Hamid Fadlalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

**مهداة إلى "الزول النضيف" الصديق الطبيب الإنسان

هاشم مساوي، المدينة المنورة/ السعودية

 

 

          رن جرس الهاتف فاستيقظت مذعوراً. تناولت السماعة، جاءني صوته عبر الأثير مجلجلاً ومضطرباً في نفس الوقت وعلى البعد كنت أسمع صوت الصديق الآخر.

قلت: لقد حادثته في الضحى.

قالا : الساعة الآن قد جاوزت منتصف الليل بكثير.

تحادثنا ثلاثتنا طويلاً وقلبنا الأمور والاحتمالات وقلت: لا داعي للقلق.

فقالا: هذا شيء ليس من طبيعته، فخطواته محسوبة وطريقه مرسوم.

رجعت إلى غرفة النوم فوجدتها على حافة السرير وقد فر النوم من عينيها.

سألتني بنظرتها فأجبتها.

فقالت: كلنا خطواتنا محسوبة وطريقنا مرسوم.

 

          من خلال النافذة رفعت نظري إلى السماء، قبل أن احني رأسي مؤمناً على قولها وسحبت غطاء السرير فوق جسدي وبدأ الاضطراب والقلق والأرق. رن جرس الهاتف مرة أخرى. قفزت من السرير مهرولاً إلى غرفة الجلوس حافي القدمين. تناولت السماعة لا صوت من الجانب الآخر. أرجعت السماعة أولاً إلى مكانها ورفعتها مرة أخرى وبدأت رحلة التلفونات، أدرت القرص عدة مرات محاولاً الاتصال ببعض الأصدقاء ولكن لا حياة لمن تنادي، هل الكل في الخارج؟ أم في ثبات عميق؟ اتصلت بهما مرة أخرى، أحدهما غادر السكن وجاءني صوت الآخر المألوف. سألته : ألا تزال ساهراً؟ أجابني بطريقته : " نوم عيني البقى لي سهر " وأكد انه لم يتصل بي مرة أخرى كما تصورت، وأردف قائلاً لا خبر ولا أثر.

 

          عدت إلى السرير  بخطوات متثاقلة ومضطربة وبدأت رحلة العذاب من جديد، أرق وأضغاث أحلام وتملكني الخوف. يا إلهي نسألك الرحمة في بلاد الغربة- ربنا يكضب الشينة – تخيلته بجسمه النحيل وبشرته القمحية وبراءة الأطفال في عينية وهو يصدح في عز الليل وما سكن الوتر وينشد :

 

          قبل ما يولد

          سافر أبوه للبلد البعيد

          وطال السفر

          ومحمد كبر

          عايز أبوه حيران يفتش في البشر

         

ويواصل من قريضه بصوته العذب

         

          من زمن

          أنا في انتظارك يا بُني

          وأنت قادم في الطريق

          إن شاء الله واصل

          أنا في انتظارك يا بُني

          من زمن كنت فكرة

          ولسه تتكون مراحل

          قبل ما أشوفك بعرفك

          وأرسم لصورتك كم شكل

          وأتخيلك.

 

رن جرس الهاتف للمرة الثالثة وجاء الخبر السار، ورجعت إلى السرير بخطوات ثابتة وبشعور غريب وتعجبت لضعف الإنسان ووجله، وقبل أن يستسلم جسدانا لنوم عميق كنت أردد قول الشاعر العربي الكبير الراحل السيّاب في سفر أيوب:

 

          لك الحمد مهما استطال البلاء

          ومهما استبد الألم

          لك الحمد، إن الرزايا عطاء

          وإن المصيبات بعض الكرم

          ألم تعطني أنت هذا الظلام

          وأعطيتني أنت هذا السحر؟

          وإن صاح أيوب كان النداء  :

          "لك الحمد يا رامياً بالقدر

          ويا كاتباً، بعد ذاك الشفاء !"

 

 

* طبيب وكاتب سوداني مقيم في برلين/ ألمانيا