الغزالي في مسألة ( إذا بويع لإمامين) (أنهم لو اختلفوا في الأمور، وجب الترجيح بالكثرة… ولأن الكثرة أقوى مسلك من مسالك الترجيح).وقال ابن تيميه في مبايعة أبى بكر( وإنما صار إماما بمبايعه جمهور الصحابة).
البيعة بين الخصوص والعموم: ومن هذه الحجج أن اختيار الحاكم في الفكر السياسي الاسلامى يتم ببيعة أهل الحل والعقد، وهى بيعه خاصة . وهذا غير صحيح، ففي الفقه السياسي الإسلامي يتم اختيار الحاكم طبقا لبيعتان هما
:أولا: البيعة الخاصة: وهى بيعه أهل الحل والعقد ، وهي الجماعة التي لها حق البيعة الإمام من بين أعضائها، وهي تقارب ما يسمى في الفكر السياسي الحديث ( الهيئة التشريعية)،التي تكون من ممثلين الأغلبية الشعب بانتخاب، والتي تتولي اختيار الحكومة (السلطة التنفيذية)، التي تكون مسئولية أمام هولاء الممثلين ( النظام البرلماني) ، كما ان أهل الحل والعقد كانوا ممثلين لأغلبية الشعب تفويضا، وهو ما نلاحظه في جماعه المهاجرين الأولين التي تكون من عشرة كانوا يمثلون أهم البطون من القرشيين الذين هاجروا من مكة إلى يثرب ، ولذا يجوز أن يكون اختيار أهل الحل والعقد في عصرنا بالانتخاب باعتبار ذلك وسيلة لضمان كونهم يمثلون أغلبية الجماعة، وهذة البيعة بمثابة الترشيح. ثانيا:البيعة العامة:إن البيعة الأولي لا تكفي وحدها، فلابد من البيعة العامة التي هي بمثابة تصديق علي الترشيح، وإكمال للعقد .يقول ابن تيمية ( وكذلك عمر لما عهد إليه ابوبكر ولم يبايعوة لم يصر إمام، وكذلك عثمان لم يصر إمام باختيار بعضهم، بل بمبايعة الناس له).
الموقف النقدي: ويقوم على التمييز بين دلالتي المفهوم ، فالإسلام لا يتناقض مع الدلالة العامة المشتركة لمفهوم الديمقراطية، اى أن يكون التنظيم القانوني للمجتمع متفقا مع ما يريده الناس فيه،وهو ما يتحقق من خلال الديموقراطيه كنظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام. أما الدلالة الخاصة المنفردة للمفهوم اى الديموقراطيه الليبرالية ، فيقوم الموقف الصحيح منها على اخذ وقبول ما لا يناقض أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة، ورد ورفض ما يناقضهما .هذا الموقف يقوم إذا على قبول مفهوم الديموقراطيه بعد تقييده بالمفاهيم الكلية للفلسفة السياسية الاسلاميه،والتي هي بمثابة ضوابط موضوعيه مطلقه للتنظير والممارسة السياسية.
قضيه تقييد فتره الحكم: وقد حرصت النظم السياسية الديموقراطيه الليبرالية على تحديد فتره حكم الحاكم من خلال تحديد عدد دورات ترشحه( وتحديد مده كل دوره أيضا)، أما في إطار الفكر السياسي الاسلامى المعاصر ، فان هناك ثلاثة مواقف من هذا الإجراء الفني الديموقراطى ،الموقف الأول يرفضه باعتبار أن الإسلام لا يحدد فتره زمنيه للحكم ،غير أن هذا الموقف يتجاهل ما سبق ذكره من أن الفكر السياسي الاسلامى يستند إلى مجموعه من المفاهيم المطلقة عن قيود الزمان والمكان، وبالتالي صالحه لكل زمان ومكان، أهمها مفهوم الشورى ،أما كيفيه قيام السلطة في زمان ومكان معينين فقد ترك الإسلام للمسلمين أمر الاجتهاد فيها، بما في ذلك الاستفادة من إسهامات المجتمعات الأخرى ، وهذا الإجراء الفني لا يتصل بالمفاهيم المطلقة للفكر السياسي الاسلامى،بل يتصل بكيفية اقامه السلطة في زمان ومكان معينين. ولا يصح الاحتجاج بان فتره الخلافة الراشدة لم تعرف أو تتقيد بهذا الإجراء ، لأنه لا يمكن لأحد أن يبلغ مقام الصحابة، قال الرسول (صلى الله عليه
وسلم) (لا تسبوا أصحابي ، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)( الراوي: أبو سعيد الخدري/ المحدث: البخاري / المصدر:
صحيح البخاري / الرقم: 3673/خلاصة الدرجة: صحيح).أما الموقف الثاني فيقبله باعتباره إجراء فني يتصل بالفروع الاجتهادية، التي يمكن للمسلمين فيها الاستفادة من إسهامات المجتمعات الأخرى. أما الموقف الثالث فلا يحدد فتره الحكم من جهة من خلال عدم تحديد عدد دورات ترشح الحاكم ، ولكنه يحدده من جهة تحديد مده كل دوره ترشح، وهذا الموقف الأخير شرطه عدم تزييف الاراده الشعبية،والموقفين الاخيربن هما اقرب لجوهر الفكر السياسي الاسلامى المستند الى مفهوم الشورى الكلى من الموقف الأول.
الثورة: كما أن التغيير السياسي يتحقق أيضا من خلال الثورة، وقد اختلف علماء أهل السنة في الأخذ بالثورة “التي عبروا عنها بمصطلح خلع السلطان الجائر” كأسلوب للتغيير إلى مذهبين، المذهب الأول: المنع وهو مذهب العديد من العلماء كالإمام الاشعرى وابن تيميه وغيرهما،المذهب الثاني الإيجاب ، وقال به العديد من العلماء أيضا، يقول الإمام الجصاص ( وكان مذهبه رحمه الله " أي الإمام أبي حنيفة" مشهوراً في قتال الظلمة وأئمة الجور)(أحكام القرآن ، ص61 )،ومن علماء الحنابلة الذين ذهبوا إلى القول بخلع الجائر ، ابن رزين ، وابن عقيل ، وابن الجوزي (الإنصاف للمرداوي 10 \ 311). ومن الواضح أن كما كلا المذهبين مبنى على قاعدة سد الذرائع وفتحها، اى مدى ترجيح كل مذهب للمصلحة المتحققة من خلع الحاكم الجائر، أو المفسدة التي قد تلزم من خلعه. والمذهب الذى نرجحه ، والذي يجمع بين مضمون المذهبين السابقين ، هو تقسيم الحكم على خلع الحاكم الجائر إلى: أولا: حكم أصلى هو الإيجاب بدرجاته حسب درجه إمكان الجمع بين جلب المصلحة التي قد تتحقق خلعه ، ودرء المفسدة التي قد تلزم منه، دون المنع، بالالتزام بجمله من الضوابط ألتكليفيه والتكوينية أشار إليها الفقه السياسي الاسلامى . وحكم فرعى هو المنع بدرجاته حسب درجه استحالة الجمع بين جلب المصلحة التي قد تتحقق من خلعه ، ودرء المفسدة التي قد تلزم من ذلك، وذلك عند استحالة الالتزام بهذه الضوابط (وهو ما يقابل في علم اجتماع الثورة الحديث عدم عدم قيام الثورة في حاله عدم اكتمال توافر كل شروطها) .
معوقات التغيير السياسي:
الاستبداد: كما أن التغيير السياسي يعوق فاعليته الاستبداد ، بما هو انفراد فرد أو فئة بالسلطة دون الجماعة (الشعب)، وهو ما يتناقض مع تقرير الإسلام أن السلطة السياسية (التي عبر عنها القران بمفهوم الأمر(مخوله بموجب التمكين العام للجماعة(وأمرهم شورى بينهم) ، أما الحاكم فنائب ووكيل عنها لها حق تعيينه ومراقبته وعزله ، يعرف الماوردي البيعة بأنها ( عقد مرضاة واختيار لا يدخله اكراة ولا إجبار)(الأحكام السلطانية، ص 7 )، ويقول أبو يعلي أن الخليفة ( وكيل للمسلمين)، وبالتالي فان شيوع الاستبداد في المجتمعات المسلمة لا يرجع إلى الإسلام كدين، بل هو محصله عوامل داخليه وخارجية متفاعلة.
ثالثا: التغيير الحضاري(تغيير البنية): المستوى الثالث للتغيير هو مستواه الحضاري (اى التغيير الحضاري)، ونقصد به تغيير البنية كنسق حضاري .
البنية: تعددت تعريفات البنية، ومن أشهر هذه التعريفات ، والتعريف الذي نأخذ به هو تعريفها بأنها : نسق يتضمن أنماط التفكير (الذاتية)،والنظم الاجتماعية” السياسية ألاقتصاديه ، الثقافية…” (الموضوعية)، ومجموعه من القواعد التي تحددها.
الحضارة : كما تعددت تعريفات الحضارة ، والتعريف الذي نأخذ به هو تعريفها بأنها : نسق معرفي عقائدي مركب يتضمن العقائد والشرائع والقيم والأعراف… ،استنادا إلى أن المعرفة تسبق العمل” إلا الذين امنوا وعملوا الصالحات” ، ذلك أن لمصطلح الشخصية دلالتين : الأولى: الانفراد اى ما يميز شخصاً عن آخر ، والثانية:الاشتراك اى ما هو مشترك بين كل الأفراد الذين ينتمون إلى مصدر حضاري واحد ، وتتضمن الدلالة الاخيره أولا: الهيكل الحضاري بما هو "مجموعة القواعد ،التي تحدد لكل فرد ما ينبغي أن يكون عليه،موقفه واتجاهه وسلوكه، في مواجهة الغير من الأشياء والظواهر والناس، يكتسبها من انتمائه إلى مجتمع معين"، ثانيا: البناء الحضاري المكتسب حول الهيكل الحضاري.
فالبنية طبقا لهذا التعريف هي نسق حضاري، ذلك أن مجموعه القواعد التي تحدد أنماط التفكير والنظم الاجتماعية هي جزء من الهيكل الحضاري ، كما أن أنماط التفكير والنظم الاجتماعية هي جزء من البناء الحضاري.
مضمون التغيير الحضاري: ومضمون هذا التغيير هو إلغاء التناقض - وتحقيق
الاتساق- بين الهيكل الحضاري للشخصية العربية( ويتمثل في الإسلام كدين وحضارة لأنه هو الذي أوجد الامه العربية (فلم تكن موجودة من قبله كأمه واحده،بل كانت قبائل وشعوب متفرقة) (ويتضمن أصول"ثوابت" الدين ،التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة)، والبناء الحضاري المكتسب حول هذا الهيكل الحضاري (ويتضمن أنماط التفكير والنظم الاجتماعية لانها جزء من هذا البناء الحضاري المكتسب)، وهذا الاتساق إنما يتحقق من خلال تحرير العقل المسلم من أنماط التفكير: الخرافي والاسطورى والبدعى، والالتزام بأنماط التفكير: العلمي، والعقلاني الذي لا يتناقض مع الوحي، والاجتهادي.ومن خلال تحديد النظم الاجتماعية : السياسية ، الاقتصادية، التربوية … بمفاهيم وقيم وقواعد الدين_ وليس من خلال إلغائها-.وهذا التغيير الحضاري هو أعلى درجات التغيير، فهو أكثر شمولا من التغييرين الادارى والسياسي والحضاري، لأنه تغيير يجمع بين الذاتي(تغيير أنماط
التفكير) والموضوعي(تغيير النظم الاجتماعية).
أنماط التغيير الحضاري:
الإصلاح: هذا المستوى من مستويات التغيير(التغيير الحضاري) يتحقق من خلال الالتزام بمفهوم الإصلاح، وقد ورد مصطلح الإصلاح في القران الكريم بعده معاني منها: ما يقابل الفساد﴿وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرضِ بعْد إِصْلاَحِهَا﴾ ( الأعراف: 56) ، وما يقابل السيئة﴿خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا)( التوبة: 102) ، ومحو التباغض بين
المتخاصِمين: ﴿ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾(البقرة: 224)… ومرجع هذا التعدد في المعاني تعدد الزوايا التي ينظر منها للمفهوم، وبالتالي فان العلاقة بين هذه التعريفات هي علاقة تكامل لا تناقض. والتعريف الذي نرجحه لمفهوم الإصلاح منظور إليه من زاوية منهجيه، هو تعريفه بأنه:تغيير تدريجي جزئي سلمى.ويأخذ الإصلاح كنمط للتغيير أشكال عده أهمها التقويم الذى عبر عنه أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) بقوله (إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني)، والتقويم يعبر عن موقف يتجاوز كل من موقفي الرفض المطلق والقبول المطلق إلى موقف نقدي قائم على اخذ وقبول الصواب، ورد ورفض الخطأ، فهو نقد للسلطة لتقويمها اى بهدف الكشف عن أوجه قصورها عن أداء دورها . ومن أشكال الإصلاح النصح لقوله (صلى الله عليه وسلم)(الدين النصيحة، قيل : لمن يا رسول الله !؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم)، يقول الباقلاني بعدما ذكر فسق الإمام و ظلمه … بل يجب و عظه و تخويفه ، و ترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله)(التمهيد 186).
العلاقة بين الإصلاح والثورة: وهناك مذهبين في تحديد طبيعة العلاقة بين المفهومين:
أولا:مذهب الجمع: ويقوم على الجمع بين الإصلاح (كنمط تغيير تدريجي جزئي ) والثورة( كمنط تغيير فجائي كلى )على وجه يرفع التعارض (التناقض) بينهما،من خلال مفهوم المفاضلة : اى من خلال تقديم الإصلاح على الثورة زمانيا وقيميا، وذلك باعتبار الإصلاح هو نمط التغيير الأصل، وبالتالي الالتزام به ، ما دامت تتوافر أمكانيه التزام به، بينما الثورة هي نمط التغيير الفرع،وبالتالي فان الالتزام بها لا يكون إلا في حاله عدم توافر أمكانيه الالتزام بالإصلاح ابتداء : اى عدم الالتزام بها إلا في حاله عدم توافر اى إمكانية للإصلاح من خلال النظام القانوني المعين ،وانتهاء: اى انه بمجرد تحقق الثورة كاداه لازاله عقبه أمام الإصلاح ممثله في النظام القانوني المعين ، يتم الرجوع إلى الإصلاح كنمط تغيير أصلى. مما سبق يتضح لنا ان مذهب الجمع بين الإصلاح والثورة من خلال المفاضلة بينهما ، يعبر عن الرؤية الشاملة للعلاقة بين الإبعاد المتعددة للتغير، التي تستبعد اى بعد من أبعاده، ، والتي تستند إلى تفسير معين للعلاقة بين التغيير الحضاري(والإصلاح كنمط اساسى له )، والتغيير السياسي(والثورة كأحد أنماطه)، كعلاقة الكل بالجزء يحده فيكمله ويغنيه .
ثانيا: مذهب الإفراد: وهناك مذهب الإفراد ويتضمن العديد من المذاهب التي تتطرف في التأكيد على نمط تغيير معين (الإصلاح أو الثورة)، إلى درجه إلغاء نمط التغيير الأخر، ومن أمثلتها مذهب الخوارج ،الذي (استنادا إلى مفهومه في الخروج) تطرف في التأكيد على الثورة” الخروج على السلطان الجائر” كنمط تغيير ، لدرجه إلغاء نمط التغيير الأخر( اى الإصلاح)، وإيه هذا أنهم لم يميزوا في خروجهم بين نظم قانونيه شرعيه وأخرى غير شرعيه (مثال للأولى خلافه على ابن أبى طالب”رضي الله عنه” ومثال للثانية كثير من خلفاء الدولة الامويه)،فهم لم يميزوا بين التمرد والثورة، وهنا يجب الاشاره إلى أن التنظيمات المعاصرة التي تتبنى مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المعصومة"كدماء المسلمين وغير المسلم غير المحارب"كالذمي والمعاهد والمستأمن"(كتنظيمات القاعدة وداعش وبوكوحرام...) هي امتداد لمذهب الخوارج البدعى الضال، وتتبنى ذات مذهبه الإفرادى المتطرف ،وتفارق عن مذهب أهل السنة بمذاهبه الكلامية والفقهية المتعددة ،الذي يغلب على مذاهبه الالتزام بمذهب الجمع "الوسطى". .ومن أمثلتها أيضا قطاع من العلماء يرى شرعيه السلطة التي لم تجئ من خلال بيعه صحيحة، باعتبارها عقد اختيار لم يدخله إجبار، وتستبد بالسلطة دون الجماعة، بدلا من أن تكون نائب ووكيل عنها، لها حق تعيينها ومراقبتها وعزلها ،ويرفع شعار الإصلاح لكنه فعليا يرفض التغيير بأنماطه المختلفة ، لذا أطلق عليهم اسم علماء السلطان. ويستند هذا القطاع من العلماء في موقفه هذا إلى عدد من الادله أهمها النصوص الدالة على وجوب طاعة أولى الأمر كقوله تعالى (وأطيعوا الله ورسوله وأولى الأمر منكم)،غير أن طاعة أولى الأمر في الايه وغيرها من النصوص ليست مطلقه كما يلزم من مذهبهم ، بل هي مشروطة بعدم معصية الله تعالى، كما في الحديث( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) . إن مذاهب الإفراد السابقه الذكر ،هي أشكال مختلفة للرؤية الجزئية للعلاقة بين الأبعاد المتعددة للتغيير، والقائمة على التركيز على بعد معين للتغيير وتجاهل الأبعاد الأخرى.
معوقات التغيير الحضاري:
الإفساد في الأرض : كما أن التغيير الحضاري يعوق فاعليته الإفساد في الأرض ، وقد ورد لفظ الفساد في القران الكريم للدلالة على عده معانٍ :
كالشرك والمعاصي و ما يترتب على ذلك من انقطاع الصيد في البحر والقحط في البركما في قوله تعالى (ظهرالفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) ( الروم الآية41)،أو الطغيان والتجبر والاستبداد كما في قوله تعالى(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ *وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ)(البقرة:204-206)،وقوله تعالى(الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ)(الفجر:11-13) ، وقوله تعالى(للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً) (سورة القصص:83)،أو عصيان أوامر الله كما فيقوله تعالى (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً،إن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض …) (سورة المائدة الآية33)،ويدخل ضمن إطار الإفساد في الأرض مفهوم الفساد طبقا لدلالاته الحديثة التي مضمونها( إساءة استعمال السلطة العامة أو الوظيفة العامة للكسب الخاص) .
الإفساد في الأرض ذو معايير " موضوعيه" وغير متوقف على الادعاء "الذاتي"
بالصلاح : وللإفساد في الأرض معايير " موضوعيه"، وبالتالي فهو غير متوقف على الادعاء "الذاتي" بالصلاح كما تقرر النصوص كما قوله تعالى(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا
يَشْعُرُونَ)(البقرة: 11-12)،وقوله تعالى ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ *وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ
الْمِهَادُ)(البقرة:204- 206).
مسجد الضرار : اتساق مع ما سبق أشارت النصوص إلى مسجد الضرار، وهو مصطلح قراني تتضمن دلالته كل مؤسسه غير إسلاميه ( اى تتناقض مع جوهره)، طبقا لمعايير "شروط" موضوعيه أشارت إليها النصوص"كالتفريق بين المؤمنين والضرر وعدم خلوص النية" ،رغم ادعاء أصحابها "الذاتي " بأنها إسلاميه ، قال تعالى (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ و َرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ . لَا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا َ)( التوبة :107-108) ، وقد نهى النص الرسول (صلى الله عليه
وسلم) عن الاقامه فيه (لا تقم فيه أبدا)،وهو ما ترجمته أن حكمه بالنسبة للحاكم الهدم " أو التعطيل بتعبير ابن الجوزى" ، و بالنسبة للعالم الإفتاء بالمنع،وبالنسبة لآحاد الناس الاجتناب.
شمول التغيير الحضاري: وأخيرا فان التغيير الحضاري أكثر شمولا من التغيير الادارى والسياسي لأنه هو تغيير يجمع بين الذاتي(تغيير أنماط
التفكير) والموضوعي (تغيير النظم الاجتماعية:السياسية، الاقتصادية،القانونية...).
التغيير بين الممكن وما ينبغي أن يكون: غير أن تقرير أن مستوى التغيير الثالث"التغيير الحضاري" أكثر شمولا من مستوىي التغير الأول والثاني"التغييرين الادارى والسياسي " ، لا يترتب عليه استبعادهما- كما اشرنا سابقا-وبالتالي فان الالتزام بالتغيير على مستوى ما ينبغي أن يكون"المرتبط بالتغيير الحضاري"،لا يعنى تجاهل الالتزام بالتغيير على مستوى ما هو ممكن"المرتبط بالتغييرين الادارى والسياسي".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.