جولة المفاوضات بين السودان ودولة جنوب السودان: ما هو المتوقع؟

بقلم: الأستاذ/لوكا بيونج دينق*

ترجمة: غانم سليمان غانم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


هذه الجولة من المفاوضات بين السودان ودولة جنوب السودان ستكون مختلفة عن سابقاتها لأنها مقيدة باطار زمني محدد بثلاثة شهور وحاسمة لإيجاد حلول لجميع المسائل المعلقة خلال أربعة شهور حسب قرار مجلس الأمن رقم 2046. ويدرك الطرفان أن الأمور لن تسير كالمعتاد لأن المجتمع الدولي يراقب عن كثب وأن مجلس الأمن سيحاط كل أسبوعين بتقدم سير المفاوضات وتنفيذ خارطة الطريق التي تبناها مجلس الأمن والسلام التابع للاتحاد الأفريقي، وبذلك ستنطوي هذه الجولة علي تحضيرات جادة من قبل الطرفين والتزام سياسي واستعداد لقبول نتائج هذه المفاوضات.بعد قرار دولة جنوب السودان بإيقاف إنتاج البترول  واحتلالها لمنطقة بانتيو (هجليج) كسبت حكومة السودان تعاطفاً من المجتمع الدولي. وفى واقع الأمر، وللمفارقة تفوقت حكومة السودان دبلوماسيا على دولة جنوب السودان التي فشلت حتي في تخفيف لهجة إدانة مجلس الأمن والسلام التابع للاتحاد الأفريقي عند قيامها باحتلال بانتيو (هجليج) بل أن أصدقاء دولة الجنوب في مجلس الأمن والسلام التابع للاتحاد الأفريقي لم يتمكنوا من الدفاع عن دولة الجنوب في مواجهة سلسلة الاتهامات الكاذبة والمزعومة التي بثتها دولة السودان ضد دولة جنوب السودان. ولقد أسر إلي أحد الدبلوماسيين في نيويورك بأنها المرة الأولي التي يرى فيها حكومة السودان - المكروهة عالميا – تحظي بالتعاطف والاهتمام من المجتمع الدولي.
على أية حال، لم يستمر هذا النجاح الدبلوماسي طويلاً لأن المجتمع الدولي عرف الكثير عن قضية بانتيو (هجليج) نظراً لأن التصريحات المتهورة التي أدلى بها قادة حزب المؤتمر الوطني حول دولة جنوب السودان ساعدت في كشف التوجه الحقيقي للنظام الحاكم في الخرطوم خاصة تصريحات الرئيس البشير في وصف الحركة الشعبية (والجنوبيين ضمنياً) بالحشرات والإشارة الضمنية للجنوبيين بأنهم عبيد وكذلك رفضه الفوري لخارطة الطريق، وكل ذلك أطاح بالمكاسب الدبلوماسية والتعاطف الدولي. كما أن قرار السودان بوضع شروط مسبقة لمواصلة مفاوضات السلام وعدم قيامه بإعادة نشر قواته جزئياًخارج منطقة أبيي إضافة إلى قصفه المستمر للسكان المدنيين في الجنوب بالطائرات كانت كلها تحدياً واضحاً للاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن وهذا حول الضغط الدولي تجاه السودان.
إلى جانب هذا الفشل الدبلوماسي، فإن هزيمة القوات المسلحة السودانية بواسطة الجيش الشعبي لتحرير السودان في بانتيو (هجليج) زادت من النشاط العسكري للجبهة الثورية السودانية، علاوة على أن الصعوبات الاقتصادية المتنامية التي أكدها تقرير صندوق النقد الدولي الأخير تجعل السودان يدخل هذه المفاوضات في وضع تفاوضي ضعيف جداً. إن الادعاء بأن السودان تلقى دعما كبيراً بالعملات الصعبة من مصادر لم تسمي وأنه تم مواصلة إنتاج البترول في بانتيو (هجليج) يعتبر أمراً مثار تساؤل حيث أن المعلومات الاستخباراتية المتاحة تفيد بأن هذه المعلومات مختلقة لأجل تسكين مخاوف الجماهير من الانهيار الاقتصادي الوشيك. وبقيام الصين الآن باتخاذ موقف متوازن تجاه الدولتين،إضافة إلى النقد المتنامي في الولايات المتحدة المتعلق بمعاملة الرئيس البشير فإن السودان يخسر أصدقائه والدول المتعاطفة معه. إن السياسة الخارجية الفاترة التي تتخذها حالياً الولايات المتحدة الأمريكية تجاه السودان والمتمثلة في المثل الذى يقول: "إن الشيطان الذى تعرفه أفضل من الشيطان الذى لا تعرفه" قد تتغير حيث يمكن اعتبار الشيطان الذى لا تعرفه أفضل من النظام الحالي في الخرطوم ما لم يظهر السودان تغييراً واضحاً في جولة المفاوضات الحالية. كما أن موقف الولايات المتحدة الأمريكية المتمثل في إيقاف مساعداتها لأى دولة تستضيف رئيس السودان في أراضيها يعتبر إشارة واضحة لتغير السياسة الأمريكية تجاه السودان.
وعلى مستوى المنطقة، لم ينجح السودان في إدارة علاقاته مع جيرانه خاصة مع أثيوبيا وأريتيريا. وبينما كان رئيس الوزراء الأثيوبي يتحمل مخاطر سياسية كبيرة في تأمين الساحة الدبلوماسية لتنظيف صورة السودان فقد ينفد صبره لأن الرئيس البشير خذله في عدة مواقف خاصة فيما يتعلق برفضه قبول الاتفاق الإطاري بين حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال ورفضه كذلك توقيع "اتفاقية وضع القوات" بالنسبة للقوات الأثيوبية في أبيي، وكذلك فإن طريقة البشير في معالجة العلاقات مع أريتيريا لاحتواء المظالم السياسية لشرق السودان قد تزعج أثيوبيا. وبالرغم من أن التطورات السياسية في مصر وليبيا قد تكون في صالح نظام الخرطوم، فإن القادة الجدد في تلك البلاد قد يكونوا حذرين في التعامل مع قادة حزب المؤتمر الوطني لأنهم يرون أنهم عبء سياسي نظراً للطريقة التي شوه بها قادة المؤتمر الوطني صورة الإسلام في السودان.
وبالنظر إلى فريق التفاوض، فإن السودان يمثله فريق ضعيف يقوده الأستاذ/إدريس عبد القادر وهو شخصيه ضعيفة بعقلية انتهازية تركز فقط علي مكاسب الحزب السياسية بدلاً من المصالح القومية للسودان. كما أنه يفتقد السند والدعم من كبار قادة حزب المؤتمر الوطني، وتعتبر قيادته فريق التفاوض مثار تساؤل حيث أنه واجه انتقادات كثيرة بعد الجولة الأخيرة من المفاوضات التي أدت إلى توقيع الاتفاق الإطاري العام للحريات الأربعة والحدود ولقد انقذه فقط الأستاذ/سيد الخطيب وهو دبلوماسي ومثقف مهذب أوضح للمتطرفين في حزب المؤتمر الوطني مبررات ذلك الاتفاق الإطاري.
وفى الجانب الآخر، فإن دولة جنوب السودان بدأت تتعافى بشكل ملحوظ بعد التراجع الدبلوماسي نتيجة لقرارها بإيقاف إنتاج البترول واحتلال بانتيو (هجليج). وبالمزيد من الأدلة التاريخية التي قدمتها حكومة جنوب السودان والخبراء العالميين والتي أوضحت بجلاء أن بانتيو منطقة متنازع عليها وليست جزءا من السودان بدأ المجتمع الدولي يغير موقفه تجاه دولة جنوب السودان. قامت حكومة جنوب السودان بمبادرة جيدة جداً بقبولها لخارطة الطريق التي يتبناها مجلس الأمن والسلام التابع للاتحاد الأفريقي. وبعد أربعة أيام فقط من صدور القرار الخاص بخارطة الطريق صادقت حكومة جنوب السودان على خارطة الطريق وقامت بسحب قواتها من أبيي قبل ستة أيام من التاريخ المحدد للانسحاب بواسطة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. إضافة إلى ذلك، قامت حكومة دولة جنوب السودان بالالتزام بوقف اطلاق النار ووافقت على مواصلة المفاوضات مع حكومة الخرطوم بدون أي شروط مسبقة حسب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ومجلس الأمن والسلام التابع للاتحاد الأفريقي. وبقيام حكومة دولة جنوب السودان بهذا الإجراءات المتعلقة بتنفيذ خارطة الطريق وقرارها السابق بسحب قواتها من بانتيو فقد نجحت دولة الجنوب في أن تظهر للمجتمع الدولي بأنها ليست دولة ملتزمة بالقانون وعضو مسئول في الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة  فحسب بل إنها مستعدة لإيجاد حل سلمي لجميع القضايا والمسائل المعلقة مع السودان. إضافة إلى ذلك، فإن زيارة الرئيس سالفا كير للصين كانت اختراقاً دبلوماسيا ناجحاً إذ إنها ساعدت بشكل كبير في تحسين العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين.
بالرغم من هذا النجاح الدبلوماسي، تواجه دولة الجنوب جملة من التحديات التي قد تعوق موقفها التفاوضي مع السودان. تدخل دولة جنوب السودان هذه المفاوضات وهى قلقة جداً فيما يتعلق بالتحديات الاقتصادية التي تواجههاوالتي أوردها البنك الدولي بشكل مفصل في تقريره الأخير. كما أن هناك كذلك بوادر مجاعة وشيكة قد تسوء خلال يوليو القادم والتي قد تتزامن مع احتفالات الجنوب بعيد استقلاله الأول حيث لن يستطيع نصف سكان دولة الجنوب الحصول على الغذاء. إضافة إلى ذلك، فإن الميزانية التي اعتمدها البرلمان القومي  لم تكن ميزانية تقشفية على الإطلاق لأن الإنفاق على القطاع العام ظلمتناميا بشكل غير معقول بدون جهود جادة لتخفيض بند الرواتب والنفقات التشغيلية. إضافة لذلك، فإن احتياطي العملات الأجنبيةالقليلة المتبقية لا يتم تحديد أولويات إنفاقها بشكل سليم لاستيفاء الاحتياجات العاجلة للمواطنين. كما أن معظم الجهات المانحة قد تجبر على تحويل مساعداتها التنموية إلى مساعدات إغاثية لموجهة الفجوة الغذائية المتنامية وعدم مقدرة الحكومة على تمويل المشاريع التنموية.
الجماهير الآن تقف في صفوف طويلة في محطات البنزين في دولة الجنوب نظراً لعدم توفر إمدادات الوقود،وقد بلغ التضخم مستويات كبيرة حيث أن أسعار الأغذية ازدادت بشكل كبير ليس في متناول أيدي الناس.وسيدرك الموظفون الحكوميون والعاملون في القوات النظامية قريباً أن الأجور والرواتب لا تستوعب غلاء المعيشة والتضخم المتنامي الذى قد يشعل التململ السياسي. وقد بدأ الوضع يتفاقم بسبب الحرب الاقتصادية التي شنها السودان على دولة جنوب السودان بسياسة مكافحة مهربي السلع والمواد الغذائية للجنوب حيث تم مؤخراً قتل بعض التجار الشماليين الذين حاولوا تهريب البضائع للجنوب أوتم محاكمتهم باعتبارهم خونة.
لقد تم تمثيل دولة الجنوب في المفاوضات الجارية بوفد كبير جداً مكون من معظم الوزراء الرئيسيين في الحكومة يقوده الأمين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان. وبالرغم من أن هذا التمثيل الرفيع يمثل جدية والتزام دولة الجنوب في المفاوضات إلا أن الحاجة ملحة لتخفيض هذا التمثيل في ظل الأزمة التي تواجهها دولة الجنوب. ومقارنة بوفد حكومة السودان، فإن وفد حكومة دولة جنوب السودان مؤهل ومفوض سياسيا ومسنود من قيادة دولة الجنوب، ويأمل المرء أن تقوم دولة الجنوب بتخفيض التمثيل وتُفرِغ بعض الوزراء في وفدها المفاوض لمعالجة الأزمة الاقتصادية والمجاعة الوشيكة. وفى حقيقة الأمر، فإن معظم أعضاء فريق إدارة الأزمات القومية هم أعضاء في الوفد المفاوض لدولة جنوب السودان. ويبدو أن حكومة دولة جنوب السودان تعول كثيراً وتضع آملاً كبيرة على هذه المفاوضات وهذا قد لا يعكس إيجابية الطريقة التي تدير بها حكومتنا الأزمة التي تواجه دولتنا الوليدة.
بالنظر إلى حاجة الدولتين إلى تخفيف الضغوط السياسيةفمن المحتمل أن تصل الدولتان إلى اتفاق حول المسائل المعلقة. ومن الواضح أن السودان سيتبنى استراتيجية لكسب ثقة اللجنة العليا للتنفيذ التابعة للاتحاد الأفريقي (AUHIP) خلال فترة الثلاثة شهور بهدفعدم الوصول إلى اتفاق حول المسائل التي قد تقف اللجنة العليا للتنفيذ التابعة للاتحاد الأفريقي لصالح مواقف السودان.  وفى الجانب الآخر، وبما أن دولة الجنوب أبدت اهتماما بوساطة اللجنة العليا للتنفيذ التابعة للاتحاد الأفريقي فإن دولة الجنوب قد تكون في وضع أفضل في إيجاد حل ودي لجميع المسائل المعلقة خلال ثلاثة شهور لتقليل احتمال إحالة أي موضوع لتحكيم اللجنة العليا للتنفيذ التابعة للاتحاد الأفريقي خاصة فيما يتعلق بالمسائل التي لم تلقى فيها دولة جنوب السودان تعاطفا من اللجنة. إلى جانب ذلك، فإن طريقة تحمل أي من الدولتين للمصاعب الاقتصادية خلال الشهور الثلاثة القادمة ستحدد سرعة الوصول إلى اتفاق حول المسائل المعلقة. وفى حقيقة الأمر، يدرك الطرفان هذه القيود والمحددات وتستطيع اللجنة العليا للتنفيذ التابعة للاتحاد الأفريقي استخدام هذه المعطيات والتوقعات كروافع لإيجاد حل ودي بالنسبة لجميع المسائل المعلقة خلال ثلاثة شهور بدلاً من فرض حلول قد تكون صعبة التنفيذ.
وحيث أنه من الصعب بمكان توقع نتائج هذه المفاوضات، توجد هناك فرصاً طيبة في هذه الجولة من المفاوضات للوصول إلى حلول ودية بالنسبة لجميع المسائل المعلقة. وهذا بالطبع يعتمد بشكل كامل على كيفية ومقدرة اللجنة العليا للتنفيذ التابعة للاتحاد الأفريقي في تيسير وتسهيل هذه المفاوضات وإدراكها السليم لكنه المسائل المعلقة حتى تكسب ثقة الطرفين. وبالرغم من أن اللجنة العليا للتنفيذ التابعة للاتحاد الأفريقي قد تم تفويضها للتوسط في هذه المفاوضات، توجد هناك ملاحظة مشتركة تتمثل في المشكلة المتعلقة بالصورة الذهنية للجنة العليا للتنفيذ التابعة للاتحاد الأفريقي وقدرتها على التمسك بالحياد والموضوعية. وهذا الانطباع ليس متعلقاً بدولة الجنوب فحسب بل تشاركها فيه كذلك بعض الدوائر في المجتمع الدولي. ويمكن تجاوز هذه المشكلة باستخدام الحصيلة المعرفية والمساندة السياسية من مبعوثين خاصين من دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية والصين والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة الذين يمتلكون بشكل أو آخر ثقة الطرفين.
* الأستاذ/لوكا بيونج دينق أحد كبار القادة المخضرمين للحركة الشعبية لتحرير السودان الحاكمة لدولة جنوب السودان وهو حاليا الرئيس المشارك للجنة المشتركة للإشراف على إدارة أبيي ممثلاً لرئيس دولة جنوب السودان الفريق سالفا كير.
/////////////////////////////////////////////////