د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم

تمهيد(ملخص الدراسة) : هذه الدراسة هي محاوله للربط بين مفهوم الاستخلاف
القرانى، بأبعاده الحكمية(الفلسفية) "الاستخلاف كحكمه " فلسفه "
إسلاميه"، والمعرفية "الاستخلاف كنظريه معرفة إسلاميه " ، والمنهجية
"الاستخلاف كمنهج معرفه اسلامى" ، والتصوف الاسلامى " السني" ، القائم
على الضبط الشرعي للاعتقاد والسلوك الصوفي . هذا الربط يؤسس لما أطلقنا
عليه اسم " التصوف الاستخلافى"، الذي يلزم منه تدعيم الاستخلاف بأبعاده
المتعددة "السياسية ، الاجتماعية ، ألاقتصاديه..". لأنه يثبت الوجود
الانسانى بأبعاده المتعددة- ومن ثم يثبت فاعليته. وهو نقيض لنمط أخر من
أنماط التصوف ، يلزم منه تكريس الاستضعاف بإلغائه للوجود الانسانى –
بإلغائه لبعض أبعاده – ومن ثم إلغاء فاعليته "– لذا يمكن أن نطلق عليه
اسم التصوف الاستضعافى- ومن ثم بفتح الطريق إمام الخضوع للاستكبار
بإشكاله المتعددة " الخارجي والداخلي: السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي...
وهذا النمط من أنماط التصوف يستند إلى التصوف البدعى " الذي يطلق عليه -
خطا - اسم التصوف الفلسفي"، والمستند إلى مفاهيم أجنبيه "كالحلول
والاتحاد ووحده الوجود"، والذي لا يلتزم بالضبط الشرعي للاعتقاد والسلوك
الصوفي . كما تقرر الدراسة أن التصوف الاستخلافى يقوم على الضبط الشرعي
لمفهوم" الأحوال والمقامات - الذي أشار إليه أعلام التصوف الاسلامى - من
خلال: أولا: اعتبار أن الأحوال والمقامات هي درجات “مراحل” الترقي الروحي
للإنسان استنادا إلى تقرير القرآن أن الوجود الإنساني ينبغي أن يكون في
صعود دائم عبر درجات كما في قوله تعالى ﴿ يرفع الله الدين آمنوا منكم
والذين أوتوا العلم درجات﴾، وأوجه الاختلاف بين الأحوال والمقامات، أن
الاولى تمثل الدرجات الذاتية لهذا الترقي الروحي ، متمثله في الأنماط
الانفعالية والمعرفية ، التي تجئ كمحصله لالتزام الإنسان بمجموعه من
القواعد التي تحدد للإنسان ما ينبغي أن يكون عليه وجدانه وتفكيره. بينما
الثانيه تمثل درجات هذا الترقي الروحي الموضوعية، متمثله في الأنماط
السلوكية، التي تجئ كمحصله لالتزام الإنسان بمجموعه القواعد ، التي تحدد
له ما ينبغي أن يكون عليه سلوكه. ثانيا: رفض تصور التصوف البدعى للأحوال
والمقامات ، والقائم على أن لهذا الترقي الروحي نهاية هي الوصول إلى الله
تعالى “بالحلول أو الاتحاد او الوحدة “) ، وان كل درجه من درجات هذا
الترقي الروحي تنعدم بالانتقال إلى درجه اعلي ، لأنه يتعارض مع العقيدة
الاسلاميه . والاخذ بتصور للأحوال والمقامات - يقارب تصور التصوف السني
لها – مضمونه انه ليس للترقي الروحي للإنسان نهاية ، وان كل درجه من
درجات هذا الترقي الروحي لا تنعدم بالانتقال إلى درجه اعلي ، وهنا يمكن
الاستئناس بقول الإمام ابن القيم (اعلم أن ترتيب هذه المقامات ليس
باعتبار أن السالك يقطع المقام ويفارقه وينتقل منه إلى التالي بعده ،
كمنازل السير الحسي، وإنما هذا الترتيب ترتيب المشروط المتوقف على شرط
المصاحب له )( مدارج السالكين: 1/ 108 -109 ). وتقدم الدراسة نموذجا
للضبط الشرعي للأحوال والمقامات عند الإمام ابن القيم . كما تقرر الدراسة
أن التصوف الاستخلافى يستند إلى مذهب الإثبات المقيد لمراتب الولاية
ودرجاتها- والتي عبر عنها الصوفية بمصطلحات: كالأقطاب والإبدال والأوتاد
والنقباء والنجباء - و الذي يتجاوز موقفي الإثبات والنفي المطلقين لها ،
ويلتزم بموقف قائم على إثبات هذه المراتب والدرجات ، في حال اتساقها –
أو عدم تعارضها- مع مفاهيم وقيم وقواعد الدين الكلية ، ونفى هذه المراتب
والدرجات في حال تعارضها مع هذه المفاهيم والقيم والقواعد ، فهذا
الموقف يتجاوز مذهب الإجمال اى المذهب الذي يضع حكما كليا بالرفض أو
القبول لهذه المراتب والدرجات، إلى المذهب التفصيل اى المذهب الذي يميز
بين الكيفيات المتعددة لهذه المراتب والدرجات: فهناك الكيفية التي تستند
إلى مفاهيم ونظريات ذات مصدر أجنبي ، تتعارض مع الإسلام كدين “كالحلول
والاتحاد ووحده الوجود”، وهذه الكيفية مرفوضة ، ،وهناك الكيفية التي
تستند إلى المفاهيم والقيم والقواعد الكلية للدين ، والفهم الصحيح
للدين ، كما قرره السلف الصالح وعلماء أهل السنة ، وهذه الكيفية مقبولة .
ويمكن الاستئناس هنا بإقرار بعض السلف وبعض علماء أهل السنة بمراتب
ودرجات الولاية ، لكن بكيفية تتسق مع مفاهيم وقيم وقواعد الدين الكلية.
تعريف وأقسام ومستويات الاستخلاف :
1- تعريف الاستخلاف لغة واصطلاحا : الاستخلاف لغة النيابة والوكالة
(الفخر الرازي ، التفسير الكبير ومفاتيح الغيب،ج26، ص199). والوكالة
نوعان:عامه وهى نيابة شامله، وخاصة وهى نيابة مقصورة على موضوع معين، وقد
ورد مصطلح الاستخلاف في القران بما يقابل هذين النوعين ، فقد ورد بمعنى
الوكالة العامة “ الشاملة ” ، وطبقا للمعنى الحقيقي للمصطلح ، وهو هنا
يعنى أبدال وتغيير قوم بقوم آخرين ، كما في الاستخلاف التكويني
“الاجتماعي”، كما ورد بمعنى الوكالة الخاصة ” المقصورة على موضوع معين “،
وطبقا للمعنى المجازى للمصطلح، حيث يصور القران الوجود بمملكه ملكها الله
تعالى والإنسان نائب ووكيل عنه في الأرض، تكريما للإنسان، وهو الاستخلاف
التكليفى ، يقول الراغب الاصفهانى ( الخلافة النيابة عن الغير إما لغيبه
المنوب عنه…وإما لتشريف المستخلف )( المفردات في غريب القران ، ص156).
2- أقسام الاستخلاف:
أولا:الاستخلاف الخاص(المعين): وهو استخلاف فرد معين، وهو مقصور على
الأنبياء والرسل (عليهم السلام)،ومثال له قوله تعالى:﴿ يا داؤد إنا
جعلناك في الأرض خليفة فاحكم بين الناس بالحق﴾،وبختم النبوة وانقطاع
الوحي بوفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) انتهى هذا القسم من أقسام
الاستخلاف .
ثانيا:الاستخلاف العام(المجرد) : وهو استخلاف الجماعة، ولا ينفرد به إي
فرد أو فئة و أدلته، ومثال له قوله تعالى ﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض
ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم﴾، وفي السنة النبوية قوله
(صلى الله عليه وسلم)(إن الدنيا حلوة خضرة وان الله مستخلفكم فيها فناظر
كيف تعملون) ( مسلم: ذكر, 99, الترمذي فتن36).
ا- الاستخلاف التكويني : ومضمونه أن الله تعالى أودع في الإنسان( من حيث
هو إنسان) إمكانية تحقيق الاستخلاف في الأرض ، وذلك بتوافر امكانيه معرفه
والتزام السنن إلالهيه التي تضبط حركة الوجود، وفي القرآن العديد من
الآيات تشير إلى هذا النوع من الاستخلاف كقوله تعالى ﴿ ثم
ب-الاستخلاف ألتكليفي : و مضمونه إظهار الإنسان لربوبية الله تعالى
وإلوهيته في الأرض، بالعبودية والعبادة ، على المستوى الصفاتى، يقول
الإمام الماتريدى(وجائز أن يكونوا خلفاء في إظهار أحكام الله ودينه)(
تأويلات أهل السنة، ج1) ، ويقول الالوسى( فلابد من إظهار من تم استعداده
وقابليته ليكون مجليا لي ومراه لاسمائى وصفاتي) (روح المعاني،ص223)، وهذا
النوع من أنواع الاستخلاف مقصور على الذين يلتزمون بالوحي ، فهو يحد
النوع السابق ولا يلغيه فيكمله ، وقد أشار القرآن إلى هذا النوع من
الاستخلاف أيضا كما في قوله تعالى ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا
الصالحات ليستخلفنهم في الأرض﴾.ومن أدله هذا النوع من أنواع الاستخلاف –
الذي طبقا له يكون الإنسان الملتزم بالوحي”سواء كان فردا أو جماعه ”
خليفة الله في الأرض- في السيرة: : قول الصحابي للرسول (صلى الله عليه
وسلم)( تأذن لي يا خليفة الله أضرب عنقه) ( أبي داؤد, حدود,3ك). وعن
السلف الصالح: قال المغيرة لعمر: (يا خليفة الله فقال ذاك نبي الله
داؤد)( التاج في أخلاق الملوك, بيروت, 1955 هامش ص162) . وقال علي أبن
أبي طالب (… أؤلئك خلفاء الله في أرضه بما استلا نوه مما استرعاه
المترفون, وانسوا مما استوحش منه الجاهلون)( ابن القيم مفتاح السعادة,
دار العهد الجديد, مصر ص 123). وعن علماء أهل السنة قال ابن الجوزي(
فكلما جد العباد صاح بهم لسان الحال عبادتكم لا يتعداكم نفعها, وإنما
يتعدى نفع العلماء وهم ورثة الأنبياء وخلفاء الله في الأرض)( أبن الجوزي
، صيد الخاطر، ج 2 ، ص 151).وقد قال البعض أن ابن تيميه أنكر جواز
استخدام مصطلح “خليفة الله “مطلقا، استنادا إلى نفيه قول الشيعة أن
الإمام هو خليفة الله في أرضه (منهاج السنة النبوية، ج1، ص136-137)،
والصواب هو أن ابن تيميه أنكر جواز استخدام مصطلح” خليفة الله ” على وجه
يفيد أن استخلاف الإمام هو شكل من أشكال الاستخلاف الخاص ، والذي مضمونه
استخلاف فرد معين، لأنه مقصور على الأنبياء والرسل، وبختم النبوة بوفاة
الرسول انتهى هذا القسم من أقسام الاستخلاف ، وهذا القول يلزم منه
المساواة بين الإمام والنبي في الدرجة ، كما أنكر استخدام مصطلح “خليفة
الله ” على وجه يفيد غيبه المستخلف ” الله تعالى ” ، ولكنه لم ينكر
استخدام مصطلح “خليفة الله ” بإطلاق ، بدليل استخدامه له في سياق أخر حيث
يقول ( … وقد كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وهو خليفة الله على
الأرض قد وكل أعوانًا يمنعون الداخل من تقبيل الأرض، ويؤدبهم إذا قبل أحد
الأرض…) ( الفتاوى/ زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور/حكم وضع الرأس عند
الكبراء من الشيوخ وتقبيل الأرض).
3- مستويات الاستخلاف العام :
ا- مستوى اجتماعي:وهو مستواه الاصلى، لان الجماعة هي المستخلفة عن الله أصلا.
ب- مستوى فردى: وهو مستوى تبعى، فالفرد مستخلف عن الله بالتبعية،
فالمستوى الاجتماعي للاستخلاف "العام" يحد مستواه الفردي كما يحد الكل
الجزء فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه .وهو استخلاف للفرد بدون انفراد ،
وبدون تعيين (كما في الاستخلاف الخاص).
البعد الحكمي ” الفلسفي” لمفهوم الاستخلاف: يتمثل البعد الحكمي “الفلسفي”
لمفهوم الاستخلاف ، في الاستخلاف كحكمه ” فلسفه ” إسلاميه، تقوم على
محاوله تحديد العلاقة بين المستخلف” الله تعالى” والمستخلف”الإنسان”
والمستخلف فيه “الكون”- اى محاوله تحديد العلاقة بين أطراف علاقة
الاستخلاف – وذلك باتخاذ المفاهيم ألقرانيه الكلية ( التوحيد والاستخلاف
والتسخير) مسلمات أولى ، ثم محاوله استنباط النتائج الحكمية”الفلسفية”
لهذه المفاهيم الكلية، متخذه من اجتهادات أهل السنة – بمذاهبهم العقدية
“الكلامية ” المتعددة- نقطه بداية- وليس نقطه نهايه – لهذا الاجتهاد.
الحكمة والمفهوم الاسلامى للفلسفة: والدراسة تنطلق في تحديدها للاستخلاف
كفلسفة ”حكمه” إسلاميه من المفهوم الاسلامى للفلسفة سواء استخدمت مصطلح”
الحكمة ” أو مصطلح “الفلسفة” فالدلالة الأصلية لمصطلح فلسفة يرجع إلى لفظ
يوناني مشتق من كلمتي (فيلو) و (سوفيا) أي محبة الحكمة، و إذا كان
القدماء اليونانيين قد اكتفوا بوصف الإنسان بأنه محب للحكمة ، فان القران
الكريم قد جمع بين وصف الله تعالى بالحكمة، كما في قوله تعالى(والله عزيز
حكيم) (المائدة: 38)، ووصف الإنسان بالحكمة، كما في قوله تعالى( ومن يؤت
الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ..)، مع وجوب أن نضع في الاعتبار أن الحكمة
إلهيه مطلقه ، والحكمة الانسانيه محدودة ، بناء على هذا فإننا نرى إن
مصطلح (حكمة ) هو المصطلح القرآني المقابل لمصطلح (فلسفة) في الفكر
الغربي ، وهذا ما يمكن استنباطه من ورود مصطلح الحكمة في القرآن بمعاني
كالعقل والعلم والفهم والإصابة في القول ( ابن كثير، تفسير القرآن
العظيم. زبده التفسير من فتح القدير، ص540.) غير أننا نرى انه لا حرج من
استخدام مصطلح الفلسفه ، ما دام هذا الاستخدام للفظ ذو دلاله لا تتناقض
مع مفاهيم وقيم وقواعد الوحي الكلية ، وهنا نستأنس بتقرير العلماء لقاعدة
(لا مشاحة في الألفاظ بعد معرفة المعاني)( المستصفى: 1/23 ) ، وإذا كان
العلماء قد أجمعوا على أنه ليس في القرآن ” كلام مركب من ألفاظ أعجمية ”
يعطي معنى من هذا التركيب ،فأنهم قد اجمعوا أيضا على أن في القرآن ”
أسماء أعلام أعجمية … يقول القرطبي في مقدمة تفسيره ( لا خلاف بين الأئمة
أنه ليس في القرآن كلام مركب على أساليب غير العرب ، وأن في القرآن أسماء
أعلاماً لمن لسانه غير لسان العرب كإسرائيل وجبريل وعمران ونوح ولوط )
(تفسير القرطبي : 1 / 68 ) ، كما العديد من علماء الإسلام قد استخدموا
مصطلح الفلسفة ، يقول أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ( الشافعي فيلسوف في أربعة
أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه (البيهقي ، معرفة
السنن والآثار (1/118 ). وابن عساكر ، تاريخ دمشق 51/350).
المفاهيم الكلية: وينطلق الاستخلاف كحكمه ” فلسفه " إسلاميه من ثلاثة
مفاهيم قرانيه كليه هي:
ا/ مفهوم التوحيد : ومضمونه إفراد الربوبية والالوهيه لله تعالى ، فهو
بالتالي ينقسم إلى توحيد الربوبية الذي مضمونه أن الله تعالى ينفرد بكونه
الفاعل المطلق(الدائم كونه فاعلا فتعبير ابن تيميه ) ، يقول الإمام ابن
تيميه في معرض رفضه لاستدلال المتكلمين على وجود الله بطريقه الأعراض
الدالة على حدوث الأجسام ( إن هذا المسلك مبنى على امتناع دوام كون الرب
فاعلا وامتناع قيام الأفعال الاختيارية بذاته) (ابن تيميه، درء
التعارض،1/98.)، أما مضمون توحيد الإلوهية فهو أن الله تعالى ينفرد بكونه
الغاية المطلقة( الغاية المطلوب بتعبير ابن تيميه)، يقول ابن تيمية ( ….
ولكن المراد المستعان على قسمين: منه ما يراد لغيره ….. ومنه ما يراد
لنفسه فمن المرادات ما يكون هو الغاية المطلوب فهو الذي يذل له الطالب
ويحبه وهو الإله المعبود ومنه ما يراد لغيره).. الظهور الصفاتى والذاتي
للربوبية : وللفعل المطلق الذي عبر عنه القران الكريم بمصطلح “الربوبية”،
ظهور صفاتي وظهور ذاتي :
ا/الظهور الصفاتى : ومضمونه أن عالم الشهادة قائم على ظهور صفات الربوبية
” اى ما دل على الفعل المطلق لله تعالى”، يقول ابن القيم ( فالكون كما هو
محل الخلق والأمر ، مظهر الأسماء والصفات ، فهو بجميعه شواهد وأدله وآيات
دعا الله سبحانه عباده إلى النظر فيها)، ولهذا الظهور شكلين: الأول
تكويني: يتمثل في الكون، والسنن الإلهية التي تضبط حركته ، يقول ابن
تيميه(المخلوقات كلها آيات للخالق والفرق بين الايه والقياس إن الايه تدل
على عين المطلوب الذي هو أيه وعلامة عليه)( ابن تيميه، مجموع
الفتاوى،1/48)، والثاني تكليفي :يتمثل في الوحي ومفاهيمه وقيمه وقواعده
يقول ابن القيم( القران كلام الله وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته) ،
ولهذا الوجود الشهادى درجتان هما: الوجود التسخيرى (الطبيعي) والوجود
الاستخلافى (الانسانى.
ب/ مفهوم التسخير: ومضمونه أن الأشياء والكائنات التي لها درجه التسخير
تظهر صفات ربوبية والوهيه الله تعالى ، على وجه الإجبار ، فهي دائما آيات
داله على وجوده المطلق يقول ابن القيم ( فالكون كما هو محل الخلق والأمر
مظهر الأسماء والصفات فهو بجميعه شواهد وأدله وآيات دعا الله سبحانه
عباده إلى النظر فيها). ويترتب على مفهوم التسخير قاعدتان هما:
أولا. الموضوعية: وتنقسم إلى قسمين هما : الموضوعية التكوينية (تتمثل في
الوجود الموضوعي للكون)، والموضوعية التكلفية (وتتمثل في الوحي كوضع الهي
مطلق). ثانيا: السببية: وطبقا لها فان مضمون السنن الالهيه “الكلية
والنوعية “التي تضبط حركه الوجود الشهادى ، هو تحقق المسبب بتوافر السبب
وتخلفه بتخلف السبب. ويترتب على قاعدة السببية تقرير أن الضرورة ( ممثلة
في انضباط حركة الوجود الشهادي بسنن إلهية لا تتبدل) هي شرط – وليس إلغاء
– للوجود الانسانى ، أي أن تحقق الوجود الإنساني يتوقف على معرفة والتزام
حتمية هذه السنن الإلهية.
ج/ مفهوم الاستخلاف : ومضمونه إظهار الإنسان لربوبية وإلوهيته الله تعالى
في الأرض ،على المستوى الصفاتى، على وجه الاختيار ، وهو ما يكون
بالعبودية والعبادة ، كما سبق الاشاره عند الحديث عن الاستخلاف التكليفى
.
ب/ الظهور الذاتي ( الحياة الاخره): ومضمونه ظهور ذات الفعل المطلق ، وقد
عبر عنه القران بمصطلح التجلي كما في قوله تعالى (…فَلَمَّا تَجَلَّى
رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا
أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ
الْمُؤْمِنِينَ) (الأعراف: 143)، ولهذا الظهور الذاتي شكلين:الأول :مقيد:
ويتم في الحياة الدنيا وله شكل تكويني يتمثل في معجزات الأنبياء، وشكل
تكليفي يتمثل في نزول الوحي على الأنبياء.والثاني : مطلق: ويتم في الاخره
، فالحياة الاخره هي درجه من درجات الوجود قائمه على الظهور الذاتي
(التجلي) ، قال تعالى(وأشرقت الأرض بنور ربها)، هذا التجلي يترتب عليه
تغيير الوجود الشهادى المحدود بالزمان والمكان ،والقائم على الظهور
الصفاتى، بوجود غيبي، قائم على الظهور الذاتى قال تعالى (كلا إذا دكت
الأرض دكا دكا ) ،وقال تعالى(يوم يبدل الله الأرض غير الأرض والسماوات)،
غير أن هذا الظهور الذاتي أو التجلي( بالنسبة إلي الناس) ليس شاملا
لجميعهم، بل هو مقصور على المؤمنين، وهو ما عبر عنه أهل السنة برؤية
المؤمنين ربهم يوم القيامة،استنادا إلى العديد من النصوص كقوله تعالى
(وجوهٌ يومئذٍ ناضرة، إلى ربِّها ناظرة).
البعد المعرفى لمفهوم الاستخلاف: ويتمثل البعد المعرفي لمفهوم الاستخلاف
في الاستخلاف كنظريه إسلاميه في المعرفة ، مضمونها أن العلم صفة
ألوهية،وبالتالي ذات مضمون دال على كونه تعالى غاية مطلقة ،وهذه الصفة
تظهر في عالم الشهادة من خلال شكلين:ا/ شكل تكويني: يتمثل في عالم
الشهادة(المتضمن للكون المسخر والإنسان المستخلف)كمصدر للمعرفة –
والإحساس والتفكير المجرد"التذكير والإدراك والتصور"والرؤية الصادقة
كوسائل لمعرفته..ب / شكل تكليفي:يتمثل في عالم الغيب كمصدر للمعرفة
والوحي كوسيلة لمعرفته. يقول ابن القيم (وهذا البيان نوعان: بيان بالآيات
المسموعة المتلوة ، وبيان بالآيات المشهودة المرتبة، وكلاهما أدلة وآيات
على توحيد الله وأسمائه وصفاته وكلامه). ومضمون الاستخلاف هنا إظهار صفه
العلم الالهيه في الأرض، وذلك بإفراد العلم المطلق لله ، واتخاذ صفة
العلم الإلهية مثل أعلى مطلق يسعى الإنسان لتحقيقه في واقعه المحدود، دون
أن تتوافر له امكانيه التحقيق النهائى له ، وهو ما يتم باتخاذ مقتضى هذه
الصفة كضوابط موضوعية مطلقة تحدد المعرفة الإنسانية ولا تلغيها .فالوحي
يحدد – ولا يلغى – جدل المعرفة القائم على الانتقال من الموضوعي (المشكلة
العينية) إلي الذاتي (الحل المجرد) إلي الموضوعي(الواقع) مرة أخرى من أجل
تغييره ، فيكون بمثابة ضمان موضوعي مطلق لاستمرار فاعليته.
البعد المنهجي لمفهوم الاستخلاف: ويتمثل البعد المنهجي لمفهوم الاستخلاف
في الاستخلاف كمنهج اسلامى للمعرفة ، مضمونه أن صفات الربوبية (اى ما دل
على الفعل المطلق لله تعالى) تظهر في عالم الشهادة على شكلين:
الشكل الأول : تكويني: يتمثل في السنن إلالهيه التي تضبط حركه الوجود
الشهادى ،وهى على نوعين: 1/ السنن الالهيه الكلية:التي تضبط حركه الوجود
الشامل للطبيعة المسخرة والإنسان المستخلف وهى:أولا: الحركة: ( والفلك
تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من ماء فأحيى به الأٌرض بعد
موتها، وبث فيها من كل دابة، وتصريف الرياح، والسحاب المسخر بين السماء
والأرض لآيات لقوم يعقلون).ثانيا: التغير:(إن الله لا يغير ما بقوم حتى
يغيروا ما بأنفسهم).ثالثا: التأثير المتبادل: وهى ما يمكن استخلاصها من
مفهومي الغنى والفقر، فالله تعالى غني وكل ما سواه فقير، وهذا الفقر
نوعان: فقر إلي الله تعالى، وفقر إلي غيره من المخلوقات، والنوع الأخير
هو ما يعبر عنه علميا بالتأثير المتبادل.ب/السنن الالهيه النوعية: وهى
التي تضبط حركة نوع معين من أنواع الوجود الشهادى ، كسنه “الكدح إلى الله
” المقصورة على الإنسان، ولها بعدان : البعد الأول : تكويني: ومضمونه أن
حركة الإنسان تتم عبر ثلاثة خطوات: المشكلة فالحل فالعمل. البعد الثاني :
تكليفي: ومضمونه أن تأخذ حركه الإنسان شكل فعل غائي محدود بغاية مطلقه
(الالوهيه) وفعل مطلق( الربوبية) ، وهو يحدد البعد التكويني المذكور
أعلاه ولا يلغيه ، فيحدد للإنسان نوع المشاكل التي يواجهها، وطرق العلم
بها، ونمط الفكر الذي يصوغ حلولها ، وأسلوب العمل اللازم لحلها.
الشكل الثاني : تكليفي : يتمثل في المفاهيم والقيم والقواعد الكلية التي
مصدرها الوحي ، وهو يحدد الشكل التكويني المذكور أعلاه ولا تلغيه
دلالات مصطلح التصوف: لمصطلح"التصوف" دلالتين أساسيتين :
أولا: الدلالة الاصليه "التاريخية": وهى محل خلاف ، فقد اختلف الباحثون
في اشتقاق كلمة صوفي: فقيل إنه لقب أي لا تشهد له من جهة العربية اشتقاق
أو قياس. وقيل المشتق من الصفاء وقيل نسبة لأهل الصفة ، وكانوا قوماً من
فقراء المهاجرين والأنصار بنيت لهم صفة في مؤخرة مسجد الرسول صلى الله
عليه وسلم. وقيل أنه مشتق من اسم (صوفة بن مرة) أحد سدنة الكعبة في
الجاهلية.وقيل مشتق من كلمة (صوفيا) اليونانية وهي تعني الحكمة.وقيل أنها
مشتقة من الصوف ويقال الصوفي للرجل إذا لبس الصوف، وكثير من الصوفية يرون
هذا الرأي ومنهم السراج الطوسي في كتابه (اللمع)، وأيده ابن خلدون وآخرون
منهم الإمام ابن تيميه. ونرى انه الراى الراجح،وبناء على هذا فان الدلالة
الاصليه التاريخية للمصطلح مشتقه من لبس الصوف كعلامة كانت تميز الصوفية
في مراحل تاريخية سابقه،حيث كان برمز إلى الزهد كقيمه أساسيه في التصوف.
الدلالات التبعية "اللاحقة": وهى دلالات متعددة، حيث تعددت تعريفات
التصوف بتعدد :المواقف منه ،و الزوايا المنظور منها إليه،وعناصره التي
يتم التركيز عليها ..
تعريف التصوف الاستخلافى : أما التعريف الذي نرجحه ، والمستند إلى
الاستخلاف كفلسفة ونظريه في المعرفة ومنهج اسلاميين فهو تعريف التصوف
بأنه: الترقي الروحي للإنسان المقيد تكليفيا بمفاهيم وقيم وقواعد الوحي
الكلية وتكويني بالسنن الالهيه الكلية والنوعية التي تضبط حركه الوجود
الشهادى الشامل للوجود الاستخلافى "الإنسان" والتسخيرى "الطبيعي ". وهذا
الترقى الروحي يمثل البعد التكليفى لسنه "الكدح إلى الله "النوعيه ،
المشار إليها في الايه "يا أيها الإنسان انك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ”
والذي مضمونه أن تأخذ حركه الإنسان شكل فعل غائي محدود بغاية مطلقه
(الالوهيه) وفعل مطلق( الربوبية) ، والذي يحدد - ولا يلغى - بعدها
التكويني الذي مضمونه أن حركة الإنسان تتم عبر ثلاثة خطوات: المشكلة
فالحل ، هذا التعريف يستأنس بتعريف الإمام ابن القيم للتصوف والذي مضمونه
ان التصوف (…زاوية من زوايا السلوك الحقيقي وتزكية النفس وتهذيبها لتسعد
لسيرها إلى صحبة الرفيق الأعلى، ومحبة فإن المرء مع من أحب)..هذا التعريف
للتصوف يمثل مضمون التصوف الاستخلافى ،القائم على الربط بين التصوف
ومفهوم الاستخلاف بأبعاده الفلسفية والمعرفية والمنهجية،وبالتالى يلزم
منه تكريس الاستخلاف بأبعاده المتعددة" السياسيه والاقتصادية
والاجتماعية...
انطلاق التصوف الاستخلافى من التصوف السني: واستناد التصوف الاستخلافى
لهذا التعريف للتصوف والذي يقيده " تكليفيا " بمفاهيم وقيم وقواعد الدين
الكلية ، يعنى انه ينطلق من التصوف السني القائم على الضبط الشرعي
للاعتقاد والسلوك الصوفي ،والمتضمن للالتزام بالضوابط الشرعية لهما، من
خلال موافقة مذهب أهل ألسنه ، القائم على الضبط الشرعي لاعتقاد وسلوك
المسلم ، ومفارقه الاعتقاد بالمفاهيم الاجنبيه " كالحلول والاتحاد ووحده
الوجود" ، والسلوك المخالف للكتاب والسنة. وفيما يلي نورد بعض أدله سنيه
هذا النوع من أنواع التصوف :
أولا: الموقف الايجابي للائمه من الصوفية المنتسبون لمذهب أهل السنة:
اتخذ ألائمه موقف ايجابي من الصوفية المنتسبون لمذهب أهل السنة بتفريعاته
الفقهية والكلامية المتعددة: ينقل عن الإمام مالك (من تصوف ولم يتفقه فقد
تزندق ، ومن تفقه ولم بتصوف فقد تفسق ، ومن جمع بينهما فقد تحقق)( شرح
عبن العلم وزين الحلم للإمام ملا على القاري: 1/ 33 ، و حاشية العدوى على
الزرقانى: 3/ 195) ، وينقل عن الإمام الشافعي(حبب إلى من دنياكم ثلاث :
ترك التكلف ، وعشره الخلق بالتلطف، والاقتداء بطريق أهل التصوف )(التصوف
المفترى عليه ، محمد قاسم الشوم، دار الكتب العلمية ، ص 50) ، ونقل عن
الإمام احمد انه كان ينهى ابنه عبد الله عن مجالسه الصوفية ، فلما صحب
أبا حمزة البغدادي الصوفي أصبح يقول له (يا ولدى عليك بمجالسه هؤلاء
القوم فأنهم زادوا علينا بكثرة العلم والمراقبة والخشية والزهد وعلو
الهمة )(تنوير القلوب للشبح أمين الكردي/ ص405 )، كما نقل عنه قوله (لا
اعلم أقواما أفضل منهم، قيل إنهم يستمعون ويتواجدون، قال: دعهم يفرحوا مع
الله ساعة )(غذاء الألباب شرح منظومة الآداب/ السفارينى الحنبلي /1/
120). ويقول سيفان الثوري( لولا أبو هاشم الصوفي ما عرفت دقيق الرياء)(
الطوسي، اللمع، ص42).
ثانيا:تقرير علماء أهل السنة أن الصوفية- المنتسبون لمذهب أهل السنة –
طائفة من أهل السنة: كما قرر علماء أهل السنة أن الصوفية-المنتسبون لمذهب
أهل السنة بتفريعاته الفقهيعه والكلامية المتعددة – طائفة من أهل السنة :
يقول الإمام السبكى ( اعلم أن أهل السنة والجماعة كلهم قد اتفقوا على
معتقد فيما يجب ويجوز ويستحيل،وان اختلفوا في الطرق والمبادئ الموصلة
لذلك،وبالجملة فهم بالاستقراء ثلاث طوائف:الأولى: أهل الحديث،ومعتمد
مبادئهم الادله السمعية، الكتاب وألسنه والإجماع. الثانية: أهل النظر
العقلي : وهم الاشعريه والحنفية، وشيخ الاشعريه أبو الحسن الاشعرى، وشيخ
الحنفية أبو منصور الماتريدى، وهم متفقون في المبادئ العقلية في كل مطلب
يتوقف السمع عليه.الثالثة: أهل الوجدان والكشف، وهم الصوفية، ومبادئهم
مبادئ أهل النظر والحديث في البداية والكشف والإلهام في النهاية )( شرح
عقيدة ابن الحاجب ). ويقول عبد القاهر البغدادي (وقد اشتمل كتاب تاريخ
الصوفية لأبى عبد الرحمن السلمي على زهاء ألف شيخ من الصوفية ما فيهم
واحد من أهل الأهواء، بل كلهم من أهل السنة سوى ثلاثة)(أصول الدين ،
منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت ، ط1 ، ص315) ، (جموع الفتاوى
(3/375). ويقول(فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة
والجماعة)( مجموع الفتاوى (3/346). أما الإمام ابن تيميه فقد أورد
دلالتين لمصطلح أهل السنة ،الأولى هي الدلالة العامة له ويمكن ان يندرج
تحتها المذاهب الفقهية : الحنبلي والشافعي والمالكي…والمذاهب الاعتقاديه
الكلامية: الاشعرى والماتريدي والطحاوي وأهل الظاهر-وكما هو معلوم فان
بعض هذه المذاهب تشكل الأساس الفقهي والاعتقادى للتصوف السني- حيث يقول
ابن تيمية ( فلفظ السنة يراد به من أثبت الخلفاء الثلاثة ، فيدخل في ذلك
جميع الطوائف إلاّ الرافضة )(منهاج السنة 2/ 221). والثانية هي الدلالة
الخاصة لمصطلح أهل السنة كما فى قوله ( وقد يراد به أهل الحديث والسنة
المحضة فلا يدخل فيه إلا من أثبت الصفات لله تعالى، ويقول : إن القرآن
غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة ، ويثبت القدر وغير ذلك من الأصول
المعروفة عند أهل الحديث والسنة)وطبقا لما سبق فانه يمكن القول ان ابن
تيميه يعتبر ان التصوف السني او جزء غالب منه، يندرج تحت الدلالة العامة
لمصطلح أهل السنة ، حيث يقول انه نقل التكلم بالتصوف عددا من ائمه أهل
السنة ( أما لفظ الصوفية فانه لم يكن مشهورا فى القرون الثلاثة وإنما
اشتهر التكلم به بعد ذلك وقد نقل التكلم به عن غير واحد من الأئمة
والشيوخ كالإمام احمد بن حنبل وأبى سليمان الدارانى وغيرهما وقد روى عن
سفيان الثوري أنه تكلم به وبعضهم يذكر ذلك عن الحسن البصري) (مجموع
الفتاوى “جزء 11 – صفحة5 )،كما يضع التصوف مع باقي مذاهب وفرق أهل السنة
فى كثير من النصوص كما فى قوله(وأما جمهور الأمة وأهل الحديث والفقه
والتصوف فعلى ما جاءت به الرسل وما جاء عنهم من الكتب والاثارة من العلم
وهم المتبعون للرسالة إتباعا محضا لم يشوبوه بما يخالفه) ( مجموع الفتاوى
“جزء 12 – صفحة 36)..وتطبيقا لما سبق يقول ابن تيمية (وفي كلام أهل
التصوف عبارات موهمة في ظاهرها بل وموحشة أحيانًا، ولكن تحتمل وجهًا
صحيحًا يمكن حملها عليه، فمن الإنصاف أن تحمل على الوجه الصحيح كالفناء،
والشهود، والكشف ، ونحو ذلك ) (مجموع الفتاوى /ص337).
ثالثا: دعوه أعلام التصوف “السني” إلى ضرورة الضبط الشرعي للاعتقاد
والسلوك الصوفي: كما دعي أعلام التصوف السني إلى ضرورة الضبط الشرعي
للاعتقاد والسلوك الصوفي ، وتتمثل هذه الدعوة في تقريرهم ضرورة موافقة
السلوك الصوفي للكتاب والسنة ، يقول الإمام القشيري (.. وبناء هذا الأمر
وملاكه ، على حفظ آداب الشريعة ، وصون اليد عن امتدادها إلى الحرام
والشبهة ، وحفظ الحواس عن المحظورات ، وعدّ الأنفاس مع الله تعالى عن
الغفلات )( الرسالة القشيريه، ص 63 ، ط دار الخير)، ويقول التستري (
أصولنا سبعة أشياء : التمسك بكتاب الله تعالى ، والاقتداء بسنة رسوله
صلّى الله عليه وسلّم ، وأكل الحلال ، وكف الأذى ، واجتناب الآثام ،
والتوبة ، وأداء الحقوق )..ويقول أبو سليمان الداراني ( ربما تقع في قلبي
النكتة من نكت القوم أياما فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين : الكتاب
والسنة)..ويقول سري السقطي ( المتصوّف اسم لثلاث معاني : هو الذي لا يطفئ
نور معرفته نور ورعه ، ولا يتكلّم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب
والسنة ، ولا تحمله الكرامات على هتك أسرار محارم الله تعالى) .. كما
تتمثل دعوتهم إلى الضبط الشرعي للاعتقاد والسلوك الصوفي في تقريرهم أن
الاعتقاد الصوفي يرفض المفاهيم الاجنبيه “الحلول والحلول ووحده الوجود” ،
يقول الشعراني ( ولعمري إِذا كان عُبَّاد الأوثان لم يتجرؤوا على أن
يجعلوا آلهتهم عين الله؛ بل قالوا: ما نعبدهم إِلا ليقربونا إِلى الله
زلفى، فكيف يُظَن بأولياء الله تعالى أنهم يدَّعون الاتحاد بالحق على
حدٌّ ما تتعقله العقول الضعيفة؟! هذا كالمحال في حقهم رضي الله تعالى
عنهم، إِذ ما مِن وليٌّ إِلا وهو يعلم أن حقيقته تعالى مخالفة لسائر
الحقائق، وأنها خارجة عن جميع معلومات الخلائق، لأن الله بكل شيء محيط).
ويقول أبو حامد الغزالي( وأما القسم الرابع وهو الاتحاد ، فذلك أيضا أظهر
بطلانا، لأن قول القائل إن العبد صار هو الرب كلام متناقض في نفسه، بل
ينبغي أن ينزه الرب سبحانه وتعالى عن أن يجري اللسان في حقه بأمثال هذه
المحالات…فالاتحاد بين شيئين مطلقا محال…فأصل الاتحاد إذا باطل…) . ويقول
جلال الدين السيوطي (… فإِذن أصل الاتحاد باطل محال، مردود شرعاً وعقلاً
وعرفاً بإِجماع الأنبياء ومشايخ الصوفية وسائر العلماء والمسلمين، وليس
هذا مذهب الصوفية، وإِنما قاله طائفة غلاة لقلة علمهم وسوء حظهم من الله
تعالى، فشابهوا بهذا القولِ النصارى الذين قالوا في عيسى : اتَّحَد
ناسوتُهُ بلاهوتِهِ. وأما مَنْ بالعناية، فإِنهم لم يعتقدوا اتحاداً ولا
حلولاً، وإِن وقع منهم لفظ الاتحاد فإِنما يريدون به محو أنفسهم، وإِثبات
الحق سبحانه).
الالتزام التصوف الاستخلافى باليات الضبط الشرعي للاعتقاد والسلوك
الصوفي التي قررها علماء أهل السنة وأعلام التصوف السني: اتساقا مع ما
سبق فان التصوف الاستخلافى يلتزم بآليات الضبط الشرعي للاعتقاد والسلوك
الصوفي التي قررها علماء أهل السنة – وكذا أعلام التصوف السني- ومن هذه
الاليات :
ا/عدم مخالفه الكتاب والسنة : يقول الإمام النووي(أصول طريق التصوف خمسه:
تقوى الله فى السر والعلانية، وإتباع السنة فى الأقوال والأفعال ،
والإعراض عن الخلق فى الإقبال والإدبار، والرضا عن الله فى القليل
والكثير ، والرجوع إلى الله في السراء والضراء )(رسالة المقاصد في
التوحيد والعبادة وأصول التصوف/ ص 20) ، ويقول ابن عربي (كل علم من طريق
الكشف والإلقاء او اللقاء والكناية بحقيقة تخالف شريعة متواتره لا يعول
عليه)( رسائل محي الدين ابن عربي، رسالة لا يعول عليه ، ط1 ، جمعيه دار
المعارف العثمانية، بيروت).
ب/ التمييز بين الأصيل والمدسوس: يقول الإمام ابن تيميه (وان سمع شي من
ذلك- اى الحلول والاتحاد- منقول عن بعض أكابر الشيوخ فكثير منه مكذوب ،
اختلقه الافاكون من الاتحادية المباحيه الذين أضلهم الشيطان) (مجموع
الفتاوى ، كتاب التصوف ص74) ، و يقول الشعراني عن ابن عربى ومؤلفاته
(وكان رضي الله عنه متقيدا بالكتاب والسنة، ويقول : كل من رمى ميزان
الشريعة من يده لحظه هلك…وجميع ما لم يفهمه الناس من كلامه إنما هو لعلو
مراقيه ،وجميع ما عارض ظاهر الشريعة وما عليه الجمهور فهو مدسوس عليه
)(اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الاكابر)
ج/ التمييز بين الصوفية وأدعياء التصوف : يقول الإمام السيوطي (قد كثر في
التصوف الدخيل على القوم ، تشبهوا بأهله وليسو منهم، فادخلوا فيه ما ليس
منه، فادى ذلك إلى اسائه الظن بالجميع، فوجه أهل العلم التمييز بين
الصنفين، ليعلم أهل الحق من أهل الباطل )(الرسالة القشيريه، ص 16).
د/ حمل المقولات “الصوفية ” على وجهها الصحيح الذي يتفق مع الشرع: يقول
الإمام ابن تيمية ( وفي كلام أهل التصوف عبارات موهمة في ظاهرها بل
وموحشة أحيانًا، ولكن تحتمل وجهًا صحيحًا يمكن حملها عليه، فمن الإنصاف
أن تحمل على الوجه الصحيح … ) (مجموع الفتاوى /ص337).
رفض التصوف البدعى: والتصوف الاستخلافى هو نقيض للتصوف البدعى " الذي
يطلق عليه - خطا - اسم التصوف الفلسفي"، والمستند إلى مفاهيم أجنبيه
"كالحلول والاتحاد ووحده الوجود"، والذي لا يلتزم بالضبط الشرعي للاعتقاد
والسلوك الصوفي، يلزم منه تكريس ثنائيه الاستكبار- الاستضعاف.
خطا اسم “التصوف الفلسفي”: قسم بعض الباحثين المعاصرين التصوف إلى قسمين هما:
أولا: التصوف السني: ويستند إلى مذاهب أهل السنة الفقهية والاعتقاديه –
وعلى وجه الخصوص المذهب الاشعرى .ثانيا: التصوف الفلسفي: ويستند إلى
مفاهيم وعقائد أجنبية ، ويتضمن عدة مذاهب هى: أ. مذهب الحلول: ومضمونه
إمكانية حلول روح الله تعالى في الإنسان ، وينسب إلى الحلاج في كتاب
الطواسين.ب. مذهب الاتحاد: ومضمونه إمكانية اتخاذ الذات الإنسانية بالذات
الإلهية ، وينسب إلى البسطامي.ج. مذهب وحدة الوجود: ومضمونه أن هنالك
وجود حقيقي واحد هو وجود الله تعالى، أما وجود المخلوقات فهو وهمي مصدره
خداع الحواس، وينسب إلى عدد من أعلام التصوف منهم ابن سبعين.غير أن تسميه
القسم الثاني من أقسام التصوف بالتصوف الفلسفي خاطئة لعد أسباب أهمها:
أولا: أن هذا الاسم قائم على افتراض مضمونه أن مصدر هذه المفاهيم
والعقائد الاجنبيه (الحلول والاتحاد ووحده الوجود) هو الفلسفة ، وهو
افتراض خاطئ ، لان المصدر الاساسى لهذه المفاهيم هو بعض الديانات الشرقية
القديمة- الوثنية- (كالهندوسيه القائلة بالحلول ووحده الوجود) ، وبعض
المذاهب الدينية ألقائمه على تحريف أديان سماويه (كالمذاهب المسيحية
القائلة بالحلول).
ثانيا: أن هذا الاسم يوحى بالتعارض المطلق بين الفلسفة والتصوف، بينما
هناك مذاهب فلسفيه تتعارض مع التصوف – لأنها قائمه على الرفض المطلق
للكشف أو الحدس كوسيلة للمعرفة ومثال لها اغلب المذاهب الفلسفية
العقلانية والحسيه ، وكما أن هناك مذاهب فلسفيه تتفق مع التصوف- لأنها
تقر بالكشف أو الحدس كوسيلة للمعرفة ، ومثال لها المذاهب الفلسفية
الحدسية.
ثالثا: أن هذا الاسم يوحى بالتعارض المطلق بين الفلسفة والدين بينما
هناك مواقف ومذاهب فلسفيه تتعارض مع الدين ، وأخرى تتفق معهما..
رابعا: أن نقيض السنة هو ألبدعه – وليس الفلسفة- وبالتالي فان نقيض
“التصوف السني” هو “التصوف البدعى “.
خامسا: أن هذا الاسم يوحى بان التصوف يتعارض مع التفكير العقلاني – لان
الفلسفة هي نمط من أنماط التفكير العقلاني- بينما الاستناد الى الحدس
كوسيلة للمعرفة-كما فى التصوف – لا يلزم منه بالضرورة نفى الاستناد العقل
كوسيلة للمعرفة – كما في الفلسفة –
سادسا: أن هذا الاسم يستند إلى افتراض “خاطئ” ، مضمونه إجماع علماء أهل
السنة ” بمذاهبهم الفقهية والاعتقاديه المتعددة ” على تحريم الفلسفة بكل
دلالاتها ، اى أنهم اتفقوا على الرفض المطلق للفلسفة بكل دلالاتها. ووجه
الخطأ في هذا الافتراض أن علماء أهل السنة لم يتخذوا موقف واحد من
الفلسفة ، بل اتخذوا موقفين منها هما :أولا: موقف الرفض المطلق: اى الرفض
المطلق للفلسفة بكل دلالاتها. ثانيا: موقف الأخذ والرد “الموقف النقدي”
(الجمع بين المنع والإيجاب) ، والقائم على افتراض مضمونه أنه ليس هناك
تعارض مطلق” دائم” بين الإسلام كدين والفلسفة بصورة عامة ،والفلسفة
اليونانية بصورة خاصة ، بل هناك أوجه اتفاق وأوجه اختلاف، وفي حالة
الاختلاف يكون الرد و الرفض” اى المنع بدرجاته من كراهة أو تحريم حسب
درجه الاختلاف ،والمفسدة التي تلزم من الآخذ به ، وفي حالة الاتفاق يكون
الأخذ والقبول” اى الإيجاب بدرجاته من أباحه أو ندب أو وجوب… حسب درجه
الاتفاق، والضرورة وهذا الموقف هو الموقف الحقيقي، للعديد من أعلام علماء
أهل السنة ، طبقا لمذاهبهم المتعددة ومنهم ا/ الإمام ابن تيمية "المذهب
الحنبلي"، ب/ الإمام الغزالي"المذهب الاشعرى" ج/ الإمام ابن حزم"مذهب
أهل الظاهر" ، حيث يرى أن الفلسفة تتفق مع الدين في الغاية (إصلاح
النفس)، لذا يجب الأخذ بها (مادامت محتفظة بهذه الغاية) ، فيقول (ان
الفلسفة على الحقيقة إنما معناها وثمرتها ، والغرض المقصود نحوه، ليس
شيئاً غير إصلاح النفس بأن تستعمل في دنياها الفضائل ،وحسن السيرة
المؤيدة إلى سلامتها في المعاد وحسن سياستها للمنزل والرعية ،وهذه نفسه
لا غيره هو غرض الشريعة، وهذا ما لا خلاف فيه بين أحد من العلماء
بالفلسفة ولا بين أحد من العلماء بالشريعة) ( ابن حزم، الفصل في الملل
والنحل، ج1، طبعة القاهرة، 1317هـ).
التصوف الاستخلافى وأبعاد الوجود الانسانى :ينطلق التصوف الاستخلافى-
القائم على الربط بين التصوف ومفهوم الاستخلاف بأبعاده الفلسفية
والمعرفية والمنهجية،- من تصور - اسلامى -للوجود الانسانى ، مضمونه أن
الوجود الانسانى وجود مركب وليس وجود بسيط ، فهو ذو أبعاد متعددة، وانه
يجب الإقرار بالقيمة المتساوية لهذه الأبعاد المتعددة ، فهو بهذا يثبت
الوجود الانسانى بأبعاده المتعددة - ومن ثم يثبت فاعليته- وقد ساهم في
هذا انه يستند إلى التصوف السني الذي لم يلزم من تأكيده على بعض أبعاد
الوجود الانسانى إلغاء أبعاده الأخرى. فهو نقيض لنمط أخر من أنماط التصوف
، يلزم منه تكريس الاستضعاف بإلغائه للوجود الانسانى – بإلغائه لبعض
أبعاده – ومن ثم إلغاء فاعليته ، ومن ثم فتح الطريق إمام الخضوع
للاستكبار بإشكاله المتعددة – لذا يمكن أن نطلق عليه اسم التصوف
الاستضعافى- والعلة في ذلك انه يستند إلى التصوف البدعى " الذي يطلق
عليه - خطا - اسم التصوف الفلسفي،والذي يتطرف في التأكيد على بعض أبعاد
الوجود الانسانى ، لدرجه إلغاء أبعاده الأخرى .
الأبعاد السلبية والايجابية للوجود الانسانى: فالبعد السلبي للوجود
الانسانى " التحرر من القيود المفروضة على مقدره الإنسان على الترقي" لا
يلغى البعد الايجابي له " المقدرة على الترقى" فكلاهما متساويان في
القيمة، واولويه البعد الأول على البعد الثاني اولويه ترتيب لا اولويه
تفضيل. وقد اقر التصوف السني البعد الأول دون إلغاء البعد الثاني يقول
أبو الحسن الشاذلي : ( التصوف : تدريب النفس على العبودية ، وردها لأحكام
الربوبية ). أما التصوف البدعى فقد تطرف في تأكيد على البعد الأول ،
لدرجه إلغاء البعد الثاني، ممثلا في تحرره من الضوابط ألتكليفيه " بالقول
بسقوط التكاليف" والتكوينية" بالقول بخرق العادة المضطردة " ، التي وضعها
الإسلام لضمان استمرار مقدره الإنسان على الترقي الروحي والمادي .
الأبعاد ألروحيه والمادية: والبعد الروحي للوجود الانسانى " الترقي
الروحي اى إشباع الحاجات الروحية " ، لا يلغى البعد المادي له "الترقى
المادي اى إشباع الحاجات المادية " ، بل يحدده كما يحدد الكل الجزء
فيكمله وبغنية، وقد أكد التصوف السني على البعد الأول، من خلال قوله
بالاولويه القيميه- وليست الوجودية- للبعد الأول دون إلغاء البعد الثاني
، في حين تطرف التصوف البدعى في تأكيد البعد الأول ، لدرجه إلغاء البعد
الثاني .
الأبعاد الذاتية والموضوعية: كما أن البعد الذاتي للوجود الانسانى " تصور
الذات للغايات"، لا يلغى البعد الموضوعي له " لفعل اللازم لتحقيق الغايات
"، فالعلاقة بينهما لا تخرج عن إطار جدل المعرفة من الموضوعي (المشكلة
التي يطرحها الواقع) إلى الذاتي (الحل الذهني) إلى موضوعي مره أخرى من
اجل تغييره (تنفيذ الحل في الواقع بالعمل). وقد اختار التصوف السنى تأكيد
البعد الذاتي للوجود الانسانى،وهو ما يتضح في التركيز على النفس ، لكنه
لم يلغى البعد الثاني ،فى حين تطرف التصوف البدعى في تأكيد على البعد
الأول لدرجه إلغاء البعد الثاني فسقط في هوه الذاتية المطلقة وهو ما يتضح
في : تصوره الهرمي للمعرفة (من الموضوعي إلى الذاتي)كبديل للتصور الجدلي
للمعرفة(من الموضوعي إلى الذاتي إلى الموضوعي )
الأبعاد الفردية والجماعية: كما ان البعد الفردي للوجود الانسانى "
الترقي الفردي:اى حل المشاكل الخاصة" لا يلغى البعد الجماعي له " الترقي
الاجتماعي: اى حل المشاكل العامة". فالجماعة بالنسبة للفرد كالكل بالنسبة
للجزء تحده فتكمله وتغنيه ولكن لا تلغيه . وقد اختار التصوف السني
التأكيد على البعد الفردي للوجود الانسانى، ممثلا في التركيز على الفرد
دون إلغاء البعد التانى ، فى حين تطرف التصوف السني في تأكيد على البعد
الأول لدرجه إلغاء البعد الثاني وهو ما يتضح من قوله بالعزلة والخلوة
المستمرة ، وكذلك تصوره الصفوى القائم على تقسيم الناس إلى عامه وخاصة
وخاصة الخاصة.
التصوف الاستخلافى والضبط الشرعى لمفهوم "الأحوال والمقامات ": ويقوم
التصوف الاستخلافى على الضبط الشرعي لمفهوم" الأحوال والمقامات ،الذي
أشار إليه أعلام التصوف الاسلامى من خلال: أولا: اعتبار أن الأحوال
والمقامات هى درجات “مراحل” الترقي الروحي للإنسان ونستند في ذلك إلى
تقرير القرآن أن الوجود الإنساني ينبغي أن يكون في صعود دائم عبر درجات
كما في قوله تعالى ﴿ يرفع الله الدين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم
درجات﴾،وقوله تعالى ﴿ ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات ﴾. و أوجه الاختلاف بين
الأحوال والمقامات، أن الأحوال تمثل الدرجات الذاتية لهذا الترقي الروحي
، متمثله في الأنماط الانفعالية والمعرفية ، التي تجئ كمحصله لالتزام
الإنسان بمجموعه من القواعد التي تحدد للإنسان ما ينبغي أن يكون عليه
وجدانه وتفكيره. بينما المقامات تمثل درجات هذا الترقي الروحي الموضوعية،
متمثله في الأنماط السلوكية، التي تجئ كمحصله لالتزام الإنسان بمجموعه
القواعد ، التي تحدد له ما ينبغي أن يكون عليه سلوكه.
ثانيا: رفض تصور التصوف البدعى للأحوال والمقامات ، والقائم على أن لهذا
الترقي الروحي نهاية هي الوصول إلى الله تعالى “بالحلول أو الاتحاد او
الوحدة “) ، وان كل درجه من درجات هذا الترقي الروحي تنعدم بالانتقال إلى
درجه اعلي ، لأنه يتعارض مع العقيدة الاسلاميه ،والاخذ بتصور للأحوال
والمقامات - يقارب تصور التصوف السني لها – مضمونه انه ليس للترقي الروحي
للإنسان نهاية ، وان كل درجه من درجات هذا الترقي الروحي لا تنعدم
بالانتقال إلى درجه اعلي ، وهنا نستأنس بقول الإمام ابن القيم (اعلم أن
ترتيب هذه المقامات ليس باعتبار أن السالك يقطع المقام ويفارقه وينتقل
منه إلى التالي بعده ، كمنازل السير الحسي، وإنما هذا الترتيب ترتيب
المشروط المتوقف على شرط المصاحب له )( مدارج السالكين: 1/ 108 -109 ).
نموذج للضبط الشرعى للأحوال والمقامات عند الامام ابن القيم: وفيما يلي
نقدم نموذجا للضبط الشرعي للأحوال والمقامات عند الإمام ابن القيم :
ا/ المقامات عند الامام ابن القيم:
1- التوبة: حيث أشار إلى مقام التوبة ، فعرف التوبة بأنها ( حقيقة التوبة
هي الندم على ما سلف منه في الماضي، والإقلاع عنه في الحال، والعزم على
أن لا يعاوده في المستقبل ، والثلاثة تجتمع في الوقت الذي تقع فيه
التوبة)( مدارج السالكين: 1/ ذ44) ، ثم بين شروط التوبة النصوح فقال
(النصوح في التوبة يتضمن ثلاثة أشياء: الأول تعميم جميع الذنوب… والثاني
إجماع العزم والصدق بكليته عليها… والثالث :تخليصها من الشوائب والعلل
القادحة في إخلاصها ) (مدارج السالكين:1/ 138).
2-الانابه: كما أشار إلى مقام الانابه ، حيث عرف الانابه بأنها ( عكوف
القلب على الهل ، كاعتكاف البدن في المسجد لا يفارقه، وحقيقة ذلك عكوف
القلب على محبته، وذكره بالإجلال والتعظيم وعكوف الجوارح على طاعته
،بالإخلاص له والمتابعة لرسوله )( مدارج السالكين: 1/ 328)، ثم قسم
الانابه إلى عده أقسام، حيث قال ( والناس في إنابتهم إلى الله إلى درجات
عده : فمنهم المنيب إلى الله بالرجوع إليه من المخالفات والمعاصي،وهذه
الانابه مصدرها مطالعه الوعيد …ومنهم المنيب إليه بالدخول في أنواع
العبادات والقربات…وهذه الانابه مصدرها الرجاء ومطالعه الوعد.. ومنهم
المنيب إلى الله بالتضرع والدعاء… والافتقار إليه والرغبة وسؤال الحاجات
كلها منه. ومصدره هذه الانابه شهود الفضل والمنه والكرم والقدره ..)(
طريق الهجرتين: ص 313- 314) ….ثم يرى أن أعلى أنواع الانابات انابه الروح
لخالقها سبحانه(المرجع السابق : ص 314)
3-الزهد: كما أورد الامام ابن القيم أقوال العلماء في تعريف الزهد، وأشار
إلى تعريف الامام ابن تيميه له بأنه” ترك ما لا ينفع في الاخره، والورع
ترك ما يخاف ضرره في الاخره “. ثم أشار إلى أقسام الزهد فقال (
أقسامه:احدهما فرض على كل مسلم وهو الزهد في الحرام .. الثاني: زهد مستحب
وهو الزهد في المكروه وفضول المباحات… الثالث : زهد الداخلين في هذا
الشأن وهم المشمرون في السير إلى اله ، وهو نوعان: احدهما الزهد في
الدنيا جمله وليس تخليها من اليد ولا إخراجها وقعوده صفرا منها ،وإنما
المراد إخراجها من القلب بالكلية، فلا يلتفت إليها ولا يدعها تساكن قلبه
…النوع الثاني: الزهد في نفسك وهو أصعب الأقسام، وهو ذبحها بغير سكين وهو
نوعان احدهما وسيله وبدايه :وهى أن تميتها فلا يبقى بها عندك من القدر
شي، فلا تغضب لها ولا ترضى لها ولا تنتصر لها ولا تنتقم لها … قد سلبت
عرضها ليوم فقرها وفاقتها ..وهذا وان كان ذبحا لها واماته عن طباعها
وأخلاقها فهو عين حياتها وصحتها.. النوع الثاني : غاية وكمال : وهو ان ن
يبذلها للمحبوب جمله بحيث لا يستبقى منها شيئا ، بل يزهد فيها زهد المحب
في قدر خسيس من ماله قد تعلقت رغيه محبوبة به) (طريق الهجرتين :ص 453 –
458 )
4-الاستقامة: كما أشار إلى مقام الاستقامة ، فعرف الاستقامة بأنها (كلمه
جامعه آخذه بمجامع الدين ،وهى القيام بن يدى الله على حقيقة الصدق
والوفاء بالعهد وتتعلق بالأقوال والأفعال والأحوال والنيات…)( المدارج:
2/ 80 )،وبين الطرق الموصلة إليها فقال ( طريق قريب يوصل إلى الاستقامة
في الأحوال والأقوال والإعمال ، وهى شيئان :احدهما حراسه الخواطر وحفظها
والحذر من إهمالها والاسترسال معها.. الثاني صدق التأهب للقاء الله عز
وجل)
5-التوكل: كما أشار إلى مقام التوكل، وبين شروطه فقال ( العبد لا يستكمل
مقام التوكل إلا بثمانية أمور هي : 1- المعرفة بالرب وصفاته… 2- إثبات
الأسباب والمسببات، والأخذ بالأسباب مع عدم الركون إليها… 3- رسوخ القلب
في مقام توحيد التوكل… 4- اعتماد القلب على الله واستناده وسكونه إليه…
5- حسن الظن بالله…. 6- استسلام القلب له …7- التفويض… 8- الرضا بالقدر…)
( مدارج السالكين 2/ 90-94).
5-الصبر: كما أشار إلى مقام الصبر الذي عرفه بأنه( حبس النفس عن الجزع
والتسخط ، وحبس اللسان عن الشكوى وحبس الجوارح عن التشويش) ( مدارج
السالكين : 2/119)،كما قسم الصبر إلى أقسام متعددة هي: 1/ صبر بالله وهو
الاستعانة به سبحانه ( واصبر وما صبرك الا بالله)…2/ صبر لله : أن يكون
الباعث على الصبر محبه الله وارده وجهه والتقرب إليه…3/ صبر مع الله:
دوران العبد مع مراد الله الدينى منه ومع أحكامه الدينية : وهو ثلاثة
أقسام ا/ صبر على الأوامر والطاعات،ب/ وصبر عن المناهى والمعاصي،ج/ صبر
على المحن والمصائب)، وقال ان كف اللسان عن الشكوى من لوازم الصبر، إلا
انه قال انه لا يقدح في الصبر” إخبار المخلوق بالحال للاستعانة بإرشاده
أو معاونته للتوصل إلى زوال ضرره كإخبار الطبيب بشكايته وإخبار المظلوم
من ينتصر به لحاله..”( عده الصابرين : ص 270)
6-الصدق:كما أشار إلى مقام الصبر فقال ” منزله القوم الأعظم الذي منه نشا
جميع منازل السالكين والطريق الأقوى الذي من لم يسر عليه فهو من
المنقطعين الهالكين”
الذكر:كما أشار إلى مقام الذكر فقال ” الذكر منشور الولاية تأذى من أعطيه
اتصل ومن منعه عزل”كما بين أقسامه فقال (… أقسامه القسم الأول: ذكر أسماء
الرب تبارك وتعالى وصفاته والثناء عليه بهما ،وهذا القسم نوعان: الأول:
إنشاء الثناء عليه من الذاكر ،وهو المذكور في الأحاديث …الثاني الخبر عن
الرب تعالى بأحكام أسمائه وصفاته ،وأفضل هذا النوع الثناء عليه بما اثنى
علبه على نفسه وبما اثنى عليه رسوله ….القسم الثاني : ذكر أمره ونهيه
وإحكامه وهى نوعان : ذكره بذلك إخبارا عنه بأنه آمر بكذا.. ذكره عند آمره
فيبادر إليه ،وعند نهيه فيهرب منه ..)(الوابل الصيب ص 178- 181)
ثانيا:الأحوال عند الامام ابن القيم :
1-الرجاء :فأشار إلى حال الرجاء الذي عرفه بأنه ( حاد يحدو القلوب إلى
بلاد المحبوب وهو الله والدار الاخره ويطيب لها السير….)( مدارج السالكين
: 2/ 27 ) كما أشار إلى أن الفرق بينه وبين التمني أن التمني يكون مع
الكسل، ولا يسلك بصاحبه طريق الجد والاجتهاد ، والرجاء يكون مع بذل الجهد
وحسن التوكل )( المصدر السابق،نفس المكان).كما أشار إلى القيمة الكبيرة
للرجاء فقال ( الرجاء من اجل المنازل وأعلاها وأشرفها ، وعليه وعلى الخوف
مدار السير الى الله ، وقد مدح الله أهله واثني عليهم فقال لقد كان لكم
في رسول الله أسوه حسنه لمن كامن يرجو الله واليوم الاخر) ( المدارج: 2/
31 )، كما أشار إلى ضرورة الجمع بين الرجاء والخوف فقال ( القلب في سيره
إلى الله عز وجل بمنزله الطائر، فالمحبة رأسه والخوف والرجاء جناحاه،/
فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران .. )(مدارج السالكين: 1/
390)
2-الخوف: كما اشار الى حال الخوف فقال ( الخوف من اجل منازل الطريق،
وانفعها للقلب وهى فرض على كل احد قال تعالى ” فلا تخافوهم وخافون إن
كنتم مؤمنين”) (مدارج السالكين: 1/ 386)، كما ميز بين الوجل والخوف
والخشبة والرهبة (.. فالخوف حركه ، والخشية انجماع وانقباض وسكون ، أما
الرهبة فهي إمعان في الهرب من المكروه ، أما الوجل فرجفان القلب وانصداعه
لذكر من يخاف سلطانه….أما الهيبة فخوف مقارن للتعظيم والاجلال… والاجلال
تعظيم مقرون بالحب…..) اتساقا مع التمييز السابق قال ان ” الخوف لعامه
المؤمنين ، والخشية للعلماء ، والهيبة للمحبين، والاجلال للمقربين) (
مدارج السالكين: 1/ 386 -387)
المحبة: كما اشار إلى حال المحبة، فقال ان المحبة هي ” المنزلة التي فيها
تنافس المتنافسون واليها شخص العاملون والى علمها شمر السابقون وعليها
تفانى المحبون..)( مدراج السالكين : 3/ 807)،وأشار إلى لوازم المحبة
وهى:1- توحيد الله وإفراده بجميع أنواع العبادة… 2-موافقة الله في إتباع
ما يأمر به واجتناب ما ينهى عنه… 3- محبه القران الكريم …
3-المراقبة: كما اشار إلى حال المراقبة ، فعرف المراقبة بانها ( دوام علم
العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى ظاهره وباطنه… والمراقبة التعبد
بأسمائه الرقيب والحفيظ والعليم والسميع والبصير فمن عقل هذه الأسماء
وتعبد بمقتضاها حصلت له المراقبة)( المدارج 2/ 49 – 50)
الإخلاص: كما اشار إلى حال الإخلاص،فعرف الإخلاص بأنه ( هو إفراد الحق
سبحانه بالقصد في الطاعة…) ،وأشار إلى أفات الإخلاص فقال ( يعرض للعامل
في عمله ثلاثة آفات: رؤيته وملاحظته .. وطلب العوض عنه ..ورضاه به وسكونه
اليه ، فالذي يخلصه من رؤية عمله مشاهدته لمنه الله عليه وفضله وتوفيقه
له.. والذى يخلصه من طلب العوض عنه علمه بأنه عبد محض..والذي يخلصه من
رضاه بعمله أمرين: احدهما مطالعه عيوبه وآفاته.. الثاني: علمه بما يستحقه
الرب من حقوق العبودية.. )( مدارج السالكين 2/ 70- 72).
التصوف الاستخلافى والضبط الشرعي لمراتب الولاية في الفكر الصوفي : اثبت
أهل السنة بمذاهبهم المتعددة الولاية استنادا إلى ثبوتها بنصوص يقينية
الورود قطعيه الدلالة كقوله تعالى ( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ، الَّذِينَ آمَنُواْ
وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا
وَفِي الآخِرَةِ ، لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ
الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (يونس:62-64 )، يقول ابن تيميه( ومن أصول أهل
السنة : التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق
العادات في أنواع العلوم والمكاشفات ، وأنواع القدرة والتأثيرات …)(
مجموع الفتاوى 3/156 ). واختار الفكر الصوفي الاسلامى بيان مراتب هذه
الولاية ودرجاتها،وعبر عن هذه المراتب بمصطلحات كالأقطاب والابدال
والأوتاد والنقباء والنجباء … غير أن إثبات أو نفى هذه المراتب ، ظل محل
خلاف في الفكر الاسلامى بين مذاهب متعددة:
اولا:مذهب الإثبات: فهناك المذهب الذي يثبت هذه المراتب والدرجات،
استدلالا ببعض النصوص، واحتجاجا بأقوال بعض العلماء، كما يفصل هذه المرتب
و الدرجات ويبين خصائصها :فقد استدل هذا المذهب ببعض النصوص، ومنها ما
أورده جلال الدين السيوطي في رسالة ( الخبر الدال على وجود القطب
والأوتاد والنجباء والابدال ) المتضمنة في ( مجموع الحاوى للفتاوى ) .
ومن هذه النصوص : روى الطبراني _في الأوسط _ عن انس (رضي الله عنه ) قال
: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (لن تخلو الأرض من أربعين رجلا
مثل خليل الرحمن , فيهم يسقون ,وبهم ينصرون , ما مات منهم احد الا أبدل
الله مكانه آخر) ( قال الحافظ ابو الحسن الهيثمى في( مجمع الزوائد )
اسناده حسن).
ثانيا:مذهب النفي : وهناك المذهب الذي ينفى هذه المراتب والدرجات ، ويرى
أنها لا أصل لها في الشرع ، وأنها تستند إلى مفاهيم بدعيه ( كالحلول
والاتحاد ووحده الوجود ) ،كما يستند هذا المذهب إلى نقد بعض علماء أهل
السنة للنصوص الواردة فيها ، كقول ابن القيم في “المنار المنيف”
(أحاديث الأبدال والأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد كلها
باطلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقرب ما فيها ( لا تسبوا أهل
الشام ؛ فإن فيهم البدلاء ، كلما مات رجل منهم أبدل الله مكانه رجلا آخر
) ذكره أحمد ، ولا يصح أيضا ، فإنه منقطع )
ثالثا: مذهب الإثبات المقيد: والتصوف الاستخلافى يستند الى مذهب الاثبات
المقيد ، الذى يتجاوز موقفي الإثبات المطلق والنفي المطلق ، ويلتزم بموقف
قائم على إثبات هذه المراتب والدرجات ، في حال اتساقها – أو عدم
تعارضها- مع مفاهيم وقيم وقواعد الدين الكلية ، ونفى هذه المراتب
والدرجات في حال تعارضها مع هذه المفاهيم والقيم والقواعد .
من الإجمال إلى التفصيل : فهذا الموقف يتجاوز مذهب الإجمال اى المذهب
الذي يضع حكما كليا بالرفض أو القبول لهذه المراتب والدرجات، إلى المذهب
التفصيل اى المذهب الذي يميز بين الكيفيات المتعددة لهذه المراتب
والدرجات:
الكيفية الأولى : الاستناد إلى المفاهيم الاجنبيه ( المرفوضة) : فهناك
الكيفية التي تستند إلى مفاهيم ونظريات ذات مصدر أجنبي ، تتعارض مع
الإسلام كدين “كالحلول والاتحاد ووحده الوجود”، وهذه الكيفية مرفوضة من
أعلام التصوف المعتبرين، لأنهم رفضوا هذه المفاهيم والنظريات الاجنبيهكما
ذكرنا اعلاه.
الكيفية الثانية: الاستناد إلى مفاهيم وقيم وقواعد الدين(المقبولة) :
وهناك الكيفية التي تستند إلى المفاهيم والقيم والقواعد الكلية للدين ،
والفهم الصحيح للدين ، كما قرره السلف الصالح وعلماء أهل السنة ، وهذه
الكيفية مقبولة .
إقرار بعض السلف و علماء أهل السنة بمراتب الولاية : ويمكن الاستئناس
هنا بإقرار بعض السلف وبعض علماء أهل السنة بمراتب ودرجات الولاية ، لكن
بكيفية تتسق مع مفاهيم وقيم وقواعد الدين الكلية. فقد استخدام بعض السلف
، وبعض العلماء لفظ (الأبدال ) بمعنى أهل العلم لأنهم – بنص الحديث –
ورثة الأنبياء ، فكأنهم بدل عنهم في تبليغ الوحي وتعليمه الناس . ورد في
(التاريخ الكبير) للبخاري (7/127) في ترجمة فروة بن مجالد ( وكانوا لا
يشكّون في أنه من الأبدال )، وقال الإمام أحمد كما في (العلل) للدارقطني
(6/29) ( إن كان من الأبدال في العراق أحد ، فأبو إسحاق إبراهيم بن هانئ
) . ويقول الإمام ابن تيمية (مجموع الفتاوى:4/97) : ( وأما أهل العلم
فكانوا يقولون هم الأبدال ؛ لأنهم أبدال الأنبياء ، وقائمون مقامهم حقيقة
، ليسوا من المعدمين الذين لا يعرف لهم حقيقة ، كل منهم يقوم مقام
الأنبياء في القدر الذي ناب عنهم فيه ، هذا في العلم والمقال ، وهذا في
العبادة والحال ، وهذا في الأمرين جميعا ، وكانوا يقولون هم الطائفة
المنصورة إلى قيام الساعة ، الظاهرون على الحق ، لأن الهدى ودين الحق
الذي بعث الله به رسله معهم وهو الذي وعد الله بظهوره على الدين كله وكفى
بالله شهيدا ) .كما أشار بعض علماء أهل السنة إلى مراتب ودرجات الولاية،
يقول الحافظ ابن كثير في كتابه ( البداية والنهاية ) في ترجمه الشيخ
عبد الله الارمنى (احد العباد الزهاد ، الذين جابوا البلاد وسكنوا
البرارى والجبال والوهاد، واجتمعوا بالأقطاب والابدال والأوتاد ، وممن
كانت لهم الاحوال والمكاشفات والمجاهدات والسياحات في سائر النواحى
والجهات) . و يقول الإمام شهاب الدين احمد بن حجر الهيتمى في فتاويه
ألحديثيه في عرض الاجابه على السؤال ما عده رجال الغيب وما الدليل على
وجودهم ؟ فيقول (ورجال الغيب سموا بذلك لعدم معرفه أكثر الناس لهم
..رأسهم . قطب الغوث الفرد الجامع ، جعله الله دائرا في الآفاق الاربعه،
أركان الدنيا كدوران الفلك في أفق السماء وقد ستر الله أحواله عن الخاصة
والعامة، وغيره عليه غير انه يرى عالما كجاهل وابله كفطن ، وتاركا اخذا
بعيدا ,سهلا عسرا ,امنا حذرا ,ومكانته من الاولياء كالنقطه من الدائرة
التي هي مركزها به يقع صلاح للعالم . والاوتا د :هم اربعه لا يطلع عليهم
الا الخاصه واحد باليمن وواحد بالشام وواحد بالمشرق وواحد بالمغرب.
والابدال : وهم سبعه على الاصح ,وقيل ثلاثون وقيل اربعه عشر كذا قاله
اليافعى وسياتى حديث انهم اربعون وحديث انهم ثلاثون وكل منهم يعكر على
قوله (والأصح أنهم سبعه). والنقباء :وهم اربعون . والنجباء :وهم ثلاثمائه
فاذا مات القطب ابدل بخيار الاربعه أو احد الأربعين :ابدل بخيار
الثلاثمائة : او احد الثلاثمائة ابدل بخيار الصالحين ، فاذا أراد الله
قيام الساعة أماتهم أجمعين، وذلك أن الله يدفع بهم من عباده البلاء بهم
وينزل بهم قطر السماء) .
الموقف الحقيقي للإمام ابن تيميه من مراتب الولايه: وإذا كان هناك من
يرى أن موقف الإمام ابن تيميه من مراتب ودرجات الولاية عند الصوفية هي
النفي المطلق ، فان القراءة المتأنية لأقواله تبين أن موقفه من هذه
المراتب والدرجات يتجاوز موقفي الإثبات المطلق لكل كيفيات هذه المراتب
والدرجات أو النفي المطلق لكل كيفياتها ، إلى موقف قائم على نفى كيفيه
معينه لهذه المراتب والدرجات لأنها تتعارض مع الشرع ، واثبات كيفيه أخرى
لها لأنها تتفق مع الشرع. فهو يقرر أولا أن هذه الأسماء لا توجد عند
السلف – طبقا للترتيب الشائع لها – ولا هي ماثوره عن المشائخ المقبولين
– طبقا للترتيب والمعاني الشائعة لها – حيث يقول( ولا توجد هذه الأسماء
في كلام السلف كما هي على هذا الترتيب ، ولا هي مأثورة على هذا الترتيب
والمعانى عن المشائخ المقبولين عند الأمة قبولا عاما ، وإنما توجد على
هذه الصورة عن بعض المتوسطين من المشائخ ، وقد قالها إما آثرا لها عن
غيره ، أو ذاكرا ، ..) .فابن تيميه هنا يرفض الإقرار بكيفية معينه لهذه
المراتب والدرجات ( أو هذه الصورة التي توجد بها بتعبيره) ،وهى كيفيه
قائمه على ترتيب معين ومعانى معينه لهذه الأسماء.و يرفض ابن تيميه اسم
الغوث والغياث ( فأما لفظ الغوث والغياث فلا يستحقه إلا الله ، فهو غياث
المستغيثين ، فلا يجوز لأحد الاستغاثة بغيره ..) . إما اسم الأوتاد
فيقبله ابن تيميه لكن بمعنى معين هو: من يثبت الله به الإيمان والدين
دون حصره بعدد معين، حيث يقول(وأما الأوتاد فقد يوجد فى كلام البعض أنه
يقول : فلان من الأوتاد ، يعني بذلك أن الله تعالى يثبت به الإيمان
والدين فى قلوب من يهديهم الله به ، كما يثبت الأرض بأوتادها ، وهذا
المعنى ثابت لكل من كان بهذه الصفة من العلماء ، فكل من حصل به تثبيت
العلم والإيمان في جمهور الناس كان بمنزلة الأوتاد العظيمة والجبال
الكبيرة ، ومن كان بدونه كان بحسبه ، وليس ذلك محصورا في أربعة ولا أقل
ولا أكثر ، بل جعل هؤلاء أربعة مضاهاة بقول المنجمين في أوتاد الأرض ).
كما لا يرفض ابن تيميه اسم القطب بمعنى كل من دار عليه آمر من أمور الدين
والدنيا دون حصره في عدد معين(واما القطب فيوجد أيضا فى كلامهم : ( فلان
من الأقطاب ) ، أو ( فلان قطب ) فكل من دار عليه أمر من أمور الدين أو
الدنيا باطنا أو ظاهرا فهو قطب ذلك الأمر ومداره ، ولا اختصاص لهذا
المعنى بسبعة ولا أقل ولا أكثر ، لكن الممدوح من ذلك من كان مدارا لصلاح
الدنيا والدين ، دون مجرد صلاح الدنيا ، فهذا هو القطب في عرفهم .) . كما
لا يرفض اسم البدل بمعانيه التي لا تتعارض مع الشرع مع عدم حصره في عدد
معين ، حيث يقول (والذين تكلموا باسم ( البدل ) فسروه بمعان ، منها :
أنهم أبدال الأنبياء ، ومنها : أنه كلما مات منهم رجل أبدل الله تعالى
مكانه رجلا ، ومنها : أنهم أبدلوا السيئات من أخلاقهم وأعمالهم وعقائدهم
بحسنات ، وهذه الصفات كلها لا تختص بأربعين ، ولا بأقل ولا بأكثر ، ولا
تحصر بأهل بقعة من الأرض ) ( مجموع فتاوى ابن تيمية :11/433-444)
درجات للترقي القيمى – الروحي وليست درجات للوجود: بناء على ما سبق فانه
يمكن القول أن مضمون مراتب ودرجات الولاية هي أنها درجات للترقي الروحي
– القيمى للإنسان (كما تقرر الكيفية الثانية المقبولة )،وليست درجات
للوجود (كما تقرر الكيفية الأولى )،فهي درجات لتحديد لحركه الإنسان –
بما هي فعل غائي – بفعل مطلق ” الربوبية” وغاية مطلقه ” الالوهيه ” أو
درجات للكدح إلى الله تعالى بالتعبير القرانى (يا أيها الإنسان انك ادح
إلى ربك كدحا فملاقيه )،اى هي درجات للعبودية والعبادة ، وليست إلغاء
لتوحيد الربوبية والالوهيه. كما أنها درجات للصلاح ، قال تعالى (وَمَنْ
يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ
اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ
وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) (النساء).
مراتب الولاية لا تفيد القطع إلا بورود نص : ومراتب الولاية – في
الكيفية الثانية المقبولة – لا تفيد القطع إلا في حاله وجود نص يفيد ذلك
، كما هو الحال عند الأنبياء (عليهم السلام ) والرسول (صلى الله عليه
وسلم )الصحابة( رضي الله عنهم)، لأنه لا يمكن القطع بدخول احد الجنة أو
النار ما لم يرد نص يفيد ذلك . قال الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) (إن
الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له بعمل أهل النار،
وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له بعمل أهل
الجنة) ( رواه الشيخان من حديث ابن مسعود )
الضبط الشرعي لمفهوم الولاية والتمييز بين الولاية الخاصة والعامة :
وقبول مراتب ودرجات الولاية – في الكيفية الثانية – مشروط بالالتزام
بالضبط الشرعي لمفهوم الولاية ، والتمييز بين الولاية الخاصة والولاية
العامة، فالولاية لغة : لها معنيان: المعنى الأول القرب ( معجم مقاييس
اللغة : 6/141) . والمعنى الثاني النصرة ( مفردات ألفاظ القرآن ، للراغب
الأصفهاني ، ص 885).الولاية اصطلاحا: علاقة مضمونها القرب والنصرة، بين
طرفين هما العبد وربه، فهي من جهة العبد التزام بشروطها الذاتية (التي
عبر القران عن جملتها بالأيمان)، والموضوعية(التي عبر القران عن جملتها
بالتقوى)، ومن جهة الله تعالى وعد بنفي الخوف والحزن،والبشرى في الدنيا
والاخره. قال تعالى( أَلا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ *
لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ
لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ ) [يونس : 62 – 64]
.
أقسام الولاية: وللولاية قسمان:
القسم الاول: ولاية خاصة: وهى علاقة قرب ونصره بين الله تعالى وفرد معين
، وهذا القسم من أقسام الولايه يكون بواسطة الوحي، و يستلزم العصمة، وهو
مقصور على الأنبياء والرسل، وبالتالي فانه بختم النبوة وانقطاع الوحي
بوفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) انتهى هذا القسم من أقسام الولاية.
القسم الثانى: ولاية عامه: وهى علاقة قرب ونصره بين الله تعالى ومن التزم
بشروط الولاية(الذاتية والموضوعية) بدون تعيين، لعموم الخطاب القرانى إلى
الالتزام بشروط الولاية (الايمان والتقوى) ،يقول ابن كثير في تفسير الايه
( يُخْبِر تَعَالَى أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ هُمْ الَّذِينَ آمَنُوا
وَكَانُوا يَتَّقُونَ كَمَا فَسَّرَهُمْ رَبّهمْ فَكُلّ مَنْ كَانَ
تَقِيًّا كَانَ لِلَّهِ وَلِيًّا). وهذا القسم من أقسام الولايه لا يكون
بواسطة الوحي ، بل بالالتزام بالوحي .ولا يستلزم العصمة إنما العدالة .
لان الوحي والعصمة مقصوران على الرسل والأنبياء. وتتفاوت درجات الولاية
العامة. مع اختصاص ألصحابه(رضي الله عنهم) فى الامه المحمدية بأعلى هذه
الدرجات لقربهم من الرسول(ص)،ولشهادة القران لهم بالولاية.بناء على ما
سبق فان المقصود بمراتب الولاية بعد وفاه الرسول )(صلى الله عليه وسلم )
وختم النبوة مراتب الولايه العامة، وليس مراتب الولاية الخاصة المقصورة
على الأنبياء (عليهم السلام)،ويترتب على هذا انه لا يجوز المساواة في
الدرجة، بين من نال اى مرتبه من مراتب الولاية العامة ، بعد وفاه الرسول
(صلى الله عليه وسلم ) والأنبياء لان لهم درجه الولاية الخاصة ، كما لا
يجوز المساواة بينه وبين ألصحابه (رضي الله عنهم ) ، لان لهم الدرجات
العليا للولاية العامة.
أقسام الولاية ألعامه: وتنقسم الولاية إلى قسمين :
الأول :ولاية تكليفيه :متصلة بالالتزام بمفاهيم وقيم وقواعد الوحي الكلية
، والاجتهاد في المفاهيم والقيم والقواعد الجزئية،وتتضمن المجددين
والعلماء بالدين.
الثاني:ولاية تكوينيه: وتتصل بالالتزام بالسنن الالهيه التي تضبط حركه
الوجود الشهادى، الشامل للوجود الاستخلافى "الانسانى " والتسخيرى
"الطبيعي" ، وتتضمن الحكام العادلين وزعماء الامه عبر التاريخ
الاسلامى...
- الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات
https://drsabrikhalil.wordpress.com