الإنجليزي الأسود

على ضفاف النيل

 

موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح

رواية كلاسيكية لأدب ما بعد الكولونياليه، تُكتشف من جديد

 

د. هانز- بيتر كُونش Dr. HANS-PETER KUNISCH 

ترجمة د حامد فضل الله 1

أمير حمد 2

 

اتسم إقتحام مصطفى سعيد لأوروبا وانسجامه بانسيابية مذهلة. كأول مبعوث سوداني يحقق حلم وصوله إلى لندن، حظي في سن الرابعة والعشرين بتعينه محاظراً للعلوم الإقتصادية، وكم تعلق كِلفا بحرث كتبه الجامعية، توهجت فيه ملاحقة النساء الأوروبيات بهوس جنوني، فتارة تجده يتصدر المنصة خطيباً من أجل " اقتصاد نسائي " ومندداً بالاستعمار. أما شقته فهي خيمة شرقية منمنمه تعتمد إستراتيجية الإغراء فيها على البخور وأعواد الصندل المحروق – مضفياً عليها- بإهابه الأسود الأكاذيب (اللذيذة) " عن الحياة على ضفاف النيل ".

 

قبل عامين مُنعت في السودان رواية "موسم الهجرة إلى الشمال"، أول رواية للكاتب الطيب صالح المولود عام 1929 والذي يعيش منذ سنوات في إنجلترا، وذلك لأنه كان قد أشار في صحيفة الحياة اللندنية إلى الوضع الاجتماعي والسياسي المحزن في وطنه، علماً بأن الاحتجاج الرسمي تمثل في تصنيف الرواية كأدب فاضح "بورنوغرافي" ومخالفتها لإصول الإسلام. لقد جاء المنع بلا شك متأخراً بعض الشيئ، فالرواية قد توطدت – من قبل – بين أوساط المثقفين "ككتاب مقدس" أو أن نشرها لأول مره في منتصف الستينيات وهي الآن في مصاف الأدب العالمي.

بفترة طويلة قبل صمويل هنتجنتون Samuel Huntington "صراع الحضارات" تطرق الطيب إلى هذه الموضوعة كشرخ ينسحب على بعض المصائر الفردية لشخصيات الرواية.

صراع الحضارات

 

احتدت المواجهة بمصطفى سعيد عندما التقى بند مثله، (أنت بشع، لم أر في حياتي وجهاً بشعاً كوجهك وفتحت فمي لأتكلم لكنها ذهبت) هكذا تفوهت جين مورس المغازلة لكل من هب ودب والمتحرشة والباحثة عن العراك أينما كان. تزوج سعيد "السوبر عربي" جين الفتاة المتحررة. وياله من ثنائي مجبول على التحرش، كأسلوب متطرف لمواجهة الثقافات.

يختم صالح الرواية بفاجعة دموية، حيث تخون جين مورس سعيد "فرضياً" قبل أن يغمد الخنجر في قلبها تحقيقا لرغبتها.

 

عقب سبع سنوات قضاها في غياهب السجن أثر الانزواء فإستقر في قرية صغيرة على ضفة النيل، حيث التقاه الراوي المتحدث بضمير الأنا. تزوج سعيد بفتاة من القرية وأنجبا طفلين وبالرغم من مساهمته الفعالة كعضو مفيد في مجتمع القرية إلا أنه كان شخصاً غامضاً لا يعرف أحدُ عن تاريخه شيئاً، سوى الراوي أثر صدفة أتاحت له الإستراق إليه وهو يتلو مخموراً قصيدة إنجليزية للعائدين من الحرب، فإضطره إلى كشف دقائق ماضيه الغابر خوف أن يشي به.

 

بالرغم من مضي ثلاثين عاماً على ذيوع رواية صالح إلا أنها – ومما يدعو إلى الدهشة – لم يزل تأثيرها الروحي طاغياً وهذا ما ينطبق كذلك على ترجمتها إلى الألمانية التي أتت متأخرة جداً – مما يعلل تزكية الرواية هذه – هو أن القطيعة بين الثقافات رغم التناقض بين التحزب للعولمة أو التظلم منها لم تفقد أهميتها ولأن الرواية كُتبت بحريه مُسيطرة. إن تعدد الإحتمالات داخل الرواية لهو مشروط بالفقرات "المقالية" وقصص أهل القرية الشفهية والمونولوج الداخلي وهذه العناصر في حد ذاتها توسع المنظور أكثر من مضمون حياة سعيد غريبة الأطوار والذي تلاشى دوره مع انسيابة الرواية شيئاً فشيئاً.

 

اختفى سعيد من القرية بعد أن تنازل عن تاريخ حياته، لعله مات منتحراً أو غرق أثناء فيضان النيل.

يقف مصطفى سعيد الإقتصادي اللامع – إلى جانب قصص شخصيات الطيب صالح – كشخصية متغيرة، محفوفة بالأسرار والأخطار. إن المزح الأخاذ بين أوروبا وإفريقيا -  في هذه الرواية – بتباين السرد الزمني من حيث الشكل والمضمون، خول لها التشكل كتجربة انفتاح على الإدراك الذاتي.

 

أجل فالسودان نفسه كمستعمره أفروعربية سابقة قاوم منذ البداية تحديد هويته على عجل. أما حديث أعيان القرية فيقف بجانب القصص اللندنية وقصة الشاب اليتيم "غير العربي" الذي لا أصل له والغريب على أمه (لا أتأثر بشيئ لا أبكي إذا ضربت، لا أفرح إذا أثنى عليّ المدرس في الفصل... كنت مثل شيئ مكور من المطاط تلقيه في الماء فلا يبتل، ترميه على الأرض فيقفز).

 

وجودي؟ انطوائي؟ ذاتي؟ أو ثلاثتهم معاً. هل يفسر ذلك الإحساس بالتماثل القدسي مع الرواية الذي لايمت بصلة في نهاية الأمر إلى نماذج الحياة التي أفردها جنباً إلأى جنب دون تقويم واضح: قبل موته قرر مصطفى سعيد ذلك الإنجليزي الأسود العاجز عن غزو أوروبا الانسحاب من الحياة آثراً التكتم على حياته الأوروبية الغابرة كسر مقدس محتفظاً بذكرياته حول مدفأة ومحاطاً بكتب، أفلاطون، نقد الإستعمار، توماس مان، وفتغنشتاين داخل غرفة جلوس إنجليزية النمط في تلك القرية الصغيرة على ضفة النيل.

 

يطوق نموذج الحياة العادية للراوي، القصص الأخرى المختلفة في هيكلية الرواية، كعائد أيضاً من أوروبا أبدى استعداداً لإعادة صلته والإنسجام من جديد مع حياة القرية وساهم بالخداع المرير في مفتتح الرواية إلا أن طيف حياة سعيد كان يتجابه مع فعله الذاتي وبالرغم من ذلك ظل وسيطاً متأملاً متردداً بين ثقافات تتصدرها العقبات فهو أشبه ما يكون بالراوي في رواية (قلب الظلام) لجوزيف كونراد Joseph Conrad  بمطاردته مصيراً آخر.

 

أما المشهد الختامي الرائع، جاء كنهاية مفتوحة... أيتبع سعيد إلى النيل...؟ تركت كل قضايا الصراع الحالية تقريباً المتعلقة بالحياة الأفريقية، بعد الإستعمار آثاراً واضحة في هذه الرواية المدهشة التي نُشرت في عام 1966:

 

        عواقب التطور (الثورة) التعليمية.

        السلوك الاستعماري الحديث داخل البلاد للنخبة الجديدة التي تعلمت في الغرب.

        حق تقرير المصير للأفراد والثقافات.

        الوضع الاجتماعي للمرأة وختان الإناث.

 

اقتلوا عجوز الشهوة

 

إن القصص المتداخلة بمهارة في بعضها البعض تؤدي برمتها إلى الكارثة:

تدخل أهل القرية لتحقيق رغبه أحد الشيوخ بالتزوج من أرملة سعيد رغم إصرارها على حريتها وكالمعتاد فقد أدرك الراوي حبه لها متأخراً. قتلت الأرملة العجوز وقطعت عضوه بعد أن حاول اغتصابها ومن ثم انتحرت طعناً.

 

إن الإثارة والروعة لا يكمنان في حادثة القتل المؤسسة على مليودراميه شاقه وإنما في ما تشير إليه هذه الجريمة من واقع اجتماعي، انه صراع حضارات خفي يشتعل في تخوم قرية إفريقية.

دون واعز أخلاقي يصوغ صالح هيكله السردي الموسوم بصراعات حادة والذي تتخلله انتقالات هادئة حتى الكارثة التي لا تمثل في حد ذاتها بشارة الخلاص.

 

إن نصوص أخرى لأدب الرحلات – مثل "مسلم يكتشف أوروبا" لرفاعة رافع الطهطاوي في بداية القرن التاسع عشر أو السيرة الذاتية لطه حسين، "مواطن عالمي بين القاهرة وباريس" هي أقرب إلى التوثيق (مقارنة بصالح) – ترسم صورة تنحو إلى الطرافة في تباين الثقافات. من التعسف أن تعرض موسم الهجرة إلى الشمال كجوهرة نادرة "سوليتير". فالكتب المنشورة بالفرنسية للمغربي محمد خير الدين "الحفار1973" أو الجزائري رشيد بوجدورة "توبوغرافيا 1975" تُشير بوضوح – وبالأخص الأخيرة – إلى نماذج طليعية تستحق الإلتفات.

 

ربما يكون إصرار صالح على المزج التجريبي والتقليدي في هيكليه السرد في هذه الرواية الصغيرة – التي تنمو من فصل إلى فصل والمشار فيها دائماً إلى جوزيف كونراد وتسترجع عطيل، وتقترب بصورة مدهشة من أثر شكسبير – هو الذي جعل تباين الثقافات والمناقشات الحالية حول السرد القديم والحديث مكسواً بالغبار.

 

 

إشارة المترجمين :

 

        كاتب المقال ناقد أدبي أما المقال نفسه فقد نُشر في صحيفة سودديتشا سايتنج Süddeutsche Zeitung  (العدد 139/1998) وهي من أهم الصحف الألمانية وتصدر في ميونخ.

        نقلت الرواية عن العربية باقتدار د.رجينا قروشولي Regina Karachouli  الأستاذة بمعهد الدراسات الشرقية جامعة لايبزج Leipzig  وزوجة الشاعر السوري د. عادل قروشولي الأستاذ السابق في نفس الجامعة.

        اختتمت الترجمة بتعريف عن المؤلف كتبه د. هارتموت فندرش Hartmut Faehndrich المستعرب الألماني المتميز الذي شارك في مؤتمر الرواية العربية (القاهرة / فبراير 1998) والمترجم لعديد من الروايات العربية منها تمثيلاُ لا حصراً: (الزيني بركات: جمال الغيطاني، اللجنة: صنع الله ابراهيم، نزيف الحجر: ابراهيم الكوني).

        كُتب اسم المؤلف Tajjib Salich  وهي صورة تختلف عما جاء في الدراسات الألمانية عن أدب الطيب صالح قبل ترجمة الرواية وعما جاء في الترجمة الإنجليزية Tayeb Salih (Tayyib) والتي هي أقرب إلى الهجاء والنطق العربي.

 

        تغير عنوان الرواية من "موسم الهجرة إلى الشمال) إلى (زمن الهجرة إلى الشمال) وهو خليق بحجم الغلاف الأنيق ويثير في الوقت عينه فضول وانتباه القارئ خاصة بعد التطورات العالمية الأخيرة حول قضية الهجرة والمهاجرين.

 

        تحية لدار لينوس LENOS (بازل/ سويسرا) التي نجحت أخيراً في نشر الرواية بعد محاولات عديدة لجهات مختلفة في السنوات السابقة لم تكلل بالنجاح.

 

        لا تزال ترجمة الأدب العربي إلى الألمانية طفيفة جداً بالمقارنة بالآداب الأخرى وهذه نقطة هامة لا مجال لمناقشتها الآن ربما نعود إليها في مقال لاحق، خاصة موقف ودور الكتاب والمثقفين العرب الذين يعيشون منذ فتره طويلة في ألمانيا.

 

 

        الجمل المُقتبسة من الرواية التي جاءت في متن المقال اقتبست مباشرة من النص العربي (دار العودة ببيروت 1981).

 

 

 

_________________________

1.       طبيب سوداني مقيم في برلين/ منتدى حوار الشرق والغرب ببرلين.

2.       باحث وصحفي .رئيس تحرير مجلة بابل باللغتين العربية والالمانية¬¬¬- المعهد  العربي الثقافي ببرلين

 

       __________      ________       ____________     _________

 

. أفي  ذمة الله ايها الناقد الادبي المتميز رجاء النقاش, الذي خلف  ارثا ادبيا وافرا واكتشف الاديب الالمعي الراحل درتنا الفريدة الاستاذ الطيب صالح .