من الأرشيف البرليني: 

الفصل الثامن يهتم بمنظورية الحل السلمي للنزاع، بمداخلة عن التحليل العلمي للصراع ودراسة مقارنة حول استراتيجيات أطراف الصراع (السلطة والمعارضة). تميز الفصل بعرض مكثف لمحاولات حل الصراع سلمياً والمبادرات الداخلية والإقليمية والدولية، بفرضية أن الحل السلمي الدائم هو الخيار الذي لا مفر منه. أيضاُ في هذا الفصل يركز الباحث على منهج التحليل الاجتماعي التاريخي النقدي فينتقل بين الحاضر والماضي دون أن يخل بالرباط العلمي بين الحدث وجذوره ويوضح التطور التاريخي حتى الحاضر بمقارنة ما بين ( مؤتمر جوبا 1947 والمائدة المستديرة 1965 و اتفاقية "أديس أبابا" 1972 ومبادرات السلام في البرلمانية الثالثة 1985 إلى 1989 والفترة ما بعد 1989).

وفي الفصل التاسع (الخاتمة) يكرر الباحث من جديد بأن أسباب وعواقب الصراع السوداني وكذلك المشاكل والصعوبات التي تعترض السعي لحلها صارت – بمرور الزمن معقدة ومتشابكة ومتداخلة بحيث تؤدي إلى فقدان البصر والبصيرة ورغم من ذلك فأن الحلول ليست مستحيلة. فاستخدام الطرق الحديثة والتحليل الهيكلي للأزمات وتجزئتها مثلا إلى عدة مستويات، مثل المستوى الاقتصادي – المستوى البيئي – المستوى السياسي ودراسة علاقاتها المحددة والمرتبطة في إطار الظاهرة، يؤدي إلى تعرية الأهداف السياسية أو الشخصية، سواء أكانوا أفراداً أم جماعات أم أحزاباً سياسية، التي تختفي تحت قناع الاِثنية "العرقية" أو الدين كذلك مشاركة الدراسات المتداخلة (دراسات التماس بالألمانية interdisziplinaer) يساعد في الوصول إلى الحلول الناجعة.
والباحث يدعو إلى تطوير المجتمع المدني وتقويته كمراقب – ومعارضة غير برلمانية لأداء الحكومة ويحذر من هيمنة الأحزاب السياسية على منظمات المجتمع المدني واتخاذها واجهة لها، مما يؤدي إلى تدمير مفهوم المجتمع المدني نفسه. كذلك مطالبة الأحزاب السياسية بالشفافية والنقد الذاتي وعرض برامجها وأهدافها علناً – كذلك تطوير البنية التحتية المتينة لضمان المشاركة الشعبية في الريف والحضر. وعقد المؤتمر الدستوري بمشاركة شعبية. إن الاقتراحات والمساعدات التي تقدمها الدول الأخرى تحت شعار مساعدة التنمية يمكن أن تساعد في حل الأزمة السودانية، ولكن يجب أن تخضع للبحث الدقيق إذا كانت فعلاً تخدم قضايا التنمية وليس غطاء فقط تختفي وراءه مصالح ومطامع الدول المانحة وترسيخ العلاقات المباشرة أو غير المباشرة للاستعمار الجديد.
إن القضاء على حكومة الإنقاذ فقط لا يحل الأزمة كما ترغب المعارضة التي هي نفسها بتركيبتها وتقلباتها لا تقدم البديل الأمثل. كما إن النظام الحالي يشكل جزء من اللغز الكبير "الالغُوزه Puzzle" ،عندما نريد أن نبحث عن أجابه لأسباب الصراع في السودان. إن الحلول المستدامة التي تؤدي إلى القضاء على العواقب التي سببتها السياسة والحروب الأهلية لن تتم إلا عن طريق بناء دولة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان وتراعي ارتباط السودان بمنطقة القرن الأفريقي بمشاكله العديدة والصراع حول الموارد الطبيعية المتجددة وغير متجددة والتي تؤدي إلى زعزعة الوضع الداخلي والتسلط العرقي والديني والكارثة البيئية. إن إرساء سلام عادل ودائم وتكوين نظام اقتصادي وسياسي راسخ في السودان بمساحته الواسعة وتركيبته الاِثنية المتعددة وحدوده الشبه مفتوحة مع 9 دول جوار ليس هدفاً ومصلحة قومية فحسب وإنما هو هدف ومصلحة دولية ايضاً. فحل النزاع السوداني ربما يؤدي أيضاً إلى عامل استقرار وسلام في القارة الأفريقية، أن تحقيق هذا الهدف يؤدي أيضاً إلى إيقاف الهجرة الجماعية من جنوب العالم إلى شماله – الهجرة التي ترعب دول الغرب من هؤلاء القادمين الجدد.

بعد هذا العرض أود أن أشير إلى جانبين حول البحث.
الجانب الأول:
البحث كتب بحماس وصبر وجهد مقدر، إذ تمكن الباحث من الإحاطة بموضوعه من جميع الجوانب مستفيداً من المنهج التاريخي الاجتماعي النقدي ورابطاً بين التاريخ والمشاكل الراهنة، وعارضاً ومحللاً ومعلقاً على أراء وتجارب الذين عملوا في البلدان النامية من الدول الغربية ومشيراً في أكثر من مقطع إلى كتابات راينر تتسلاف Rainer Tetzlaff أستاذ العلوم السياسية بجامعة هامبورغ والعالم بالشأن السوداني والذي استضاف بعض أساتذة جامعة الخرطوم في معهده. وكذلك كتاب "السودان – حروب الموارد والهوية" للكاتب السوداني المتميز د. محمد سليمان محمد. وتعرض الباحث لمفهوم الصراعات، شارحاً خصائصها وأنواعها المختلفة وتفاقم حدتها وارتفاع وتيرتها – من صراع مستتر إلى صراع مكشوف ثم نشوء أزمة حادة تتحول إلى صراع مسلح أو حرب دامية. ويسيق كمثال، مشروع تكوين الهوية الوطنية أو قضية الموارد الطبيعية التي تبدأ كصراع مستتر لتتحول إلى حرب دموية. ويتعرض الباحث إلى نظريات التنمية العديدة والمتباينة في مضامينها ليصل بالبحث إلى الليبرالية الجديدة والعولمة والتي أثبتت فشلها في تطوير بلدان "العالم الثالث". إن الدول الرأسمالية المتطورة قد تعاملت مع كل النظم الدكتاتورية في "العالم النامي" ومنحتها تأييدها وأسبغت عليها الشرعية لتحقق من خلالها أهدافها ومصالحها الخاصة ورغم ادعاءاتها بالدفاع عن حقوق الإنسان.
ويضيف بدلاً من وصف أفريقيا كخاسرة للعولمة الاقتصادية ومسببه للكارثة البيئية أو تبني نظريات تنمية جديدة يجب أن يتم بين القوى الغربية المهيمنة وبلدان "العالم الثالث" المغلوبة على أمرها تبادل الخبرات وتحديد مستوى المعرفة والمقدرة وقضية الديون الخارجية مضافاً إليها معدلات (أسعار) الفائدة العالية التي ترهق ميزانية التنمية وتعيق تنفيذ مشاريعها.
في هذه النقطة أود أن أشير إلى أهمية التمييز بين العولمة كسيرورة تؤثر على أجزاء كبيرة من العالم المعاصر في إطار العلاقات الإنتاجية الرأسمالية وبين الجوانب السلبية للسياسات العولمية وخاصة الامريكية التي تقود الى تدمير التنمية والتطور في بلدان العالم النامي.
والبحث لا يخلو أحياناً من طرافة – فالباحث يستخدم المجاز والقصص الشعبية السودانية بما فيها من حكم وعبر وتبصر لشرح الواقع السوداني المعقد والشائك والمتداخل.

الجانب الثاني:
جاءت قضية التعريب والأسلمة القسرية في أكثر من موضع. فقضية الاستعراب يجب أن تناقش بعيداً عن الحساسية والانفعال، فضرورة التخاطب والتواصل والشعور بالانتماء تتطلب لغة مشتركة (لغة تخاطب) وإلى الآن لا توجد في السودان لغة لدى المجموعات العرقية المختلفة يمكن أن تكون حلقة التواصل بين السكان ما عدا اللغة العربية بحكم انتشارها قياساً بلغات أو لهجات المجموعات الأخرى – وهذا لا يعني بالضرورة إهمال اللغات المحلية (اللغات المحكية) الأخرى وخاصة التي تتكلم بها مجموعات إثنيه كبيرة. والإدارة الاستعمارية هي التي منعت تعليم اللغة العربية في الجنوب وأصبحت اللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية هناك. طالب السياسي الجنوبي الراحل بوث ديو في مؤتمر جوبا عام 1947 بتعزيز اللغة العربية في الجنوب حتى يتمكن الجنوبيون من اللحاق بإخوانهم في الشمال. هذه نظرة ثاقبة من المخضرم بوث ديو، الامتثال للسائد والمألوف والأمثل، طوعا لا قسرا، فربط التعريب كمرادف أو تابع للاسلمة القسرية المرفوضة لا يخدم إلا غلاة الانفصاليين والمتعصبين على الجبهتين. وكان من الأجدر للكاتب ان يتعرض ايضا الى دور اللغة العبرية، عندما اشار الى دور الديانة اليهودية في تكوين القومية الإسرائيلية، فالدين يعتبر عموما جزء من ثقافة كل الشعوب وبنائها الفوقي. فلقد اُتخذت العبرية الحديثة، لغة مشتركة لجميع اليهود العائدين وعلامة على الهوية وتجاوزوا بذلك لغات الشتات العديدة.
يقول الباحث إن الدعوة إلى عدم جواز تأسيس حزب سياسي على أساس ديني، ما هو إلا وجهة نظر عبثية ومشيراً إلى المادة الثالثة من قرارات أسمرا 1995 – (قرار حول الدين والسياسة في السودان، التجمع الوطني الديمقراطي) – وموضحاً بأن الحزبين الكبيرين في السودان حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي أحزاب أساسها ديني ناهيك عن الجبهة الإسلامية القومية.
هذه قراءة مبتسرة لقرارات أسمرا لم تتوخ الدقة، فالقضية تتعلق بفصل الدين عن السياسة وعدم استغلال الدين لمطامع سياسية. فالفقرة الثانية والرابعة في مقررات أسمرا تشرح ذلك بجلاء – وهنا إشارة إليها باختصار: "حق المواطنة – عدم التمييز بين المواطنين بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو الثقافة والمساواة والتسامح بين الأديان واحترام حقوق الإنسان." هذه المبادئ جاءت أيضاً في اتفاقية الخرطوم للسلام عام 1997 بين الحكومة ومجموعة الناصر، وكذلك في دستور الجبهة الإسلامية القومية الحاكمة عام 1998 وبرتوكول مشاكوس. في الحديث عن الفدرالية أو حق تقرير المصير للجنوب كان مفيداً الإشارة إلى رأي الحزب الشيوعي السوداني – فهو أول حزب (الجبهة المعادية للاستعمار) أعترف عام 1954 بشرعية مطالب الجنوبيين الوطنية في حق تقرير المصير. تجنب الباحث التطرق إلى الانقلاب العسكري المجهض في يوليو 1971 الذي حظي بدعم الحزب الشيوعي السوداني وهو من ضمن الأسباب التي أدت إلى تسارع الردة اليمينية لنظام نميري والانفتاح على الغرب، مما مثل حِقبة جديدة في تاريخ السودان.
أما قول الباحث: فيما عدا مساهمة حديثة من الحركة الشعبية لتحرير السودان – وهي المساهمة الأولي بشأن الهوية السودانية التي لم تأتٍ من دائرة المثقفين العرب، ولكنه لم يذكر ما هو تعريف الحركة الشعبية للهوية السودانية على الأقل من أجل المقارنة. كما إنها ليست المساهمة الجنوبية الوحيدة – فهناك كتابات الشهيد جوزيف قرنق "الحزب الشيوعي السوداني" وكتابات الشخصية السياسية الجنوبية البارزة أبيل ألير وكذلك نشير إلى الأبحاث العديدة للكاتب والأكاديمي المرموق د. فرانسيس دينق.
في نقده لمدرسة الغابة والصحراء يتساءل الباحث لماذا تُتخذ "سلطنة الفونج" كنموذج لتكوين الهوية الوطنية في الوقت الذي يزخر تاريخ السودان بممالك عديدة وهامة منذ ألفين عام قبل الميلاد. هذا التساؤل كما أرى، في غير محله، فدولة الفونج هي أول دولة إسلامية كان حكامها من أصل أفريقي والتي كانت تسيطر على السلطة قبل الغزو التركي المصري للسودان (1820 – 1821) فما جدوى العودة إلى الماضي السحيق والتذكير بأن السودان كان فرعونياً أو وثنياً أو مسيحياً ونحن نناقش الآن قضية محددة ومحصورة زمانياً ومكانياً – وهي مشاكل السودان الحديث وقضية العروبة والإسلام والأفريقية والباحث نفسه يسوق أمثلته حول إشكالية الهوية السودانية في منتصف القرن العشرين. أما قوله بأن مدرسة الغابة والصحراء تقدم إسلامها الأفريقي في مواجهة الأصوليين الإسلاميين المتعصبين فهذا يحسب لها لا عليها. وهذا يتفق أيضاً مع دولة الفونج – فقد أنتشر الإسلام في عهدها بوسائل سلمية لا قسرية.
والباحث لم يذكر شعراء آخرين تعرضوا إلى إشكالية الهوية السودانية مثل (تمثيلاً لا حصراً) الشاعر محمد الفيتوري في قصائده الأفريقية والشاعر صلاح أحمد إبراهيم وقصائده عن أوهام النقاء العربي الذي يفتخر به السوداني الشمالي.
"كذاب الذي يقول في السودان –
إنني الصريح
إنني النقي العرق
إنني المحض
أجل كذاب"
أو الشاعر محمد المهدي المجذوب
طليقُ لا تقـِّيدنى قريشُ
باحساب الكرام ولا تميم
وبالرغم من ذلك – اتفاقاً مع الباحث – لا يمكن نفي النظرة الاستعلائية من قبل بعض أفراد الصفوة الشمالية حيال المواطنين في جنوب السودان. أشار الباحث إلى مقطع من قصيدة محمد عبد الحي العودة إلى سنار:
"بدوي أنت؟"
"لا" -
- "من بلاد الزًّنج؟"
"لا" -
أنا منكم. تائه عاد يغنيٍ بلسانٍ
ويصلي بلسان
قام الباحث بترجمة النص (بالأحرى تأويله) كالاتي: "إن الأمة الهجينة التي تغني بمائة لغة أفريقية ولكنها تصلي بلغة القرآن." من غير الإشارة هنا بأن القصيدة لم تقلِ بأن الصلاة باللغة العربية أو بأن هناك من يصلي لخالقه من دون لغة القرآن، فأن القصيدة لها أبعاد ومستويات عدة وهي صورة مصغرة لتاريخ السودان فهناك إشارات إلى العهد الوثني والطقوس الأفريقية والتصوف الإسلامي وصولاً إلى الأدب الأوروبي الرومانسي مثل الإشارة إلى الشاعر الألماني نوفالس (Novalis). إن إختيار مقطع قصير جداً لقصيدة طويلة رائعة من أجل تدعيم وجهة نظر مسبقة للباحث، غير جائز في البحث العلمي.
جاء في مقدمة رواية بذرة الخلاص لفرانسيس دينق: " إن الهدف الأساسي من هذا المؤلف هو إظهار أن شخصية السودان العربية الأفريقية – هي مصدر قوة وإثراء وإن تحقيقها لن يتم إلا إذا وقف السوداني على ركيزتي هويته: عروبته وإفريقيته." هل أرادت مدرسة الغابة والصحراء وبقية الشعراء أكثر من ذلك؟.
هذه بعض الملاحظات بهدف إثارة النقاش وتعميقه حول هذا البحث الجاد الذي يقع في 242 صفحة من القطع الكبير بجانب الخرائط والملاحق والجداول و119 مصدر ومكتوب بلغة ألمانية رصينة ويقدم مادة غنية للطلاب والباحثين الألمان وغيرهم وإضافة للمكتبة الجامعية كمرجع في مجال تخصصه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ Osman Saeed, der Konflikt als Beispiel für den Konflikt zwischen Staat und Kultur , Freie Universität, (FU) Berlin

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.