الخطاب أدناه عيديه الى د. كوستلو قرنق رنق واضافه الى مقال جعفر سعد بتاريخ 28 أغسطس 2011 مقتبسا مدخله الجميل ( عشان ما ننسى لازم نعرف الحقيقة )

خطاب مفتوح

جدير بالاحترام

الأخ العزيز/ عز الدين حسن
بعد التحية والإحترام
لقد فوجئت وأصابتني الدهشة عندما أعلنت في ختام محاضرتك الرائعة بمناسبة ذكرى ثورة ابريل المجيدة في النادي السوداني بتاريخ 15 ابريل 2005، خبر إستقالتك كسكرتير عام للجنة التنفيذية للحركة الشعبية لتحرير السودان/ الجيش الشعبي لتحرير السودان في ألمانيا.

أنا لا أريد التعرض لهذا الأمر، فالإستقالة خيار وقرار شخصي، ولها بلا شك أسبابها الموضوعية، كما أن الأمر يتعلق بتنظيم، لستُ عضواً فيه.
بعد سماع خبر الإستقالة عادت بي الذاكرة إلى سنوات خلت كانت لنا فيها نحن الإثنين سجالات عديدة على الساحة الألمانية.
لعل عنوان خطابي هذا يعيدك إلى عنوان خطاب الأخ العزيز جعفر سعد "جديرون بالاحترام" الذي أرسله قبل أكثر من ثمانية عشرعاماً إلى الأخ كستلو قرنق رنق وقتها كان الممثل والناطق الرسمي باسم الحركة الشعبية في ألمانيا وكنت أنت ساعده الأيمن كسكرتير عام للحركة.

وكان خلفية الخطاب المشادة الكلامية الحامية والألفاظ النابية التي صدرت عنك في حقي. ويدعو فيه إلى الموضوعية في النقاش والإحترام المتبادل، وأعتقد أن الموضوع كان يتعلق بمذبحة الضعين.

لم تكن كلماتك مصدرها الإساءة لشخصي بقدر ما كان الحماس والدفاع عن الحركة الوليدة والكارثة المحزنة التي تمت في الضعين.
وشأننا نحن معشر السودانيين، أحياناً ننفعل كثيراً عندما نناقش قضايانا السودانيه، فالسياسة أصبحت شغلنا الشاغل، دون أن نحمل لبعضنا ضغينة أو حقد، بل بالعكس تزداد أواصر المحبة والإلفة وتعود المياه النقية العذبة لمجاريها.
لم أكن غافلاً عما جرى في مذبحة الضعين التي راح ضحيتها عدداً من أبناء الدينكا بواسطة الرزيقات من عرب البقاره المسلمين، وهي إنتهاك صريح لحق الحياة وحقوق الإنسان، لمواطنين عزل من السلاح ولا يملكون إمكانية الدفاع عن النفس، ولكنني كنت أعتقد أن معالجة تلك الأزمة ونشرها من جانبكم على المجتمع الألماني لم تكن سليمة للأسباب التالية:-

أولاً: القضية ساخنة ولم تعرف بعد أبعادها الحقيقيه.
ثانياً: ربط المذبحة البشعة بقضية الإسترقاق والرق في السودان.
ثالثاً: الصدامات القبلية لم تبدأ من الضعين بل لها تاريخ طويل في المجتمع السوداني.
رابعاً: استغلال القضية سياسياً لدعم الحركة خارجياً.

صحيح إن التحري الذي قام به الأستاذان الفاضلان بجامعة الخرطوم سليمان بلدو وعشاري أحمد محمود وكذلك الموقف المخجل بل "الفضيحة" عندما رفضت الجمعية التأسيسية (1986– 1989) تكوين لجنة لتقصي الحقائق في أحداث الضعين كانا سنداً قوياً لكم في طرح القضية، وبالرغم من إحترامي الشديد للأستاذين الفاضلين وهما من الرموز الأكاديمية البارزة في جامعتنا العريقة، إلا أنني أعتقد أن العمل الأكاديمي يتطلب أولاً التروي وجمع المعلومات وربط خيوط القضية ورصد التجاوزات ومساءلة الطرفين ثم يعقب ذلك الرأي الموثق والمدعم بالحقائق بدلاً من الإندفاع السريع وإتخاذ الموقف السياسي اليومي.
" ليس تعالياً على العمل السياسي فكلانا يؤرقه مستقبل السودان ".

وأذكر عندما إلتقينا بعد الخطاب السعدي قلت لك يا أخ عز الدين: بعد الصفاء يأتي أحياناً العكر ثم يعود الصفاء من جديد، هذا هو الإنسان وهذه هي النفس البشرية، إنني لن أقطع شعرة معاوية في الغربة، فجاء ردك المباشر والسمح :
المشكلة أنه أصبحت بيننا شعرتان فقطعهما أصعب.

لقد سطرت ذلك في "مجلة السودان"- العدد 5 عام 1989- في مقال لي بعنوان "قرأت العدد الأول من نبته" عارضاً وناقداً لعدد المجلة التي كان يصدرها شاعرنا صلاح يوسف "البرليني" بالتعاون مع الأخوه راشد الحاج/ عبد المنعم توفيق/ سيف بادي، وذلك من أجل التوثيق لتاريخنا البرليني، أنت تعلم أنني كنت ولا أزال على خلاف مع الحركة منذ تأسيسها عام 1983 – لست غافلاً أو متجاهلاً أو مجحفاً بحق الجنوبيين ومطالبهم العادلة والعديدة، والغبن الذي أصابهم من جميع الحكومات المتعاقبة سواء برلمانية أو عسكرية شمولية.
وإنما كنت على قناعة بأن الحرب التي إنطلقت شرارتها في توريت عام 1955 لن تؤدي إلى السلام الشامل والحل العادل بالرغم من توفر الأجندة اليسارية والإشتراكية (سابقاً) للحركة.

كما أنني لا أزال، رغم كل التبريرات التي تسوقها دوماً شارحاً ومدافعاً عن مواقف الحركة مثل عدم إشتراك الحركة بعد ثورة أبريل 1985 وسقوط نظام مايو الدكتاتوري في الحكومة، ونعتها لحكومة المشير سوار الذهب بأنها مايو تو (Two)، لأنني كنت على قناعة بأن إنضمام الحركة للعمل السياسي السلمي وقتها ومشاركتها في الحكم ربما أدى إلى تغيير مسار الحركة الوطنية السودانية ولم نفاجأ بإنقلاب الجبهة القومية الإسلامية الذي أطاح بالديمقراطية والحكم النيابي.
كذلك عدم مساندة الحركة مطلب التجمع الوطني الديمقراطي بعدم الإشتراك في مفاوضات الإيغاد – التي أدت في النهاية تحت الضغط الخارجي إلى إتفاقية السلام التي تحتوي على بعض البنود الغامضة التي كان يمكن أن نتحاشاها بالإجماع والوفاق القومي، فالحركة رغم تبريراتها كانت متفقة مع حكومة الإنقاذ لإبعاد التجمع عن المفاوضات.

لاشك أن هذا تكتيك سياسي حزبي "لتكبير الكوم" والفوز بنصيب الأسد- كل هذا مفهوم كمصلحة حزبية ضيقة ولكنه غير مقبول من وجهة نظر قومية شاملة. وكذلك ما لمسته في نقاش جانبي مع بعض شباب الحركة أثناء مفاوضات اللجنة السداسية بين التجمع من جانب والحكومه والحركة من الجانب الآخر في إطار قضية وضع الدستور في القاهره قبل عدة أيام، الذي توافق عقده أثناء مشاركتي في إجتماع مجلس الأمناء للمنظمة العربية لحقوق الإنسان – من المأزق التي تعيشه الحركة بين الوفاء للتجمع الوطني الديمقراطي ولرفاق السلاح من غرب السودان الذين ساندوا الحركة في الماضي وبين الإنخراط في الحكم منفردة مع حكومة الإنقاذ – وبالرغم من ذلك فإنني أعتقد بأن الحركة تنتهج إسلوباً تكتيكياً ذكياً مستفيدة من الخلاف الشمالي الشمالي ومستغلة شهوة الإنقاذ العارمة للتمسك بالحكم بأي ثمن – ليصير خيار الإنفصال المثبت إتفاقياً واقعاً حقيقياً، رغم قناعتي بأن قائد الحركة د.جون قرنق كان صادقاً في خيار الوحدة ولكن تيار الإنفصال داخلها وخارجها لا يمكن الإستهانة به كما يتصور البعض.
وكانت أيضاً فتره خصبة من التعاون المثمر بعد أن قامت الجبهة الإسلامية القومية بإستلام السلطة عن طريق الإنقلاب العسكري وفرض الحكم الشمولي، كنا نعمل سوياً من أجل إسترداد الديمقراطية والتعددية السياسية ولا أزال أذكر العشرات من السودانيين الهاربين من عسف الإنقاذ وهم يطرقون بيتك من أجل المساعدة، وكانت زوجتك الفاضلة هلجا (Helga) الطيبة الخلق رغم أعباء المهنه كمدرّسة في تحضير وتصحيح الدروس، تقوم بخدمة هذه الأفواج بروح مثالية نادرة، وأنت بدورك في حركة دائمة كالنحلة بين بوليس الأجانب (أبو حليمه) والمحامين ومكاتب المشورة مرافقاً لهم للحصول على حق اللجو لا تفرق بين الشمالي أو الجنوبي وفيهم الآن من يعيش آمناً مطمئناً مرتاحاً ومنهم من حصل على شهادته العلمية، وأنت تفعل كل ذلك بدون كلل أو ملل وعلى حساب صحتك ومسارك الأكاديمي.

ولعلي في هذا السياق أذكر موقفك الثابت والواضح والرافض من لقاء (إتفاق) فرانكفورت عام 1991 الذي شارك فيه الأخ كوستلو والتي نجحت فيه حكومة الإنقاذ في شق الحركة وكان المفاوض الخرطومي كما قيل وقتها مدججاً بالدولارات.

لقد علمتنا التجربة السياسية بأن الإنشقاقات الحزبية أو النقابية لا تقود إلا الى الفشل. كما أن إيمانك بوحدة السودان لم يتزعزع في أي لحظة رغم ما اكتنفك من إحباط، أحياناً ولعلني أتصور الآن بعد أن وقفت الحرب وبدأ توزيع الغنائم أن يظهر على السطح من كان مختفياً في الأيام "الحاره" ووقت البذل والعطاء، ليركب الآن الموجة ويتسلق السلم منطلقاً إلى الوظيفة في السفارة أو الوزارة أو حالماً ببناء العمارة وهو لا يعلم بأن إتفاقية السلام ليست آخر الدواء وإن الطريق لا يزال صعب وشائك وإن تبعات ما بعد الحرب لا تقل عنها أثناء الحرب.

لقد تحولت الحركة أو في طريقها إلى أن تتحول إلى حزب سياسي، وهنا يأتي العمل المؤسسي، والحزب الوليد يحتاج إلى كوادر عديدة مثلاً في مجال التوثيق والتحليل السياسي والفكري والمتابعة الدقيقة للتطورات القادمة، وأعتقد أن هذا هو المجال الذي يمكنك أن تواصل فيه عملك ودعمك للحركه التي لا تزال تؤمن بمسارها ومبادئها، فالجري وراء المناصب ليس من طبيعتك ولست من ناس "شوفوني". لقد قيل وكتب أكثر من مرة بأن السودان مأزوم بمصادر القوة فيه.
الموقع المتميز، المساحة الشاسعة، المياه الوفيرة، الأرض الخصبة، الثروات الظاهرة والباطنة، الثروة البشرية، التنوع الهائل الذي تفصح عنه- العناصر والأعراف والألوان والألسن والأديان والثقافات والحيوية الفكرية وتشكيلات الرأي والمذاهب السياسية العديدة والمتنوعة والمتسامحة بما يشبه السمة الغالبة لأهل السودان. وبالرغم من هذه القوة التي نملكها نعيش في أزمة عميقة منذ خمسين عاماً لعلنا نعي جميعاً دروس الماضي ونتجاوز الأزمات التي تعوق الإستفادة من مصادر قوتنا ونحلم بسودان موحد، ديمقراطي، ليبرالي تصان فيه كرامة الإنسان السوداني ويعيش فيه أهله الطيبون في سلام دائم وعادل وشامل، ونتمنى لنا جميعاً الصحة والعافية وأن نواصل العمل الذي بدأناه منذ سنوات في الغربة بعد أن إبيضّ الشعر وإشيبّ الفودين وأن تبقى كما عهدناك – دائما ناكراً للذات، حلو المعشر عفيف اللسان، صادق الوعد – وطيب السريرة ودمت يا صديقي "اللدود" كما كنت أنعتك متفكها.



أخوك
حامد فضل الله
برلين 28-4-2005


Hamid Fadlalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]