د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه بجامعه الخرطوم

تعريف بالشيخ على عبد الرحمن
ولد الشيخ / على عبد الرحمن الأمين بجزيرة توتي بالخرطوم عام1906، وتخرج من كليه غردون التذكارية عام 1926، عمل بالقضاء الشرعي حتى عام 1952 ، عين وزيرا للعدل في أول حكومة سودانيه بعد الاستقلال ، وظل وزيرا في كل الحكومات الوطنية البرلمانية حتى قيام الحكم العسكري 1958، وعاد للوزارة بعد ثوره أكتوبر، وقد كان الشيخ على عبد الرحمن من الأعضاء البارزين في مؤتمر الخريجين ، ومن مؤسسي حزب الأشقاء ، ورئيس حزب الشعب الديموقراطى ،توفى عام 1983.
الخطاب الاسلامى المستنير :تعريفه واهدافه:
مصطلح الخطاب: الخطاب لغة مصطلح ذو دلاله تتصل بالكلام ( الفيروز أبادي/القاموس المحيط/ مادة خطب)، أما اصطلاحا فقد تعددت تعريفات الخطاب
ومنها: (الخطاب هو مرادف لمفهوم الكلام، حيث يحيل إلى كيفية يشغل بها المتكلم اللسان داخل سياق تواصلي ما ) (سوسير).غير أننا نستخدم مصطلح خطاب للدلالة على مذهب معين ، يتضمن جمله من الحلول، للمشاكل التي يطرحها واقع معين زمانا ومكانا.
مصطلحا الاستنارة و التنوير: أما مصطلحي الاستنارة والتنوير فإننا نجد- في السياق الغربي- إن المفهوم الفرنسي لمصطلح تنوير هو الأسبق في اللغات الاوربيه، ويعنى الذكاء و المعرفة وضوح الفكر، ثم أصبح علامة على عصر اوروبى معين(القرنين السابع عشر والثامن عشر)، اعتقد فيه الفلاسفة الغربيون أن أنوار العقل الطبيعي وحدها قادرة على السير بالبشر نحو تقدم العلم والحكمة والحضارة . أما في السياق الاسلامى فان كلمات استنارة تنوير في اللغة العربية مشتقه من الأصل الثلاثي( نور، نار ، أنار) ، وقد استخدم القران اللفظ بدلالته المجازية لوصف الله تعالى ( الله نور السماوات والأرض)، والقران الكريم (وأنزلنا إليكم نورا مبينا)،والرسول(صلى الله عليه وسلم)( وداعيا إلي الله باذنه وسراجا
منيرا) .أما من ناحية الاصطلاح فان لمصطلح التنوير دلاله عامه- مشتركه، تتمثل في التنوير كمفهوم مجرد تشترك في فهمه كل الفلسفات والمناهج ، ومضمونها أن تحرير عقل الإنسان من القيود التي تعوق فعاليته كوسيلة للمعرفة ( كأنماط التفكير الخرافي والاسطورى) ،هو احد شروط نقل اى مجتمع من التخلف الحضاري إلي التقدم الحضاري ، كما أن له دلاله خاصة – منفردة تتمثل في تطبيق مفهوم التنوير في واقع اجتماعي معين زمانا ومكانا ، وطبقا للمعنى الذي تنفرد بفهمه فلسفه ومنهج معرفه معينين .
تعريف الخطاب الاسلامى المستنير: بناءا على ما سبق فإننا نعرف (الخطاب الاسلامى المستنير) بأنه كل مذهب اسلامى ، يهدف- على المستوى الذاتي- إلى تحرير عقل الإنسان المسلم من القيود التي تعوق فعاليته كوسيلة للمعرفة ( كأنماط التفكير الخرافي والاسطورى والبدعى) ، باعتبار أن ذلك هو شرط ذاتي لنقل المجتمعات المسلمة من تخلف النمو الحضاري إلي التقدم الحضاري ، كما يهدف- على المستوى الموضوعي- إلى حل للمشاكل التي يطرحها واقع المجتمعات المسلمة المعين زمانا ومكانا. هذا التعريف يميز بين الإسلام كدين ممثلا في أصوله النصية الثابتة ، والمذاهب الاسلاميه باعتبارها اجتهادا يحتمل الصواب والخطأ، لذا نستخدم مصطلح الخطاب الإسلامي المستنير، ونرفض مصطلح (الإسلام المستنير) الذي يترك مجالا للظن بأن ثمة إسلاما غير مستنير( د.عصمت سيف الدولة، عن العروبة والإسلام، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1986) .
أهداف الخطاب الاسلامى المستنير: ويهدف الخطاب الاسلامى المستنير، إلى تحقيق جمله من الأهداف والغايات، باعتبارها حلولا لمشاكل مشتركه، يطرحها واقع المجتمعات المسلمة المعاصر، واهم هذه الأهداف والغايات هي:
أولا: الحرية: أكد الإسلام على قيمه الحرية بأبعادها المتعددة ،قال تعالى (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي )، وقال تعالى ( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) ( الكهف:29)،وقال تعالى ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ )(يونس:99) ، وقال عمر بن الخطاب ( رضوان الله عليه )( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهم أحراراً) (فتوح مصر : ص
290 ) ، والحرية في المفهوم الإسلامي هي المقدرة على الترقي المادي والروحي للإنسان، أي المقدرة على إشباع حاجاته المادية والروحية ، هذا الترقي له ضوابط تكليفيه (الوحي)،وتكوينيه (السنن الالهيه الكلية والنوعية التي تضبط حركه الوجود) تحده ولا تلغيه فتكمله وتغنيه .
الموقف من الديموقراطيه: اتساقا مع المفهوم الاسلامى للحرية فان الخطاب الاسلامى المستنير ينبغي أن يتجاوز موقفي الرفض المطلق أو القبول المطلق لمفهوم الديموقراطيه، إلى موقف نقدي منها، يقوم على التمييز بين الدلالات المتعددة للمفهوم ، فالإسلام لا يتناقض مع الدلالة العامة – المشتركة لمفهوم الديمقراطية، اى الديموقراطيه كنظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام.أما الدلالة الخاصة – المنفردة للمفهوم ومثالها الديموقراطيه الليبرالية ، فيقوم الموقف الصحيح منها على اخذ وقبول ما لا يناقض أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة، ورد ورفض ما يناقضهما ،هذا الموقف يقوم إذا على قبول مفهوم الديموقراطيه، بعد تقييده بالمفاهيم الكلية للفلسفة السياسية الاسلاميه،والتي هي بمثابة ضوابط موضوعيه مطلقه للتنظير والممارسة السياسية
ثانيا: العدالة الاجتماعية: اعتبر المنظور الاجتماعي الاسلامى ، أن العدل هو قاعدة من قواعد النظام العام الاسلامى (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) (النساء) .كما اعتبر أن العدل الاجتماعي غاية للنشاط الاقتصادي ، وذلك من خلال تقريره لشرطي العدل الاجتماعي: تكافؤ الفرص وعدالة توزيع الثروة التي تتضمن عدالة الأجور، ففيما يتعلق بالشرط الأول (تكافؤ الفرص)، يقول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ( والله ما احد أحق بهذا المال من احد ،وما من احد إلا وله نصيب في هذا المال نصيب أعطيته أو منعته ،فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وعناؤه وحاجته ،والله لئن بقيت لهم ليصلن الرجل حقه من المال وهو في مكانه يرعى). أما فيما يتعلق بالشرط الثاني (عدالة توزيع الثروة وعدالة الأجور) ، روي أن ابوعبيدة تحدث يوماً مع عمر(رضي الله عنه) في استخدام الصحابة في العمل فقال ( أما إن فعلت فأغنهم بالعمالة عن الخيانة )، قال أبو يوسف في تفسيره ( إذا استعملتم علي شيء فابذل لهم العطاء والرزق لا يحتاجون).
ثالثا: الوحدة: حث الإسلام المسلمين على الوحدة ، قال تعالى﴿ واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾.
التمييز بين الوحدة ألتكليفيه والتكوينية:غير انه يجب التمييز(وليس
الفصل) بين الوحدة ألتكليفيه، والوحدة التكوينية، ومصدر هذا التمييز هو التمييز بين أمه التكليف التي تقوم عليها الأولى، وأمه التكوين التي تقوم عليها الثانية. فأمه التكليف هي التي تتميز عن غيرها بالمضمون العقدي كما في قوله تعالى﴿ أن هذه أمتكم أمه واحده وأنا ربكم فاعبدون﴾(الأنبياء:92).
أما أمه التكوين فهي التي تتميز عن غيرها بالمضمون الاجتماعي كما في قوله تعالى ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ﴾(الأعراف:160)، وللاخيره دلالة عامه قد تشمل الاسره أو العشيرة أو القبيلة أو الشعب ،كما أن لها دلالة خاصة مقصورة على الشعب معين ، يتميز عن غيره بالأرض والتاريخ والحضارة .بناء على ما سبق فان الوحدة ألتكليفيه تتحقق بالاتفاق على أصول الدين اليقينية الورود القطعية الدلالة ، مع اباحه الاختلاف في فروعه الظنية الورود والدلالة قال تعالى﴿أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾ (الشورى:13). أما الوحدة التكوينية فتتحقق بالوحدة السياسية لامه معينه اكتمل تكوينها الاجتماعي.
رابعا: الاصاله والمعاصرة (التجديد): ترتبط مشكلة الاصاله والمعاصرة بالمشكلة (الحضارية) ،اى مشكلة كيفية تحقيق التقدم الحضاري في المجتمعات المسلمة؟ و هناك ثلاثة مواقف من هذه المشكلة.
الموقف الأول: (التقليد): يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة يكون بالعودة إلى الماضي ، والعزلة عن المجتمعات المعاصرة، وبمنظور علم أصول الفقه هو موقف يقوم على الوقوف عند أصول الدين وفروعه.و التَّقْلِيدِ بالاصطلاح الشرعي قَبُولُ قَوْلِ الْقَائِلِ بِلَا حُجَّةٍ يَذْكُرُهَا ( شرح المحلي على الورقات)، وقد ذم القران التقليد (وإذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه إباءنا)(لقمان:21).
كما نهى عنه الائمه : يقول الإمام احمد بن حنبل( لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي ولا الثوري، وخذوا من حيث اخذوا)(ابن القيم أعلام الموقعين،ج2، ص302).
الموقف الثاني: (التغريب): يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة لا يمكن أن يتم إلا باجتثاث الجذور ، وتبني قيم المجتمعات الغربية. وفي منظور علم أصول الفقه يقوم على تبني قيم حضارة أخرى تناقض أصول الدين وفروعه ” وقد لا يعي أصحاب هذا الموقف بهذا التناقض”.
الموقف الثالث: الاصاله والمعاصرة (التجديد): أما الموقف الذي يعبر عن الخطاب الاسلامى المستنير فهو الموقف الذي يجمع بين الاصاله والمعاصرة من خلال تقرير أن تحقيق التقدم الحضاري لمجتمعات المسلمة ، يتم باستيعاب ما لا يناقض أصول الإسلام كدين (التي تمثل الهيكل الحضاري للمجتمعات
المسلمة) ، سواء كانت من اجتهادات المسلمين ، أو إسهامات المجتمعات المعاصرة الأخرى. كما انه موقف يسند إلى التجديد، والتجديد لغة أعاده الشيء الى سيرته الأولى (لسان العرب 3/111) ،أما في الاصطلاح الشرعي فهو الاجتهاد في فروع الدين المتغيرة، والمقيد”المحدود” بأصوله الثابتة ، قال (صلى الله عليه وسلم) (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) (سنن أبى داود، كتاب الملاحم، باب ما يذكر في قرن المائة ح رقم 3740 والحاكم فى المستدرك 4/522).
الخطاب الاسلامى المستنير عند الشيخ على عبد الرحمن::
المستوى النظري"الفكرى":
مرونة التشريع الاسلامى: يقرر الشيخ على عبد الرحمن مرونة التشريع الاسلامى من خلال وضعه قواعد شامله لاستنباط الأحكام اللازمة لاى مكان ، حيث يقول (إن الإسلام جاء مكملا للرسالات الالهيه السابقة ، هادفا إلى وحده البشرية...فكان من الطبيعي وهذا هدفه أن يكون تشريعه من المرونة بحيث يشمل جميع الأسس القانونية اللازمة لأقامه المجتمع الفاضل ، وان يضع القواعد العامة التي تكفل صيانة حقوق الأفراد والجماعات، لذلك جاء القران ببعض التشريعات المحددة والمنصوص المنصبة على حوادث معينه، ولكنه إلى جانب ذلك وضع أسسا عامه، وقواعد شامله لاستنباط الأحكام اللازمة لكل تصرف يحدث في اى مكان ) (الإسلام يواجهه الاستعمار والوثنية والصهيونية ، دار الوطني للنشر والإعلان والتوزيع، 1978، ص26).
تحرير الرق كغاية التشريع الاسلامى : ويوضح أن الإسلام دعا إلى تحرير الرق من خلال قاعدة تضييق المدخل وتوسيع المخرج ، حيث يقول ( ولكن الإسلام بعد أن أوصد جميع الأبواب التي يدخل منها الإنسان إلى سجن الاسترقاق ، ولم يترك إلا بابا واحدا "الأسرى " ضيقه إلى حد بعيد ، وأعطى الإنسان فرصا عديدا ليتفادى الدخول فيه، وعمد الإسلام إلى أسوار ذلك السجن ، ففتح فيها أبوابا كثيرة واسعة، يخرج السجين من اى الأبواب شاء )( المرجع السابق ، ص 35).
ضوابط تعدد الزوجات: كما يرى أن إثبات الشريعة الاسلاميه لتعدد الزوجات هو إثبات مقيد بجمله من الضوابط والشروط ، حيث يقول (فكذلك اعترف بتعدد الزوجات، ومع انه حصره في أربعه زوجات كحد أقصى، إلا انه في الواقع أحاطه بشروط جعلته بمثابة الجرعة من الدواء، لا تعطى لمريض إلا لمرض يتوقف شفائه على تعاطي تلك الجرعة)( المرجع السابق ، ص40).
تجاوز موقفي الرفض والقبول المطلقين إلى موقف نقدى من التصوف: ويدعو إلى تجاوز موقفي الرفض المطلق والقبول المطلق من التصوف والطرق الصوفية، إلى موقف نقدي يقوم على اخذ الايجابيات ورد السلبيات ، حيث يقول ( يحمل كثير من العلماء والمثقفين ، بل ومن الأشخاص العاديين على الطرق الصوفية، ويعتبرونها انحرافا شوه سمعه الإسلام، ووسيلة انتهازيه يتخذها بعض مشايخ الصوفية للمعيشة ... ويدافع أصحاب الطرق مبررين عملهم بالقول المشهور(من تفقه ولم يتحقق فقد تزندق )... وفى اعتقادي أن التصوف له اثر كبير في إيقاظ القلوب، وتعميق الذكر في النفوس ، وإعداد المرء لتلقى الفتوحات الالهيه، لكن زوائد كثيرة، وأفعال منكره ،وصرخات مفتعله ، ورقص وصرع وانفعالات أضافها المتأخرون، وهى ليست من الدين في قليل ولا كثير ، فاختلط الأمر، وامتزج الخير بالشر، واشترك المعروف بالمنكر ، فيحتاج المجتمع المسلم فيما يحتاج إليه، إجراء تصفيه تنفى عن المتصوفين هذه
الهنات) ( المرجع السابق ، ص 115).
تجاوز موقفي الرفض والقبول المطلقين إلى موقف نقدى من الفكر الغربي: كما يدعو إلى تجاوز موقفي الرفض المطلق و القبول المطلق من الفكر الغربي، إلى موقف نقدي يقوم على قبول ما وافق أصول الدين ورفض ما تعارض معها ، حيث يدعو على سبيل المثال إلى ( دراسة النظريات الاقتصاديه المعاصرة، التي حدثت بعد ركود الفكر الاسلامى كالمعاملات البنكية، والتأمينات وأمثالها، لمعرفه رأى الإسلام فيها ، وتعديلها بحيث تتفق مع التشريع الاسلامى، أو إيجاد بديل عن اى تصرف اقتصادي مناقض للأحكام الاسلاميه ، بحيث يقوم ذلك البديل الاسلامى بالفوائد ألاقتصاديه التي يهدف إليها هذا التصرف الخاطئ )(المرجع السابق، ص6 ).
الدعوه إلى الاصلاح: ويدعو الشيخ على عبد الرحمن إلى ثوره اصلاحيه حيث يقول (وفوق ذلك لابد من قيام بثوره اصلاحيه، تعود بهم إلى الإسلام الحق ، وتزيل من أذهانهم وأعمالهم وأفعالهم ما جعلهم الآن أيضا مسلمين اسميا- أرى أن يستند أمر الدعوة الاسلاميه إلى نخبه من العلماء الباحثين ليكونوا هم المسئولين عن أداء هذا الواجب) (على عبد الرحمن من خلال أوراقه ومذكراته ، جمع وتحرير ا.د . قاسم عثمان . ا.د. عاصم على عبد الرحمن ، مركز قاسم لخدمات المكتبات 2017 ص 157).
التمييز بين التقليد الاعمى والتقليد البصير:كما يقرر الشيخ على عبد الرحمن أن التقليد صفه ملازمه للنفس، وفى نفس الوقت صفه مكتسبه،وانه من لوازم الفرد ومن مظاهر الأمم وصفات الشعوب، ولكن يجب التمييز بين المقلد البصير وهو من يدرك بثاقب راية - فيم يقلد ولماذا يقلد ومن يقلد فيزن الأمور بميزان ألحكمه، وينقدها بعين البصيرة. والمقلد الأعمى الذي لا يتجاوز نظره موقع أقدامه ولا يتعدى تفكيره محيط داره ، هو من بخدعه الباطل مادام مظهره خلابا ( النهضة السودانية العدد 14، نقلا عن كتاب :
على عبد الرحمن من خلال أوراقه ومذكراته ، من ص 178 إلى ص 180) المستوى العملى"السياسى ":
الدعوه الى محاربه الاستعمار والصهيونية : يدعو الشيخ على عبد الرحمن إلى محاربه الاستعمار القديم والجديد ،ورفع كاهله عن صدر الأمم الاسلاميه...
ومحاربه الصهيونية المتحالفة مع الاستعمار والمتغلغلة في إرجاء العالم الاسلامى ، والجاثمة فوق صدر البلاد الاسلاميه ألمقدسه)(الإسلام يواجهه الاستعمار والوثنية والصهيونية ، دار الوطني للنشر والإعلان والتوزيع، 1978، ص6 ).
علاقة الانتماء العربية لسانيه حضاريه وليست عرقيه : يقرر الشيخ على عبد الرحمن علاقة الانتماء العربية كعلاقة انتماء لساني حضاري وليس كعلاقة انتماء عرقي حيث يقول ( إن القومية العربية ليست عنصريه ، بل هي لغة واحده وكيان مشترك، ووحده سياسيه عميقة الجذور ومشاعر متجاوبة ومصالح مشتركه ، وقد تكونت بعد سنين قليله من تدفق التيار العربي من جزيرة العرب ، وغمر كل هذه المناطق منذ خلافه سيدنا عمر بن الخطاب إلى يومنا هذا )(على عبد الرحمن ، الديموقراطيه والاشتراكية في السودان ، منشورات المكتبة العصرية ، بيروت،1970، ص 22) تقرير علاقة الانتماء العربية للشخصية السودانية : وبناء على تقريره أن علاقة الانتماء العربية هي علاقة انتماء لساني - وليس عرقي- فانه يقرر علاقة الانتماء العربية للشخصية الحضارية السودانية المشتركة،بصرف النظر عن الشخصيات الحضارية السودانية الخاصة (القبلية والشعوبية)، وبصرف النظر عن أصولها العرقية ، حيث يقول ( فالسودان يدخل كله في نطاق القومية العربية ، سواء في ذلك النوبة والبجه والفور والعرب والحاميين...) (المرجع السابق، ص 32).
التكامل بين الوحدة العربية والوحدة الاسلاميه : يميز الشيخ على عبد الرحمن بين الوحدة الاسلاميه و الوحدة العربية من حيث أن الأولى اقرب للدولة الكونفدراليه (التعاهديه)، بينما الثانية هي اقرب للدولة البسيطة أو الفيدرالية حيث يقول (و ينبغي أن يكون مفهوما أن اى حديث عن الجامعة الاسلاميه لا يعنى قيام دوله إسلاميه موحده ، ولا إلى تكوين إمبراطوريه واحده ذات نظام فيدرالي، ولكن إذا تكلمنا عن الجامعة العربية فالموقف مختلف، فإننا نعنى الوحدة العربية الشاملة، والامبراطوريه السياسية العربية الموحدة )،(الإسلام يواجهه الاستعمار والوثنية والصهيونية ، دار الوطني للنشر والإعلان والتوزيع، 1978،ص 106 ) ، ويقول ( أما الجامعة الاسلاميه التي ستاتى بعد المرحلة الثانية فاني لا أتخيلها وحده سياسيه ولا دوله موحده ، بل أتخيلها رابطه للشعوب الاسلاميه ،مع احتفاظ كل شعب بوطنه ودولته وحدوده)( المرجع السابق، ص 113)، لكن تمييزه بين الوحدة العربية والوحدة الاسلاميه لم يحول دون ربطه بينهما ، باعتبار أن الوحدة العربية هي الخطوة الأولى فى طريق الوحدة الاسلاميه حيث يقول ( والجامعة العربية في نظري هي الخطوة الأولى في طريق الجامعة الاسلاميه)( المرجع السابق ، ص 108 ).
رفض المفهوم الليبرالي للديموقراطيه: يؤمن الشيخ على عبد الرحمن بالديموقراطيه كنظام فني لضمان منع استبداد الحكام بالشعب، إلا انه يرفض المفهوم الليبرالى الديموقراطيه حيث يقول (فالديموقرطيه الليبرالية والحال هذه ليست ديمقراطيه تمثل أراده الشعب أو ترعى مصالحه، بل هي في الواقع أداه يحركها الإقطاعيون والرأسماليون وزعماء الطوائف والقبائل، لان هؤلاء يتحكمون في لقمه العيش ، وهم الذين يملكون سلاح الإرهاب المادي، وسلاح الضغط الفكري ويملكون وسائل الخديعة والإغراء)( المرجع السابق ، ص 111 .) الربط بين الديموقراطيه والاشتراكية: كما يرفض الشيخ على عبد الرحمن الفصل بين الديموقراطيه والاشتراكية، ويدعو إلى الربط بينهما ،حيث يقول( ونخرج من هذا العرض بنتيجة واضحة، وهى أن الديموقراطيه لا تتحقق إلا إذا ارتكزت على الاشتراكية، كما أن النظام الاشتراكي لا يقوم إلا على أسس الديموقراطيه، فهما جناحان لا يستطيع الشعب أن يحلق في سماء الحرية إلا يهما معا )(المرجع السابق ، ص 107).
الدعوة إلى مذهب اسلامى فى الاشتراكية: غير انه يحدد الاشتراكية التي يدعو لها بأنها الاشتراكية التي يدعو لها الإسلام حيث يقول (أما الاشتراكية التي نتمسك بها، وندعو إليها، ونجد فيها الحل الصحيح لمشاكل الشعب الاجتماعية والاقتصادية فهي الاشتراكية النابعة من واقع الشعب ودينه وخلقه ، وهى الاشتراكية التي يدعو لها الإسلام، وتنطبق على فلسفته وتعاليمه(المرجع السابق ، ص164).
الموقف النقدي من الماركسية : ويأخذ الشيخ على عبد الرحمن بموقف نقدي من الماركسية، يقوم على اخذ الايجابيات ورفض السلبيات، فيأخذ منها الاشتراكية ويرفض موقفها السلبي من من الدين والقومية ، وقولها بالشيوعية ومرحليه الاشتراكية حيث يقول ( أما الحزب الشيوعي فقد سبق جميع الأحزاب في الدعوة إلى الاشتراكية، ولكنها اشتراكيه ماركسيه لا تؤمن بالقومية العربية ، ولا تؤمن بالأديان ،وهى في نفس الوقت اشتراكيه مرحليه يمر بها المجتمع وهو سائر في طريقه إلى تحقيق الشيوعية)(المرجع السابق، ص 117).
ادانته استخدام جماعه الإخوان المسلمين للارهاب والتضليل: ويدين الشيخ على عبد الرحمن استخدام جماعه الإخوان المسلمين للإرهاب والتضليل ، حيث يقول في معرض حديثه عن رفع الإخوان المسلمين لشعار الاشتراكية حينها (والإخوان المسلمون نادوا بالاشتراكية تحت ستار الإسلام، وهم حزب فاشي يعتمد الإرهاب والتضليل فلا يمكن أن يكون اشتراكيا )(المرجع السابق ، ص116).
موقفه الايجابي من الزعيم جمال عبد الناصر : و يتخذ الشيخ على عبد الرحمن موقفا ايجابيا من جمال عبد الناصر باعتباره زعيم تاريخي للامه العربية ، حيث يقول في رثائه ( كان عبد الناصر قائدا ومعلما لكل الامه العربية...والجميع يشعرون شعورا قويا أن عبد الناصر هو الزعيم الذى التف حوله العرب ، ووجدوا فيه القائد الشجاع ، والمعلم القدير والزعيم الذى اختلطت بمشاعره وتفكيره كل مشاكل الامه العربية وآلامها وآمالها، فكان فقده صدمه قوميه هزت كل جوانب الوطن العربي)(المرجع السابق ، ص 176).
موقفه من الثورة والدولة المهدية : يرى كثير من الباحثين أن الشيخ على عبد الرحمن اتخذ موقفا سلبيا من الثورة و الدولة المهدية ،واستندا إلى بعض أقواله ومنها قوله ( إن الدعوة المهدية من الوجهة الدينية استندت إلى أحاديث ضعيفة والى أسباب واهية، ومن الناحية السياسية كانت الثورة المهدية وبالا على الشعب السوداني، لما نتج منها من هلاك وخراب وتدمير- صحيح أن الثورة المهدية أزاحت الحكم الاجنبى من بلادها إثناء سيرها دون أن يكون ذلك هو هدفها الذي قامت من اجله ، ولكنها مهدت لحكم اجنبى اشد ضراوة وأكثر ضررا دون أن تكون ذلك عن قصد منها أيضا)(المرجع السابق، ص
30) . و ربما كان مرجع هذا الموقف السلبي الصراع السياسي بين حزب الامه المعبر عن طائفة الأنصار(أنصار المهدي) والأحزاب الاتحادية - التي ينتمى إليها – غير أن هذه الأقوال لا تحول دون فهمها في سياق موقف نقدي –نرى انه هو الموقف الصحيح من اى تجربه انسانيه -، يقر بايجابيات الثورة المهدية كما يقر بسلبياتها ، وهذا الموقف نجده في ثنايا أقواله ، ومنها ثنائه على تقوى وتدين الإمام المهدي "...فكان مثالا للمريد التقى الورع الزاهد الكثير الخشوع المتواصل الركوع والسجود.. مما اكسبه احترام الجميع وتقدير الخواص والعوام)( الشيخ على عبد الرحمن من خلال أوراقه ومذكراته ، جمع وتحرير ا.د . قاسم عثمان . ا.د. عاصم على عبد الرحمن ، مركز قاسم لخدمات المكتبات 2017 ، ص 50)، وكذلك تقريره" أن الحروب المهدية أظهرت ضروبا من البسالة والشجاعة وأنواعا من البطولات ، التي لم يرها العالم إلا من خلال الأساطير )(المرجع السابق، ص 55).
- للاطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة العنوان (http://drsabrikhalil.wordpress.com).

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.