خارطة طريق الاتحاد الأفريقي: هل تحقق حلولاً تنطوي على مكاسب متبادلة للأطراف المتفاوضة في أديس أبابا؟

بقلم: الدكتور/لوكا بيونج دينق*

ترجمة: غانم سليمان غانم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


نقلاً عن: صحيفة نيو نيشن
لقد جاءت خارطة الطريق العائدة للاتحاد الأفريقي نتيجة لفشل دولتي السودان وجنوب السودان في الوصول إلى اتفاق حول المسائل العالقة بعد الانفصال والتي تحولت إلى أزمة أدت إلى حرب تهدد السلام والأمن الإقليمي. وحيث أن الهدف الرئيسي لخارطة الطريق هو جعل الدولتين تسيران في طريق السلام إلا أن النتائج التي يمكن تحقيقها من خارطة الطريق غير واضحة تماماً. إن دولة جنوب السودان حريصة على ضمان وجودها وبقائها وتأسيس دولة جديدة بعد سنوات طويلة من الحرب الأهلية، كما أن لدى النظام في الخرطوم مصلحة في الاستفادة من خارطة الطريق لتمديد عمره وبقاءه في السلطة وتقليل احتمالات تغيير النظام.
في واقع الأمر، تسير المفاوضات في طريق مليء بالمطبات وبذلك فإن كل طرف حذر في حساباته ويحاول تعظيم مكاسبه بدون التعرض إلى مخاطرة وصفه بالطرف الشرير من المجتمع الدولي. وبما أن دولة جنوب السودان باعتبارها دولة وليدة فإنها مهتمة بصورتها أمام المجتمع الدولي،في ذات الوقت يبدو أن النظام في الخرطوم أقل اهتماماً بضغوط المجتمع الدولي، وهذا السلوك من نظام الخرطوم قد يتغير في ضوء الأزمة الاقتصادية المتفاقمة والتحديات السياسية المفروضة من قبل الجبهة الثورية السودانية والانقسام الحاد في قيادة حزب المؤتمر الوطني والعزلة الدولية المطردة واحتمال قيام الانتفاضة الشعبية نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية. 
إن خارطة الطريق تنطوي على ترتيبات لتهدئة التوتر بين الدولتين ولتيسير وتسهيل مواصلة واستمرار المفاوضات للوصول إلى اتفاق حول المسائل العالقة لأجل تطبيع العلاقات بين الدولتين. وفى حقيقة الأمر، فإن نتائج خارطة الطريق لا تقاس فقط بالحلول النهائية للمسائل العالقة ولكن بالطريقة التي يمكن أن تؤدي إلى هذه الحلول. وفيما يتعلق بطريقة الحل فسيكون من مصلحة الطرفين الوصول إلى اتفاق ودي حول المسائل العالقة حتى يمكن تحقيق مكاسب متبادلة للطرفينبدلاً من تحقيق حل يُفرض على الطرفين يؤدي لمكسب طرف وخسارة طرف آخر. إن أي حلول مفروضة على الطرفين لن تكون مستدامة وربما لن تسهم في تطبيع العلاقات بين الدولتين. على العموم وفى بعض الأحيان قد تكون طريقة الحل أكثر أهمية من الحل نفسه خاصة في وضع تنعدم فيه الثقة بين الطرفين. وبالرغم من أن السودان يميل إلى الاستئثار بحلول من اللجنة العليا للتنفيذ التابعة للاتحاد الأفريقي تحقق مكاسب لطرف وخسارة لطرف آخر لكن - وعلى أية حال - ستتحقق مصلحة دول المنطقة والإقليم عموما بقيامها بمساعدة الطرفين للوصول إلى اتفاق مقبول حول المسائل العالقة.
فيما يتعلق بإيجاد الحلول فإن الطرفين، بتسهيل وتيسير لجنة الاتحاد الأفريقي، توصلا إلى تفاهمات عامة حول معظم المسائل العالقة، فبالنسبة للبترول فإن المسائل المتبقية تشمل رسوم العبور ومساعدة مالية مؤقتة للسودان وتسوية المتأخرات والمطالبات المستحقة. وأكبر مسألة مهمة في هذا الخصوص هي رسوم العبور نظراً لأن السودان اقترح رسوماً غير معقولة لا تنسجم مع المعايير الدولية، ومن المحتمل الوصول إلى حل يتبنى تطبيق رسوماًفي حدود 67 سنتاً للبرميل حسب مقترح دولة جنوب السودان أوواحد (1) دولار أمريكي للبرميل حسب ما تراه معقولاً بعض الدوائر في المجتمع الدولي. وقد اقترحت جهات أخري ثلاثة (3) دولارات أمريكية للبرميل، ولن يكون هذا المقترح مقبولاً من دولة جنوب السودان لأنه أعلى من معدلات الرسوم السائدة على المستوى العالمي،وربما يسجل هذا المقترح سابقة لرسوم العبور بخطوط الأنابيب المخطط تنفيذها في المنطقة. وبخصوص المساعدة المالية،فقد وافقت دولة جنوب السودان على المساهمة بمبلغ 2,4 بليون دولار أمريكي لسد العجز البالغ 10 بلايين دولار أمريكي في ميزانية حكومة السودان،وذلك للمساعدة في حشد الدعم من المجتمع الدولي لاستيفاء المبلغ المتبقي من هذا العجز ومساعدة السودان في تسديد ديونه البالغة 40 بليون دولار أمريكي، وهذا يمثل أساساً قوياً للوصول إلى اتفاق حول البترول والمسائل الأخرى.
فيما يتصل بالحدود، يبدو أن هناك خلافات كبيرة بين الطرفين، حيث أن السودان يرى أن هناك أربعة مناطق فقط متنازع عليها وهي: وانثو (جودة) والمقينص (كاكا) وكافية كنجي وحفرة النحاس. بينما ترى دولة جنوب السودان أن هناك منطقتين إضافيتين وهما: بانتيو (هجليج) ومنطقة الحدود الكائنة بين شمال ولاية بحر الغزال وولاية جنوب دارفور. وبالرغم من هذه الخلافات فإنه توجد هناك إمكانية لوصول الطرفين إلى اتفاق أو إيجاد آلية لحل المسألة المرتبطة بالمناطق الحدودية المتنازع عليها. وفى واقع الأمر، فإن النزاع الحدودي بين السودان ودولة جنوب السودان لا يمثل سابقة فريدة لأن معظم الحدود بين الدول الأفريقية لم يتم ترسيمها، وهناك العديد من المناطق الحدودية مازالت متنازع عليها،كما إن حدود السودان مع بعض دول الجوار غير واضحة ولدى السودان مناطق حدودية متنازع عليها مع معظم جيرانه، وبالانفصال ورثت دولة جنوب السودان بعض هذه المناطق الحدودية المتنازع عليها.
إن الحدود بين السودان ودولة جنوب السودان تم الاتفاق على ترسيمها باعتبارها حدود إدارية بدون الأخذ في الاعتبار استخدامات الأرض وتنقل السكان. إن استخدامات الأرض في الدول الأفريقية هي استخدامات مشتركة وليست حصرية، ولذلك فإن تقييد أي حدود ليس مجدياً من الناحية الاقتصادية والبيئية والاجتماعية. ومن المحتمل وصول الطرفين إلى حل سواء من خلال التراضي أو بإحالة المناطق المتنازع عليها إلى محاكم التحكيم سواء في محكمة بريطانية لها سجل تاريخي في النظر في مثل هذه القضايا أو المحكمة الدائمة للتحكيم في هولندا. إن الاتفاق الإطاري الذى تم التوصل إليه بواسطة الطرفين حول الحريات الأربعة بالنسبة لمواطنيهم سيسهم في جعل حدودهما متناغمة ومرنة.
فيما يتعلق بالوضع النهائي لأبيي، فإن الاتفاق بين الطرفين سيكون موجهاً ببروتوكول أبيي وقرار المحكمة الدائمة للتحكيم، ونظراً لأن الطرفين قد اتفقا على إجراء استفتاء لتحديد الوضع النهائي لمنطقة أبيي فإن التركيز ينبغي أن ينصب على كيفية إجراء هذا الاستفتاء. هذا الاستفتاء يجب أن يضمن لدينكا نوك والسكان المحليين حرية التعبير عن وجهات نظرهم حول الوضع النهائي للمنطقة، والتعريف المرتبط بـ"السكان الأخرين" الذين سيشاركون في الاستفتاء يجب أن لا يشمل السكان الرحل (الرعاة) سواء من دولة السودان أو من دولة جنوب السودان، ومن الضروري عدم خلط المصالح المرتبطة بالأرض بالحقوق المتعلقة بالأرض. إن قرار التحكيم نص بوضوح أن منطقة أبيي هي أرض مشيخات دينكا نوك التسعة، كما حدد المصالح المرتبطة بالأرض بما يضمن وصول السكان الرحل (الرعاة) للماء والكلأ.
إن دولة جنوب السودان ودينكا نوك حريصون على إجراء الاستفتاء من دون مشاركة السكان الرحل (الرعاة)، لكن السودان سيستخدم أبيي كورقة (كرت) تفاوض لتعظيم مكاسبه من المسائل الأخرى العالقة. على كل، ليس من المحتمل إيجاد حل ودى للوضع النهائي لأبيي، وقد تضطر اللجنة العليا للتنفيذ التابعة للاتحاد الأفريقي لإيجاد حل ولكن مثل هذا الحل يجب أن يحقق مصالح الطرفين في إطار معطيات ومحددات بروتوكول أبيي وقرار التحكيم. إن أية حل يؤثر على أرض دينكا نوك قد يثير سخط السكان المحليين ويجدد النزاع بين الدولتين.
خلال مشاركتي في الجولة الأولي من هذه المفاوضات في أديس أبابا في الأسبوع الماضي، لاحظت أن كل الأطراف حريصة على التقيد والالتزام بخارطة الطريق، وبرغم أن هذه الجولة من المحادثات لم تحقق نتائج طيبة فهناك جدية من قبل الطرفين لإيجاد حلول. خلال هذه المباحثات كان أداء دولة جنوب السودان جيداً بقيادة فريق التفاوض المؤهل والمقتدر. وبعكس ذلك كان أداء فريق تفاوض دولة السودان ضعيفاً وتنقصه القيادة الصلبة المتماسكة. من الواضح أن فريق تفاوض دولة السودان يخسر دعاويه بشكل مطرد في هذا الجولة من المباحثات، وقد تم اعتباره  فريقايتسم بعدم العقلانية وعدم الموضوعية وقد تلقى العديد من البطاقات (الكروت) الحمراء لعدم تقيده بخارطة الطريق. إن هذا الأداء الضعيف يجب أن يجعل السودان حريصاً على عدم إحالة أي مسائل عالقة للجنة العليا للتنفيذ التابعة للاتحاد الأفريقي. وبناء عليه،فإن هناك فرصاً طيبة في أن تحقق خارطة الطريق العائدة للاتحاد الأفريقي حلولاً تنطوي على مكاسب متبادلة للطرفين.
* الدكتور/لوكا بيونج دينق أحد كبار القادة المخضرمين للحركة الشعبية لتحرير السودان الحاكمة لدولة جنوب السودان، وهو حاليا الرئيس المشارك للجنة المشتركة للإشراف على إدارة أبيي ممثلاً لرئيس دولة جنوب السودان الفريق سالفا كير، وهو كذلك عضو مشارك في الفريق المفاوض لدولة جنوب السودان في جولة المفاوضات الحالية الجارية بالعاصمة الأثيوبية أديس أبابا.