صدر عام 1987 عن دار نشر الشعب والعالم1 في برلين الشرقية، المانيا الديمقراطية سابقاً، كتاب محمد الفيتوري معزوفة لدرويش متجول وهو عنوان لديوان وقصيدة مشهورة للشاعر.

" لقد اتخذ شعر الشاعر العربي محمد الفيتوري المولود حوالى عام  21929

اساليب متعددة. لقد انفعل في السنوات الأولي بمصير الأفريقيين السود. مستخدما الكلمات البسيطة والصارخة التي تحثّ القارة المستيقظة. وشكّل موضوع الاستعمار نبرته الأساسية في التزامه السياسي. .

يعتبر الفيتوري ممثلا هاما في البلدان العربية "للقصيدة الجديدة" أو الشعر الحر. كما ان شعره اشتهر بالذات من خلال تأمله وإحيائه للقصص والاساطير الشرقية القديمة.

تقولُ لي يا دَبشليمُ \ وابتسامة الغضب \ تنصِب ما بيني وما بينك \ جسراً من لهب \ - أطبق فمكْ \ حكمة هذا العصر أن تطبق عينيكَ \ طويلاً وفمكْ \ يا دبشليم الحقُ صوت الله \ وكِلْمة الحق هي الحياة \ فلا تضق ذَرعاً \ إذا تحركت بها الشفاه 3

يحتوي الكتاب من الحجم المتوسط على 106 صفحة ويضم 41 قصيدة قام باختيارها وترجمتها الى الألمانية د. مصطفى هيكل4 وزوجته الألمانية يوهانا هيكل5 و خاتمة صاغها هيكل.

تم اختيار القصائد التالية:

1- من ديوان أغاني أفريقيا:

- البعث الأفريقي، أغاني أفريقيا، أنا زنجي، إلى وجه أبيض، مات غداً، لقاء و إلى امرأة عاشقة.

2- من ديوان اذكريني يا افريقيا:

- البنفسجات الثلاث، قارع الطبول، الغريب، ثرثرة بورجوازية و مقتل السلطان تاج الدين.

3- من ديوان عاشق من أفريقيا:

- عاشق من أفريقيا، صوت افريقيا، ما زلت أغني، عصر الميلاد، أغنية إلى السودان وأغنية في الضوضاء.

3- من ديوان معزوفة لدرويش متجول:

- معزوفة لدرويش متجول، نقش على الشفتين و الأقنعة.

4- من ديوان سقوط دبشليم:

- داخل السرير الملكي، حوار، المعركة، العميان والجريمة، السقوط ، المخاض، وصية الشاعر القديم،

السؤال والاجابة و آخر المهزلة.

5- من ديوان البطل والثورة والمشنقة:

- الله يا شيخي أنا، المقتول يدفع الثمن و القمر والحديقة.

6 – من ديوان اقوال شاهد اثبات:

- رحلة في عيون بلادي، الى.. غسان كنفاني، حوار قديم.. عن الف ليلة وليلة، فليبق وجهك مشتعلا بالجمال و سأصلي له زمنا.

7- من ديوان ابتسمي حتى تمر الخيل:

- معيتيقية و الله و قاتلوها.

يبدأ هيكل الخاتمة بتذكر زوجته يوهانا التي غيبها الموت قبل أن ترى ثمرة عملهما المشترك.

ويواصل6 .." انا أسود، أسود لكني أمتلك الحرية". هكذا يكتب الشاعر محمد الفيتوري في ديوانه الأول أغاني افريقيا (1955) وبذلك يقر بانتمائه الى القارة السوداء، كثقافة ومصير وقضية ناقش وجادل من أجلها سنوات طويلة كشاعر ملتزم سياسيا. وفي الواقع ان قصائد النهوض الحديث

"البعث الأفريقي" يقرأها المرء كذكريات محببة لقصائد كتاب أفريقيا السوداء في زمن النضال من اجل الاستقلال عن الاستعمار والتي عرفت بيننا في زمن سابق كمختارات أو كإصدارات منفردة.

ولكن عندما يتصفح القارئ ديوان الفيتوري وهو الاسم الذي اطلقه الشاعر على مجموعة اعماله الشعرية، يقع على مواضيع أخرى، اشياء مختلفة، العلاقة بالتقاليد الشرقية والتاريخ العربي والمعاصر، مثل السودان، ومصر، وليبيا، وفلسطين والعلاقة الملتبسة والايمان الأعمى بين السلطان والدرويش والحوار حول الف ليلة وليلة.

ان هذا العمل المقدم يصِفُ الفيتوري كمتجول ووسيط بين الحلقات الثقافية المختلفة والتي لها، تاريخيا، بالطبع نقاط التقاء بينها. إن خصوصية وسحر شعره أدى إلى استقباله الواسع ومناقشته في البلدان العربية. وهذا يتعلق ايضا بأصله وسيرته الذاتية.

إن العمل الصحفي، والانخراط في النشاط السياسي في ظل معاداة الامبريالية، وكتابة الشعر، كانوا يمثلون للفيتوري وحدة ثابتة وليس فحسب في زمن هيمنة الاستعمار. لقد عانى وعايش أيضا مسار الانتفاضات السياسية والنزاعات في البلدان العربية المختلفة التي عمل بها.

لقد سأل الفيتوري نفسه مراراً، إلى أي بلد حقيقة هو ينتمي؟ فيجيب مُثيراً ومُعمِما عبر قصيدة الغريب

(1966) "الناس يولدون أغرابا". انها ظاهرة مميزة له كذات شاعرة يتكرر توحدها في الصوفي( الدرويش)، الذي يعيد النظر في علاقته مع السلطان و مُواجهته بالحقيقة.

وكذلك قد وجد الشاعر موطنه أيضا كما تجلى في إسهاماته البارزة في حركات التحرر الأفريقي والعربي. وقد ذكر في شعره أبطال وضحايا التاريخ، الذين يشعر معهم برباط عميق: السلطان السوداني تاج الدين، الشاعر الفلسطيني غسان كنفاني والراعية الليبية الصغيرة معيتيقية.

إن كلمات  مثل الاضطراب والقلق والحزن واليأس والعزلة، تترد في شعره، فهو يعلم سعى وطموح الكثير من الناس الى حياة قيمة وإنسانية، خالية من الاستغلال والحرب. "وأنا فيك أعيش / وتنمو شجراتي / ويفوح شذاي / وتدور شموسك في ليلي. (من قصيدة أغنية في الضوضاء، 1964.)

إن الإنتاج الشعري للفيتوري يضم حتى الآن ثمانية دواوين، نشرت بين عامي 1955 و1975  ،بجانب  المسرحيات، أحزان افريقيا "سولارا" (1969) وثورة عمر المختار (1974)ومقالات عديدة.

إن لغته الشعرية لم تتعدد في مواضيعها فحسب بل في الخبرة الانسانية والشعرية. مما أكسبها التنوع والتباين. ويوظّف الفيتوري الحوار القصير بين بيدبا و دبشليم (سقوط دبشليم، 1968 ) بجانب قصيدة البطولة العظيمة،

"مقتل السلطان تاج الدين"(1966) لخلق الاحساس بمعايشة مجرى التاريخ".

لقد نجح هيكل في عكس لغة ومشاعر وأفكار الفيتوري بصورة جيدة وخاصة في قصائد الفترة الأولى (الزنجية)، والتي كانت لها النصيب الأوفر من الترجمة وكذلك قصائد الحكمة القصيرة المتمثلة في الحوار بين بيدبا الحكيم والملك دبشليم..

عندما نقرأ قصيدة الغريب:

...الناس يولدون أغرابا / وحين تلتقي الغربة بالغربة / في الطريق / يولد طفل الحب والمعرفة / أجمل منه، لم تشاهد قط عينان / لأن أطفال الحياة حين يولدون / يخضوضرون لحظة../ وينضجون، ثم يسقطون / في قبضة العاصفة / لكن طفل المعرفة / يخضر أشجاراً على طول الطريق.

نستعيد هنا مشاكل الغربة والاندماج والمعونات القليلة التي تقدمها المانيا القوية اقتصاديا وعلميا للمهاجرين والتذرع بالقوانين وتعديلها لتحجيم عددهم وصعود اليمين المتطرف والتجمع الجديد  "وطنيون اوروبيون ضد اسلمة الغرب" ( بجيدا7 ) التي تقوم بالهجوم وحرق معسكرات المهاجرين والنازحين ، الهاربين من جحيم العسف والتسلط والفقر ومصارعة الحياة من أجل لقمة العيش وفقدان الأمل، حتى لو اصبح البحر الأبيض المتوسط مقبرتهم كخلاص أخير من هذه الحياة،  ونتمعن في كلمات الفيتوري بما فيها من رؤية انسانية ضد العنصرية ومن أجل تبادل المعرفة.

لم يترجم هيكل قصيدتَي "أقوال شاهد إثبات" و "إلى..عبد الخالق محجوب ورفاقه"، وانما ذكر          فقط في تعليقه، بان الفيتوري نظم قصيدة في رثاء السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني ، ولم يذكر اسم القصيدة ولا اسم عبد الخالق محجوب وهو رفيق النضال والفكر. لا تكمن قيمة القصيدتين في جانبهما السياسي فحسب وإنما هما من عيون الشعر بما تحمله الكلمات من صياغة شعرية عالية و من صور وتعابير وأخيلة وحرارة وصدق ،كما تعبران عن فترة حالكة من تاريخنا السياسي، الفترة النميرية، فترة التيه والشعوذة والجهل والبطش والإعدامات، إعدام عبد الخالق محجوب ورفاقه والأستاذ محمود محمد طه وصولا إلى المكابرة والفقر الثقافي والفكري الذي بلغ ذروته في عهد الإنقاذ.

نقرأ في قصيدة اقوال شاهد اثبات:

عبر الدهاليز الطويلة../ التي تختال في قاعاتها الضيقة السوداء / آلهة الموت صفوفا / ناشرات خلفها الصمت والانطفاء / ..

..........

لقد رأيتهم../ إني رأيت القتلة / مروٌا على عينيً / وكانوا يصخبون كالطيور الجارحة / كانوا قضاة يحملون الأسلحه / ويمضغون الكتب المنزلًه ..../ لن تفلتوا غداً / من قدر الولادة الأليمه / ومن مخاض الأمة العظيمه

وفي،  الى..عبد الخالق محجوب ورفاقه:

قوس من النار والعشب../ أخضر../ صوتك../ بيرق وجهك.. قبرك../ لا تحفروا لي قبراً / سأرقد في كل شبر من الأرض / أرقد كالماء في جسد النيل / أرقد كالشمس فوق حقول بلادي / مثلي أنا ليس يسكن قبرا.../ لماذا يظن الطغاة الصغار / ان موت المناضل موت القضية / أعلم سر احتكام الطغاة الى البندقية / لا خائفاً../ ان صوتي مشنقة للطغاة جميعا /... كل طاغية صنم.. دمية من خشب / - كل الطغاة دُمىً .../ قتلوني../ وأنكرني قاتلي / وهو يلتف بردان في كفني / وأنا من ؟ / سوى رجل واقف خارج الزمن / كلما زيًفوا بطلا / قلت: قلبي على وطني !

يكتب الفيتوري في مقدمة ديوانه " شرق الشمس غرب القمر"8

" ... كنت أتصور أن وقتا سوف يجيء وسوف نكون نحن من بعض بُنَاته، ضمن من سوف ينعمون ببعض الانتصارات والأيام الحلوة فيه ولكن ها نحن ذا، حيث بدأنا وكأن لم نخط خطوة واحدة إلى الامام...القيود في الأرجل والسلاسل في الشفاه...أقصد الحرية التي حلمنا بها، (نحن الشعراء) لم تتجاوز طفولتها المضحكة."

ها نحن في عام 2015، هل تحقق شيء من الانتصارات والايام الحلوة التي كان يحلم بها الفيتوري، وكم من الابطال لانزال نزيف ؟

يقول الكاتب السوري صبحي حديدي " زنوجة محمد الفيتوري9

" الأعمال النقدية المكرسة لتجربة الشاعر السوداني الراحل محمد الفيتوري( 101936 – 2015 )، قليلة على نحو مفاجئ ومحزن بالطبع، حتى على مستوى الأطروحات الجامعية، وذلك بالقياس إلى تجربة الشاعر الطويلة، ومكانته الريادية في شعر السودان الحديث خصوصاً، وحركة ما سيُسمى "الشعر الحر"

على نطاق الوطن العربي عموماً ".

يكتب الناقد المغربي د. محمد السرغيني11

" ربما يكون الفيتوري أقلّ الشعراء العرب المعاصرين إثارة لاهتمام النقّاد المعنييّن بمواكبة الحركة الشعرية العربية المعاصرة. ويرجع هذا الى عدّة أسباب منه الذّاتي ومنها الموضوعّي، غير أن أهمها أن هذا الشاعر متحصّن بمناعة ذاتية تجعله بمنأى عن ذلك الورم الاعلامّي الذي يجري خلف بريقه اللامع كثير من هؤلاء الشعراء. ومهما يكن الأمر، فإنه من المؤكد أنه لم ينل ما هو أهل له من النقد والتحليل إلا النزر اليسير إذا قيس بالحظوة التي نالها غيره من معاصريه ممن يساوونه في الاِبداع أو من هم

دونه فيه."

إننا لا نقدّر ولا نحترم أدباءنا وشعرانا وعلماءنا إلا بعد رحيلهم، وحتى هذا التقدير يتم لفترة وجيزة، فترة العويل والبكاء ومن ثم يطويهم النسيان من جديد.

نحمد لهيكل جهده المقدر، وهى أول ترجمة لشعر محمد الفيتوري باللغة الألمانية، ليعقب ذلك الترجمة الرائعة لكل أعمال  الطيب صالح الى الألمانية والتي نفدت جميعها. و تُرجمت بعض أعمال طارق الطيب (النمسا) ، لم اطلع عليها. كما تُرجمت رواية مخيلة الخندريس لـعبد العزيز بركة ساكن، قامت بترجمتها السيدة إشراقه مصطفى (النمسا)، وهى ترجمة سيئة وبائسة وهناك محاولة لترجمة رواية مسيح دارفور ايضا لـعبد العزيز بركة ساكن وعلى أمل كسب ناشر شجاع ومتضامن. وسوف يصدر قريبا كتاب مشترك لقصاصين عرب يشارك فيه ساكن بقصة أو قصتين قصيرتين.

رسم بريشة الفنان توماس كرافت تتصدر الصفحة الأولى وتعبر عن عنوان الكتاب.

                               

هوامش

1 - Mohammed Al- Flaituri, Musik eines wandernden Derwischs.

Verlag Volk und Welt, Berlin 1987

2 – هناك خلاف كبير حول تاريخ ميلاد الفيتوري.

3 – مقتطف من نص دار النشر، وُزع منفرداً مع صدور الديوان.

4- مصطفى هيكل (1922 – 2003 ) مصري،  اقتصادي، ناشط سياسي ماركسي، كاتب وأديب.

 قام بترجمة أعمال لبعض الكتاب العرب منهم غسان كنفاني، توفيق فياض، زكريا تامر، معين بسيسو ومحمود درويش.

5 – يوهانا هيكل عملت معيدة في معهد تاريخ الفنون بجامعة هومبولت ببرلين

6 – لم نترجم ما جاء في الخاتمة عن نشأة ودراسة وعمل ووظائف وتنقل الفيتوري، بحكم انها معروفة للكثير من القراء.

7- Patrioten Europas gegen die Islamisierung des Abendlandes (PEGIDA)

8 – محمد الفيتوري، ديوان "شرق الشمس غرب القمر". منشورات المجلس القومي للثقافة العربية

الرباط. الطبعة الأولى 1987 .

9 – صحيفة القدس العربي اللندنية، 26 .4 .  2015

10 – أنظر هامش 2

11 – محمد السرغيني، الكينونة الثلاثية، دراسة لديوان الفيتوري " شرق الشمس غرب القمر"

    الدراسة ضُمنت للديوان.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.