د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم 

تعريف التسعير: التسعير لغة هو تقدير السعر ، أو هو الذي يقوم عليه الثمن ، يقول الفيومي في المصباح المنير(سعَّرت الشيء (تسعيراً) : جعلت له
(سعراً) معلوماً ينتهي إليه..) .
أما التسعير في الاصطلاح الفقهي فقد تعددت تعريفاته بتعدد الزوايا التي تناوله الفقهاء من خلالها ، ويمكن تعريفه - بالجمع بين هذه الزوايا- بأنه
: تدخل الدولة- تحقيقا للمصلحة العامة - ومضمون هذا التدخل تقدير القيمة التي ينبغي أن يسود البيع عليها ، والغاية منه هو تحقيق العدل ومنع الظلم سواء للبائع والمشترى. يقول الشوكاني (التسعير أمر السلطان ونوابه ، أو كل من ولي من أمور المسلمين شيئاً ، أهل السوق ألا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا ، فيمنعون من الزيادة أو النقصان لمصلحة ) . يقول البيضاوي (السعر هو القيمة التي يشيع البيع عليها في الأسواق، والتسعير : تقدير هذه القيمة ) .ويقول ابن القيم ( التسعير إلزام بالعدل ومنع عن الظلم ، وهو يشمل تسعير السلع والأعمال ) حكم التسعير في الفقه الاسلامى:
مذهب المنع : ذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد، إلى أنه لا يجوز للحاكم أن يسعر على الناس مطلقاً (المنع)، وإن فعل ذلك يكون فعله هذا إكراهاً يكره معه البيع والشراء (الكراهه)، ويمنع صحة البيع عند بعضهم (التحريم). وذهب جمهور من الفقهاء ومنهم فقهاء التابعين، والظاهرية إلى أن الأصل في التسعير هو التحريم. وذهب الحنفية إلى أن الأصل في التسعير انه مكروه، لكن يجوز اللجوء إليه إذا تعين لدفع الضرر العام. وقد استدل انصار هذا المذهب بأدلة ، منها حديث أنس رضي الله عنه ، قال : غلا السعر في المدينة على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال الناس: يا رسول الله غلا السعر ، فسعر لنا : فقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: « إن الله هو المسعِّر ، القابض الباسط الرازق ، وإني لأرجو أن ألقى الله عز وجل ، وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال ». و ما رواه مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بحاطب بن أبي بلتعة، وهو يبيع زبيباً له في السوق ، فقال له عمر: إما أن تزيد في السعر ، وإما أن ترفع من سوقنا، فلما رجع عمر حاسب نفسه ، ثم أتى حاطباً في داره ، فقال: إن الذي قلت لك ليس عزمة مني ولا قضاء ، إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد ، فحيث شئت فبع ، وكيف شئت فبع .
غير أن هذه الأدلة لا تدل على المنع المطلق للتسعير، ولكنها تدل على المنع من التسعير في الأحوال التي يكون التسعير فيها مجحفاً بحق البائع أو العامل الذي يقوم بما يجب عليه من امتناع عن الاحتكار أو التواطؤ لإغلاء الأسعار ورفعها ، يقول ابن تيميه (من احتج على منع التسعير مطلقاً بقول النبى -صلى الله عليه وسلم- « إن الله هو المسعر... » قيل له : هذه قضية معينة ، وليست لفظاً عاماً ، وليس فيها أن أحداً امتنع من بيع ما الناس يحتاجون إليه ، ومعلوم أن الشيء إذا قل رغب الناس في المزايدة فيه ، فإذا بذله صاحبه ، كما جرت به العادة ، ولكن الناس تزايدوا فيه - فهنا لا يسعر عليهم ). فضلا عن أن الحكم بالمنع هنا هو اجتهاد ، لذا كان اختلاف الفقهاء فيه ، و ليس أصل من أصول الدين، والتى لا يباح الخلاف فيها، لذا لم يتحقق الإجماع حوله.
مقارنه مع النظام الاقتصادي الرسمالى : بناءا على ما سبق فان الراى القائل بعدم تدخل الدولة فى التسعير مطلقا ، وترك الأسعار طبقا لقانون العرض والطلب، لا يتسق مع هذا المذهب ، ولا مع التصور الاسلامى للمال ، والقائم على أن الجماعة هي المستخلفة أصلا عن الله تعالى مالك المال فى الانتفاع بالمال ، بل يعبر عن التصور الاقتصادي الراسمالى الليبرالي، والقائم على عدم تدخل الدولة كممثل للمجتمع ،استنادا الى مفهوم القانون الطبيعي، وهو ما اثبت واقع المجتمعات الاوربيه ذاته خطاة ،إذ قبل أن ينتهي القرن التاسع عشر حتى كانت ضرورة تدخل الدولة مسلمه في كل المجتمعات الاوربيه، وان اختلفت في مدى هذا التدخل. إلا انه بعد المتغيرات الدولية المتمثلة في انهيار الكتلة الشرقية وظهور نظام عالمي أحادى القطب تجددت الدعوة التي تشكك في ضرورة تدخل الدولة ، ، وهذه الدعوه شكلت الأساس الايدولوجى للازمه الاقتصادية العالمية ، وهنا تجددت فى المجتمعات ألغربيه مره أخرى الدعوة إلى ضرورة تدخل الدولة ومن اشكاله التسعير ولو بشكل غير مباشر وعبر الدعم غير المباشر.
مذهب الإيجاب: ذهب بعض العلماء ، كسعيد بن المسيب ، وربيعة بن عبد الرحمن
: إلى جواز التسعير مطلقاً (الوجوب).و ذهب المالكية إلى جواز التسعير في الأقوات مع الغلاء ، وقالوا: ليس لمن أتى السوق ، من أهله أو من غير أهله ، أن يبيع السلعة بأقل من سعرها ، ويمنع من ذلك. وله أن يبيع بأكثر .غير ان هذا المذهب لا يفيد الإيجاب المطلق لتسعير لان الحكم بالإيجاب هنا هو اجتهاد ، و ليس أصل من أصول الدين، والتي لا يباح الخلاف فيها.
مقارنه مع المذهب الاقتصادي الماركسي : بناءا على ما سبق فان هذا المذهب لا يتفق مع المذهب الاقتصادي الماركسي الذي انطلق نظريا من الإيجاب المطلق للتسعير استنادا الى مذهبه القائم على الإلغاء الشامل للملكية الفردية لكل أدوات الإنتاج ، لينتهى عمليا إلى إلغاء الملكية الفردية لأدوات الإنتاج الاساسيه(الرئيسية).
مذهب الجمع بين المنع والإيجاب: وذهب كثير من متأخري الحنفية وبعض الحنابلة ، كابن تيمية وابن القيم إلى منع التسعير فى أحوال و ايجابه (جوازا أو وجوبا ) أحياناً أخرى، يقول ابن تيمية: (التسعير منه ما هو ظلم , ومنه ما هو عدل جائز بل واجب) ويقول (إذا تضمن العدل بين الناس , مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل, ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل, فهو جائز بل واجب). و يقول ابن القيم ( فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه, أو منعهم مما أباح الله لهم فهو حرام, وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل, ومنعهم مما يحرم عليهم, من أخذ الزيادة على عوض المثل, فهو جائز, بل واجب) .
والمذهب الذي نرججه ، والذي يتسق مع مضمون مذهب الجمع بين المنع والإيجاب، أن التسعير يختلف الحكم علية طبقا لمصلحة الجماعة، يقول ابن القيم (وجماع الأمر أن مصلحة الناس, إذا لم تتم إلا بالتسعير, سعر عليهم تسعير عدل لا وكس فيه ولا شطط , وإذا اندفعت حاجتهم بدونه, لم يفعل) ، فان كان التسعير في سلعة معينة في ظرف معين لا يحقق مصالحها ويلحق بها الضرر كان المنع ، أما إذا كان التسعير يحقق مصلحة الجماعة كان الإيجاب بشرط ان لا يتضمن السعر الذي تضعه الدولة الضرر للبائع والمشتري .
وللجماعة مصلحه دائمة في وجوب تسعير السلع الضرورية والاستراتيجيه ، دفعا لضرر دائم يتمثل فى وقوع الناس في عبودية فئة تحتكر أرزاقهم ، وهو ما يناقض مع جوهر التصور الإسلامي للمال

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.